5 أسئلة تشرح لك كيف تنهار “أسطورة حفتر” في ليبيا الآن

5 أسئلة تشرح لك كيف تنهار “أسطورة حفتر” في ليبيا الآن

ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة، ربما تنطبق تلك الحكمة أكثر ما تنطبق على قوات القائد العسكري الليبي خليفة حفتر، الذي لم تمض إلا شهور قليلة على سيطرته السريعة على منطقة الهلال النفطي الليبي ذات الأهمية الاستراتيجية، حتى فقدتها قواته بنفس السرعة والسهولة، تستعرض السطور التالية معارك الهلال النفطي الأخيرة، ودلالاتها، وتأثيرها المحتمل على مستقبل حفتر في ليبيا.

1- أطراف الصراع في ليبيا: من يقاتل من؟ يتقاسم النفوذ في ليبيا ثلاث حكومات، لكل منها الميليشيات العسكرية التي تدعمها، وكل منها تدعي أنها الحكومة «الشرعية»:

جبهة حفتر يتركز نفوذه في المنطقة الشرقية، ويمثلها سياسيًا مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح الذي يتخذ من طبرق مقرًا له، ويرأس الحكومة المنبثقة عنه ومقرها مدينة البيضاء عبد الله الثني، وقد سطع نجم حفتر في 2014 بعدما أطلق ما سماه عملية الكرامة، واتخذ من شعار «مكافحة الإرهاب» مرتكزًا لخطابه.

وتتكون قواته بالأساس من مجموعة من العسكريين السابقين، ومسلحين قبليين تمكن من إغرائهم بوعود مجزية، فضلًا عن مقاتلين ينتمون لتيار السلفية المدخلية وينتظمون في عدة كتائب أبرزها «كتيبة التوحيد»، كما تدور الأحاديث حول استعانته بمقاتلين من تشاد، ومرتزقة تابعين لحركة العدل والمساواة السودانية المتمردة.

وطالما حظي حفتر بدعم مصري وإماراتي لا محدود، سياسيًا وعسكريًا، بل أشارت التقارير أكثر من مرة إلى قيام طائرات البلدين بتنفيذ غارات جوية داخل الأراضي الليبية بهدف مساعدة حفتر في التغلب على خصومه، كما برز مؤخرًا الدعم الذي يحظى به الرجل من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد استقبلت موسكو جنودًا من جرحى حفتر للعلاج على أراضيها.

حكومة الوفاق مقرها العاصمة طرابلس، يرأسها »فايز السراج» وهو مهندس معماري سابق شق طريقه إلى السياسة، وقد تأسست بناء على اتفاق الصخيرات الذي رعته – وباركته لاحقًا جهات دولية عدة، والسراج مدعوم عسكريًا من كتائب مصراتة التي تعد أقوى التشكيلات العسكرية في البلاد.

تحظى حكومة الوفاق بقبول دولي واسع، سيما بعدما تمكنت قوات «البنيان المرصوص» الموالية لها من طرد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) من مدينة سرت معقله في ليبيا، وتعد إيطاليا أحد أبرز الداعمين لحكومة الوفاق حاليًا، ورغم ذلك فقد فشل السراج في مهمة تجميع الفرقاء في البلاد تحت راية حكومته.

حكومة الغويل يقود المهندس والسياسي الليبي «خليفة الغويل» ما يُسمى بـ«حكومة الإنقاذ»، وهي تابعة للمؤتمر الوطني برئاسة نوري أبو سهمين، ويتكون هذا المعسكر من القوى المناوئة لحفتر، والتي رفضت اتفاق الصخيرات، واعتبرت حكومة الوفاق «حكومة وصاية».

ويدعم هذا المعسكر رجل الدين الليبي المفتي «صادق الغرياني»، وعضو المؤتمر الوطني السابق «صلاح بادي» الذي يرأس ما يُسمّى لواء الصمود، وهو عبارة عن تشكيلات عسكرية مكونة من ثوار سابقين من مدن المنطقة الغربية مثل مصراتة والزاوية وغريان وطرابلس.

