كتب جوزيف حبيب في “نداء الوطن”:
لم يتردّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر الشهر الماضي بتهديد إيران علانية بأنها ستتعرّض لقصف “لم ترَ مثله” من قبل إذا لم توقّع اتفاقاً نووياً جديداً، بالتوازي مع تجهيز وزارة الدفاع الأميركية العدّة لتنفيذ “المهمّة” ضدّ الجمهورية الإسلامية على أكمل وجه متى دقّت “ساعة الصفر”. تحشد الولايات المتحدة قدرات عسكرية هجومية ودفاعية هائلة وتعزّز أصولها البحرية والجوّية في المنطقة، فأرسلت حاملة الطائرات “يو أس أس كارل فينسون” والمجموعة البحرية المرافقة لها لتنضمّ إلى نظيرتها “يو أس أس هاري أس. ترومان” والسفن المتواجدة معها، فيما تفيد تقارير غربية بأن “العم سام” نقل ما لا يقلّ عن 6 قاذفات من طراز “بي 2” إلى قاعدة دييغو غارسيا في أرخبيل تشاغوس البريطاني في المحيط الهندي.
هذه القاذفات الشبحية قادرة على حمل رؤوس نووية وقنابل ثقيلة مثل “جي بي يو 57″، المعروفة بـ “خارقة المخابئ” والتي يُمكن استعمالها لضرب المفاعلات النووية الإيرانية المحصّنة تحت الأرض أو داخل الجبال، كمنشأتي نطنز وفوردو توالياً. كدّست واشنطن قوّة نارية مرعبة على مقربة من إيران لبعث رسالة حازمة لنظام الملالي بأن عامل الوقت ليس في مصلحته كما كان سابقاً، وكلفة التعنّت والإصرار على مواقفه المتصلّبة ستكون باهظة للغاية، وبأن هناك خيارين لا ثالث لهما أمامه، إمّا إبرام صفقة نووية وإمّا ستُفتح أبواب الجحيم عليه، بينما تعضّ طهران على جروحها النازفة وتجهد للظهور بكامل جبروتها وأنها تستطيع توجيه “ردّ انتقامي” على أي هجوم تتعرّض له، محذّرة من أن ضربها سيُعطيها مبرّراً لصنع قنبلة ذرية، علماً أن إسرائيل دمّرت إلى حدّ كبير الدفاعات الجوّية لإيران، التي تكبّدت أذرعها خسائر فادحة جعلتها مكشوفة عسكرياً واستراتيجياً.
يرى الخبراء أن أميركا تُنفّذ استعراضاً ضخماً للقوّة لترهيب إيران وجلبها إلى طاولة المفاوضات النووية بالشروط الأميركية الصارمة، إلّا أنهم يجزمون بأن واشنطن لن تتردّد لحظة في اتخاذ قرار بتوجيه ضربة قاصمة للجمهورية الإسلامية إذا ما وصلت إلى قناعة بفشل المقاربة الدبلوماسية في حلّ المعضلة النووية، خصوصاً أن الدولة العبرية تعمل على إقناع حليفها الأميركي بأن الفرصة مؤاتية لقطع “رأس الأفعى” والقضاء على “الراعي الرسمي” لـ “محور الممانعة”. ويحذرون من أن تهديدات ترامب حقيقية وخطرة بالنسبة إلى طهران، التي عليها أخذها على محمل الجدّ، لأن المرحلة الحالية مختلفة عن الحقبات السابقة، والبيئة الأمنية والجيوسياسية الإقليمية تتغيّر بشكل جذري.
يعتبر الخبراء أن سياسة “حياكة السجّاد” الفارسية وصلت إلى طريق مسدود، والبلاد غدت أمام مفترق طرق صعب، موضحين أن ترامب لا يزال يُفضّل الحلول السلمية لبرنامج طهران النووي وسياساتها التوسعية، إلّا أن “رسالة ترامب” تضمّنت مهلة الشهرين للتوصّل إلى اتفاق، ما يعني أن العدّ التنازلي سبق وانطلق، إذ لن تسمح واشنطن وتل أبيب، تحت أي ظرف كان، بـ “إيران نووية”. ويشرحون أن الإدارة الأميركية تحبّذ المفاوضات المباشرة الأكثر فعالية للتوصّل إلى اتفاق متين وسريع، بيد أن نظام الملالي ما زال متمسّكاً بالمفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط العُماني لحفظ ماء وجهه تجاه أنصاره وحلفائه، وسط حملة “الضغوط القصوى” الأميركية التي تشدّ الخناق حول “رقبة” الاقتصاد الإيراني المستنزف أصلاً.
