استخدم شخصيتها الشيوعيون والحكام الصينيون عبر التاريخ! تعرفوا على الأسطورة التي بُنيت عليها شخصية مولان

مَن منّا لم يشاهد فيلم الرسوم المتحركة "مولان" في طفولته؟ ومن منّا لم يتحمّس لتجربة مشاهدته في السينما بعدما أطلق في سبتمبر/أيلول بعد تأجيل إطلاقه ستّة أشهر. ربما تساءلنا ونحن صغار وما زلنا نتساءل عن حقيقة مولان، فهل قصتها حقيقية أم لا؟

هذا الموضوع من مجلة BBC History البريطانية يتناول قصّة مولان، والأسطورة التي انبنى عليها الفيلم.

في البداية علينا أن نعرف أنّ تكلفة إنتاج الفيلم الحالي وصلت إلى 200 مليون دولار. أمّا فيلم الرسوم المتحركة "مولان" الذي أنتجته فقد صدر عام 1998، أي منذ 22 عاماً. والفيلم الحالي هو مواصلةٌ لسرد الموضوع الرئيسي للقصة، والذي يتناول احترام الفرد عائلته وصدقه مع نفسه.

وفي الوقت الذي ساعد فيه فيلم الرسوم المتحركة على نشر قصة "مولان" بين جمهور عريض في جميع أنحاء العالم، شهدت قصّتها ذاتها تاريخاً طويلاً من التحوُّل والتعديل في الصين وأمريكا قبل عام 1998، واستمر هذا منذ ذلك الحين إلى الآن.

مولان
مولان في فيلم الرسوم المتحركة

ما القصة الحقيقية لمولان في الثقافة الصينية؟

تُعدّ مولان بطلة في الصين والمناطق الناطقة باللغة الصينية، وفي أمريكا يعادل اسمها تقريباً معنى "المرأة المحاربة". ومع هذا القدر من الشعبية الممتدة بين الثقافات المختلفة، والآراء المتنوعة، والنقاشات حول صحة وموثوقية القصة، ما زلنا نتساءل عن القصة الحقيقية لمولان.

أقدم النصوص المكتوبة عن قصة مولان هي قصيدةٌ غنائية شعبية تعود إلى السلالات الحاكمة الشمالية في الصين، في الفترة بين عام 386 و581 ميلادياً.

القصيدة تزيد قليلاً عن 300 كلمة فقط، وتروي قصة فتاةٍ ترتدي زياً كالرجال وتلتحق بالجيش، لتحل بذلك محل والدها، نظراً لعدم وجود أخٍ يكبرها ليتولى هذا الدور بدلاً من أبيه.

بعد أعوامٍ من الحملات العسكرية وخدمتها لبلادها، تعود مولان بعدما حظيت بالشرف والاحترام حاملةً هدايا من الإمبراطور، سارع والداها وشقيقتها وشقيقها الأصغر وأعدّوا وليمةً ترحيباً بعودتها إلى المنزل.

غيّرت مولان ملابسها وصففت شعرها وزينت وجهها وحيّت رفاقها الجنود الذين شعروا بالصدمة؛ فبعد أن حاربوا جنباً إلى جنب لسنوات لم يدركوا أبداً أنّ مولان كانت في الواقع امرأة.

ومثل غيرها من القصص التي حظيت بشعبية استمرت طويلاً، وشهدت العديد من التغيُّرات، تتضمن أسطورة مولان مثلاً بعض العناصر المشتركة؛ إذ تغادر الشخصية الرئيسية المنزل وتخوض المغامرات وتنجح في إنجاز عملٍ فريد ومميز.

مولان
مكان بيع ألعاب في العاصمة اليابانية طوكيو باسم مولان / IStock

تميل القصص الشبيهة بقصتها إلى أن تكون مرنة؛ إذ تسمح بإضافة التفاصيل والعديد من التعديلات، وتجدر الإشارة إلى الرسالة الأساسية للقصة؛ وهي أن التجاوز الذي فعلته مولان عندما تظاهرت بكونها رجلاً كان له ما يسوِّغه، وهو إنقاذ والدها وخدمة وطنها، وتأكّد ذلك بتحقيق النجاح في الخدمة العسكرية، وقلّ عبئه عنها في النهاية بعودتها إلى منزلها وإلى حياتها امرأة طبيعية.

بذلك كانت مولان شخصية استثنائية، غير أنها لم تمثِّل تهديداً للبنية الاجتماعية في مجتمعها.

ومنذ ظهور تلك القصيدة الغنائية القديمة تمّ تعديل اسم مولان وقصتها، وأُعيد سردها والإشارة إليها في أنواعٍ أدبية مختلفة خلال العديد من السلالات الإمبراطورية الحاكمة في الصين.

فقد أشاد العديد من المؤلفين الصينيين بمولان وأفعالها الاستثنائية، وسلّطوا الضوء على امتثالها لوالديها وولائها واستقامتها ومهاراتها العسكرية وإنجازاتها الحربية، مع إضفاء تعديلاتٍ جديدة وتفاصيل مثيرة للقصة وللشخصية.

عادةً ما تعكس تلك الإعادات في سرد الرواية السياق الاجتماعي والتاريخي لزمن إنتاج العمل الأدبي، وليس القصة الحقيقية نفسها.

فعلى سبيل المثال، تصوِّرها مسرحية من القرن السادس عشر بعنوان "مولان الأنثى تنضم إلى وتحلّ محل والدها"، على أنها محاربة عذراء، لها قدمان مربوطتان (نسبةً إلى أقدام اللوتس).