2- كيف تنازعت القوى الليبية السيطرة على منطقة «الهلال النفطي» الاستراتيجية؟ يطلق مصطلح الهلال النفطي علي المنطقة الممتدة على طول 205 كيلومترات من الساحل الليبي، بين مدينتي طُبرق والسدرة، وأبرز موانيها السدرة، وراس لانوف، والزويتينة، والبريقة، والحريقة، ونظرًا إلى أن تلك المنطقة تحتوي على ما نسبته 80% من قطاع الطاقة الليبي، فإنها تمثل أهمية استراتيجية كبرى تعطي من يسيطر عليها أفضلية على بقية أطراف النزاع في البلاد.

حتى نهاية العام الماضي، كانت أغلب منطقة الهلال النفطي تقع تحت سيطرة حرس المنشآت النفطية، بقيادة إبراهيم الجضران، وهو أحد من خرجوا لإسقاط نظام القذافي في 2011، ثم نجح في استقطاب عدد من شيوخ القبائل وضم الكثير من المسلحين إلى جانبه، كان الجضران أحد المؤيدين لعملية الكرامة، لكنه لاحقًا قرر تغيير بوصلته ليبايع حكومة الوفاق برئاسة السراج.

منتصف أيلول الماضي، وفي ضربة خاطفة ومفاجئة للجميع، تمكنت قوات حفتر من إحكام سيطرتها على منطقة الهلال النفطي، ورغم الإدانات المحلية والدولية للتصعيد العسكري في تلك المنطقة الحيوية، فلم يكد يمضي وقت طويل حتى خفتت أصوات الاعتراض، ليبدو وكأن الجميع قد أذعن للأمر الواقع الذي فرضه حفتر ببندقيته، وأضحى الرجل – في نظر العديد من المراقبين – الرجل الأقوى في ليبيا، الذي يتسابق إليه الوسطاء والفرقاء لنيل رضاه قبل البحث عن أي حل للبلاد الغارقة في أتون الانقسام منذ سنوات.

لكن تلك الحال لم تدم طويلًا، ففي مفاجأة أخرى غير متوقعة، لم يكد ينقضي الأسبوع الأول من مارس (آذار) الجاري، حتى طارت الأنباء بانهيار مفاجئ لقوات حفتر في منطقة الهلال، لصالح «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وسيطرت السرايا على مطار رأس لانوف وميناء السدرة النفطي وكذلك مناطق النوفلية وبن جواد وسيدي بشر، وأصبحت مدينة أجدابيا هي نقطة الفصل بين المتحاربين.

3- ما هي «سرايا الدفاع عن بنغازي» التي هزمت قوات حفتر؟ أعلن عن تأسيس «سرايا الدفاع عن بنغازي» لأول مرة في الثاني من يونيو (حزيران) 2016، على يد شخصيات بارزة من ثوار الشرق الليبي، وأعلنوا أن هدفهم مساعدة الثوار المحاصرين في بنغازي ومحاربة الثورة المضادة، وأكدوا التزامهم بمرجعية المفتي الصادق الغرياني فيما يتعلق بالأموال والدماء، وأنهم ثوار غير محسوبين على أي فصيل سياسي، وقد قوبل هذا التأسيس بمباركة من حكومة الغويل، ومن مرجعها الروحي المفتي الصادق الغرياني.

ودأب معسكر حفتر على اعتبار «سرايا الدفاع» ثمرة للتحالف بين تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان وبقايا حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران، كما اتّهم المجلس العسكري لمصراتة – الواقعة غرب البلاد – بتقديم الدعم للسرايا، وقال بعض أعضاء مجلس نواب طبرق إن السرايا تلقت دعمًا من دولة قطر، وهو ما نفته وزارة الخارجية القطرية معتبرة أن تلك الاتهامات ليست سوى «ادعاءات باطلة».

وقد تعرض معسكر حفتر لما وصفه البعض بـ«فضيحة إعلامية»، أثارت الشكوك بشأن جدية كل الادعاءات السابقة، حينما سُرّبت تسجيلات صوتية لمكالمات وقعت بين المستشار السياسي السابق لمجلس نواب طُبرق محمود المصراتي، وضابط كبير في قوات الكرامة يدعى علي، وكشف التسريب عن وجود تنسيق بين قوات حفتر وبين مقاتلي داعش الذين فروا من بنغازي في يناير (كانون الثاني) الماضي.

كما يكشف التسريب عن خطة ممنهجة لنشر معلومات كاذبة حول «سرايا الدفاع» واختلاق قصص مفبركة ينشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي لاتهام السرايا بالانتماء إلى تنظيم القاعدة، وتسويق الهجوم على الهلال النفطي بأنه تم من طرف جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي بهدف التأثير على الموقف الغربي.

وفيما رآه مراقبون خطوة ذكية غير متوقعة، أقدمت سرايا الدفاع على تسليم المنشآت النفطية التي سيطرت عليها إلى حرس المنشآت النفطية التابع لحكومة الوفاق، مؤكدة أن هدفها هو بنغازي وليس الهلال النفطي، كما أعلنت رئاسة الأركان العامة التابعة لحكومة الوفاق تبنيها للسرايا، ووصفت رئاسة الأركان بقيادة اللواء الركن عبد السلام جاد الله العبيدي أفراد سرايا الدفاع في بيان بأنهم «منتسبوها»، حيث قدمت «التحية لمنتسبيها بالمنطقة العسكرية ببنغازي، من ضباط وضباط صف وجنود والقوة المساندة لها».

4- ما أسباب الانهيار السريع لجيش حفتر في منطقة الهلال النفطي؟ أثار الانهيار السريع لقوات حفتر في منطقة الهلال النفطي تساؤلات عدة حول أسباب السقوط وتوقيته، وهو ما يمكن إيجازه في النقاط التالية:

– نجاح السرايا في تفكيك البنية الداخلية لقوات حفتر: فقد استفادت من «تململ» بعض المقاتلين سيما من قبيلة «المغاربة» الذين فقدوا بعض الامتيازات التي والوا حفتر من أجلها، ويؤكد هذا ما ذكره المتحدث باسم قوات الكرامة من أن قواتهم قد تعرضت إلى «خيانة» في المعارك الدائرة.

ويضاف إلى ذلك فشل حفتر في احتواء خلافاته مع كبرى القبائل في الشرق الليبي، وأهمها البراعصة، الذين نكل حفتر بابنهم فرج البرعصي، والعبيدات الذين يعتقل منهم الصديق المبروك العبيدي الذي كان يسعى في الصلح بين أبناء الشرق والغرب.

– الذكاء السياسي للسرايا: فقد أكدت أن المعركة لا تهدف إلى السيطرة على المواني النفطية، وأن وجهتها الرئيسية هي بنغازي، بل وسلمت المواني التي سيطرت عليها إلى القوات التابعة لحكومة الوفاق، وهي بذلك قد بعثت برسالة تؤكد التزامها بالخطوط الحمراء للأطراف الدولية التي تبحث عن الاستقرار في منابع النفط، وأجهضت الدعوات المحتملة للتدخل الخارجي، ووفرت جزءًا كبيرًا من طاقتها العسكرية لمعارك أخرى، ما يؤدي إلى إزاحة الضغوط بعيدًا عن منطقة الهلال.

– أضف إلى ذلك تآكل صورة حفتر داخليًا، وفقدان القدرة على الاستمرار في تسويق نفسه باعتباره رجل ليبيا العلماني القوي، فقد فشل الرجل في معالجة الأزمة الاقتصادية الحالية التي تعصف بالليبيين، كما أثر عليه بشدة تحالفه مع تيار السلفية المدخلية، وهو ما يضرب في مقتل دعاياه بأنه ما خرج إلا ليمنع قيام سلطة دينية في ليبيا، وأخيرًا ثمة عامل آخر مهم، هو الإشارات التي ظهرت للعلن عن خلاف بين حفتر وبين داعميه الإقليميين، المصريين تحديدًا، وهو ما سنبرز له شقًا منفصلًا لأهميته.

5- هل فقد حفتر دعم حلفائه؟ منتصف فبراير الماضي، وفيما نُظر إليه على أنه محاولة مصرية لاتخاذ موقف أكثر مرونة من الأزمة الليبية، التقى رئيس الأركان المصري الفريق محمود حجازي بكل من فايز السراج، ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، وخليفة حفتر، وفيما كانت التوقعات تشير إلى احتمالية عقد لقاء ثلاثي قد يسفر عن انفراجة غير مسبوقة في المشهد الليبي، فوجئت وكالات الأنباء بأن حفتر قد رفض الاجتماع مع السراج، أي أنه لم يُبد احترامًا لوساطة القاهرة وهو على أراضيها.

بالعودة إلى معارك الهلال النفطي أوائل الشهر الجاري، تشير المعطيات إلى أن تدخل سلاح الجو التابع لحفتر في المعارك الجارية قد افتقر إلى الكثافة والدقة اللازمين لحسم القتال، وهو ما اعتبره البعض برهانًا على أن التدخل الجوي في المرات السابقة كان بدعم طيران أجنبي – مصري – تحديدًا، لم يكن حاضرًا هذه المرة.

بعبارة أخرى، يرى البعض أن مصر قررت عقاب حفتر، بالتخلي عن مساندته – ولو مؤقتًا – في المعارك الحالية، وكما تحدث أحد قادة قوات حفتر في تصريحات صحافية، فإن قواته لم تتلق أي دعم عسكري من مصر أو الإمارات أو حتى روسيا في معركة الهلال النفطي، دون ذكر الأسباب، كما نقلت صحف أخرى عن مصادر دبلوماسية مصرية أن «شعورًا بالتململ والضجر» بدأ يتسلل إلى الأجهزة المصرية المعنية بالشأن الليبي من إصرار حفتر على «تعقيد الأمور» وعدم إبداء مرونة مواكبة لما تبديه الأطراف الليبية الأخرى من تنازلات قد تبدو محدودة لكن يُعوّل عليها مستقبلًا، بحسب وصفهم.

ولم يتوقف تعنت حفتر على عدم التجاوب مع الوساطة المصرية فحسب، بل رفض وساطة جزائرية كذلك، ومن بعدها وساطة تونسية، الأمر الذي جعله يبدو وكأنه حجر عثرة أمام التوصل لاتفاق ينهي النزاع القائم في البلاد.

ورغم تلك الإشارات، فإنه من الصعب التصور أن تتخلى مصر أو الإمارات تمامًا عن حفتر، بعدما استثمرت فيه الكثير، كما أن الفراغ الذي يمكن أن يتركه اختفاء حفتر من المشهد السياسي قد يعطي فرصة لأعداء القاهرة من الإسلاميين للتمدد، وهو ما لا ترغب فيه القيادة المصرية بكل تأكيد، والأرجح أن الموقف المصري الأخير ما هو إلا وسيلة للضغط على حفتر للعودة إلى حظيرة الطاعة، والقبول بلعب دور أكثر مرونة يساهم في تسوية معقولة للحرب الليبية.

سيكون لمعركة الهلال النفطي الأخيرة تأثيرات مهمة على مسار الأحداث في ليبيا، وحسبما يرى الكاتب والخبير في الشأن الليبي «محمد عبد الله لحبيب»:

«فقد خسر حفتر معنويًا بخسارته المواني النفطية أكثر بكثير مما خسره ماديًا؛ فقد اهتزت صورته التي يقدم بها نفسه للعالم باعتباره رجل ليبيا القوي، كما قد تعرضه لخسارة بعض حلفائه الداخليين الذين راهنوا عليه وقتًا طويلًا، وقد كانت مظاهر الامتعاض من بعض تصرفات حفتر تظهر من بعض حلفائه بين الفينة والأخرى. وهي خسارة يصعب تعويضها في ظل مناخ دولي وإقليمي بات أقرب إلى دعم الاستقرار في ليبيا، ولو بالتنازل عن بعض الحلفاء».

Advertisements
رابط مختصر
2017-03-12T22:43:42+00:00
2017-03-12T22:43:42+00:00
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة نافذة العرب وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

فجر ياسين