يعتقد الخبراء أن المفاوضات غير المباشرة لن تكون عائقاً بحدّ ذاتها بالنسبة إلى واشنطن، لكنهم يحسمون أن إدارة ترامب مصمّمة على إنهاء هذا الملف عاجلاً وليس آجلاً، وهذا ما يدفعها إلى التحضير لكلّ الاحتمالات، وعلى رأسها الخيار العسكري، لافتين إلى أن الدفع بقطع حربية إضافية إلى المنطقة يصبّ في هذا الاتجاه، فمِن جهة يُريد ترامب “تضخيم عضلات” القيادة المركزية الأميركية للتأثير على طاولة المفاوضات، ومن جهة أخرى يسعى إلى رفع مستوى التأهّب العسكري للاستعداد لسيناريو تدمير برنامج طهران النووي ليكون الجيش الأميركي على أتمّ الجهوزية إذا ما قرّر قائد “العالم الحرّ” الضغط على الزناد. ولم يستبعد الخبراء تنفيذ عمليات إنزال نوعية خاطفة لوحدات خاصة لتفخيخ المواقع النووية وتدميرها، أو حتى استخدام أسلحة نووية تكتيكية.
يتوجّس الخبراء من تداعيات الضربة المحتملة وكلفتها البشرية وعواقبها الاشعاعية وتأثيراتها البيئية، ولا سيّما على مياه الخليج، إذا ما استحالت محطّة بوشهر هدفاً للغارات، متحدّثين عن أن الهجوم قد يكون أميركياً أو إسرائيلياً بدعم لوجستي أميركي، كما قد يكون هجوماً مشتركاً، وهو الأكثر ترجيحاً وفعالية لضمان القضاء على البرنامج النووي الإيراني، الذي بلغ مرحلة متقدّمة قريبة من عتبة صنع قنبلة ذرية. ولفت أنظار الخبراء زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية مايكل كوريلا الدولة العبرية الثلثاء، حيث عقد اجتماعات ماراثونية مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، وكانت إيران “الطبق الرئيسي” على “مائدة المحادثات”، معتبرين أن الزيارة الثانية لكوريلا لإسرائيل خلال شهر بالغة الأهمّية والدلالة في توقيتها، ويبدو أنها تهيّئ الأجواء للأسوأ وتهدف إلى رفع مستوى التنسيق حال شن هجوم على إيران.
لطالما هدّدت طهران بضرب القواعد الأميركية المنتشرة على بُعد “مرمى حجر” منها في دول الخليج العربية، بيد أن إلحاق الأذى بالقوات الأميركية سيُغيّر هدف واشنطن من القضاء على البرنامج النووي إلى إسقاط النظام الثيوقراطي برمّته، وفق الخبراء الذين يعترفون بصعوبة التنبّؤ بما ستؤول إليه الأمور حال تعرّض إيران لهجوم “جراحي ومحدّد” أو “ساحق وشامل”، ومدى قدرتها على الردّ بفعاليّة أمام التفوّق العسكري والتكنولوجي الجسيم بينها وبين أميركا وإسرائيل. دوائر صنع القرار حول العالم تتابع بحذر “التطوّرات النووية” الشرق أوسطية وسط حركة اتصالات دبلوماسية مكثفة، وطهران تدرس كلّ خطواتها بعناية وهي تُدرك فداحة المواجهة مع الولايات المتحدة، في وقت تقترب فيه إيران بسرعة فائقة من بلوغ نقطة الانفجار الداخلي نتيجة الواقع المعيشي المزري مع ترقب اندلاع احتجاجات شعبية عارمة ضدّ الملالي.