وتتضمّن المسرحية لحظاتٍ درامية للشخصية الرئيسية أثناء فكّ رباط قدميها لترتدي أحذية الرجال قبل الالتحاق بالجيش، وإعادة ربطهما بعد عودتها، ما يضع شخصيتها في سياق عادة ربط أقدام النساء التي كانت شائعة في ذلك الوقت في الصين.

تختتم المسرحية القصة بزفاف مولان على زوجٍ اختاره لها والداها، مع تسليط الضوء على عودة الشخصية الرئيسية إلى "المكان الصحيح" للشابات، أي: المنزل.

إعلان فيلم مولان 2020

تقتل مولان نفسها بعد العودة إلى المنزل في فصول رواية Romance of the Sui and Tang Dynasties التي تعود إلى القرن السابع عشر. وتكشف أيضاً عن هويتها الجنسية حتى تتمكن من الحفاظ على نقائها، ولكن دون تحدي الأمر الإمبراطوري باستدعائها لكي تصبح رفيقة في بلاط الإمبراطور.

يعكس هذا العنصر من حبكة الرواية المعيار الاجتماعي المتمثل في إعطاء الأولوية للعفة الجنسية للمرأة ووفائها لشريكٍ واحد قبل أي شيء في ذلك الوقت.

وتستمر الإصدارات الجديدة في التطوُّر في الوقت الحديث والمعاصر. بعض التعديلات في ثلاثينيات القرن العشرين جعلت من مولان بطلة وطنية، ورمزاً لتعزيز روح الشعب في القتال ضد الغزو الياباني.

بعد ذلك، كان لشخصيتها دور مهم في الأيديولوجية السياسية للحزب الشيوعي والتي تشجع المساواة بين الجنسين في الصين.

هناك مثالان بارزان على إعادة اختراع شخصية وقصة مولان في وسائل الإعلام، وهما مسلسل  Hua Mulan الذي أُنتج في عام 1998 من إخراج شوي تشينغ لاي وريموند لي، والفيلم الروائي الطويل Hua Mulan الذي أُنتج في عام 2009، واستُخدمت فيه تقنية الحركة الحية وكان من إخراج جنجل ما و وي دونج.

هل مولان شخصية تاريخية حقيقية في الصين؟

قرأنا منذ بداية التقرير عن الأسطورة، لكننا الآن سنجيب عن سؤال: هل كانت هذه الأسطورة مبنية على شخصية حقيقية معروفة في تاريخ الصين؟ 

الإجابة المختصرة والبسيطة هي لا. فليس لدينا أيّ دليل يثبت أن مولان شخصية تاريخية عاشت في وقتٍ معيّن.

ولكن الأمر ليس بمثل هذه البساطة، وخاصة عندما ننظر إلى الأصل الشفهي المحتمل للقصيدة الغنائية الشعبية (أول نص مكتوب عن مولان)، وكيف تطورت قصتها في الصين بداية من القرن الرابع إلى القرن السادس وحتى يومنا هذا.

ماذا تخبرنا جميع النصوص التي وصلت إلينا؟ من الممكن بالتأكيد أن يكون أشخاص حقيقيون وأحداث حقيقية هم مصدر إلهام القصيدة الغنائية. يمكننا، على سبيل المثال، البحث عن دليل على المكان الذي يحتمل أن يكون مسقط رأس مولان.

رغم أن الإصدارات السابقة من قصتها قد جاءت من الشعر والدراما والخيال والمقالات والرسائل، ولكن تفتقر قصيدة مولان الغنائية التي تحدثنا عنها إلى معلوماتٍ محددة حول المكان الذي تنتمي إليه الفتاة، فإنها تذكر مواقع مثل النهر الأصفر وجبل يان، والتي استخدمها الناس لاحقاً لتأويل مسقط رأسها أو تخيله.

في الواقع، زعمت عدة أماكن في الصين أنها مسقط رأس مولان. إضافة إلى المعلومات الواردة في المعاجم، توجد نقوش على الألواح، وهناك أيضاً المقابر والأضرحة التذكارية والتماثيل المُصمّمة لها.

كيف كان شكل مولان الحقيقية؟

لا تتضمّن القصيدة الغنائية الأصلية أي تفاصيل عن مظهر مولان، رغم أنها تذكر تغيير مولان ثيابها وارتداء الملابس النسائية وتصفيف شعرها وتزيين وجهها بعد عودتها إلى منزلها.

في وقتٍ لاحق، بدأت رسوماتها في الظهور في تجميعاتٍ لصور الجميلات أو كرسومات مرفقة في بعض الروايات التي تعيد سرد القصة الأصلية.

رغم أن هذه الأشياء ليست دليلاً يثبت أن مولان شخصية تاريخية، إلا أنها تساهم بإضافة مزيد من المستويات إلى قصتها، فقد تكوّنت تاريخياً بشكلٍ مُنتقص، أي أّن قصتها دائماً ما ينقصها شيء ما على نحوٍ يتيح للآخرين إضافة تفاصيل أخرى إلى النص الأصلي وفق السياق الاجتماعي والسياسي والتاريخي. 

وبعبارة أخرى، قبل وقت طويل من تحوّل مولان إلى اسم معروف بين متحدثي اللغة الإنجليزية، خضعت قصتها لتحول كبير وألهمت العديد من الروايات المُعاد سردها في الصين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى