الأغنية الفلسطينية "ثورة" تناطح طغيان الاحتلال

عاطف دغلس-نابلس

من فوق منصة إحدى حفلات الأعراس الفلسطينية التي اعتاد إحياءها ببلدته كوبر قرب رام الله وغير مكان بالضفة الغربية، غنى الفنان الفلسطيني محمد البرغوثي "الدحية" الأغنية الشعبية المعروفة، وعلى وقع ألحانها الحماسية صدح صوته وطوع كلماتها متغنيا بابن بلدته عمر العبد المقاوم الفلسطيني الذي اقتحم مستوطنة إسرائيلية تحتل أرضه وقتل بسكينه ثلاثة مستوطنين في يوليو/تموز الماضي.

كواحدة من أغاني الثورة الفلسطينية لاقت "دحية عمر العبد" -كما باتت تعرف- صدى شعبيا كبيرا وواسعا، وسرعان ما طربت لها آذان الجماهير لا سيما الشباب وتناقلتها ألسنتهم، لكنها انعكست سلبا على صاحبها وفرقته الفنية بعد أن اعتقلهم الاحتلال.

وفي التفاصيل تكمن الحكاية، فقد دفع البرغوثي واثنان من رفاقه هما نزَّال البرغوثي وناجي الريماوي ضريبة ما غنوا.

ففي اليوم الخامس بعد الحفل، وتحديدا أواخر أغسطس/آب الماضي، داهم جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح منازل الشبان الثلاثة واقتادوهم معتقلين وعدتهم الموسيقية التي تقدر قيمتها بنحو 25 ألف دولار أميركي.

587652c544.jpg
الفنان محمد البرغوثي (وسط) وفرقته التي اعتقلها الاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)

لم تخرج كلمات رددها البرغوثي (23 عاما) واصفا بها عملية العبد عن إطار ما تداولته الأخبار حين قال "طلع من فوق لشباك..ع جنبه حامل سكين.. ولما أعلن الاشتباك.. شيبهم للصهايين" لكنها كانت كفيلة بتوضيب ملف اتهام جاهز أساسه "التحريض" على قتل المستوطنين، ليتم اعتقاله لأربعة أشهر وتغريمه ماليا بثلاثة آلاف دولار أميركي، إضافة لحكم بضعف المبلغ مع "وقف تنفيذ" تراوح بين سنة وثلاث سنوات إذا ما عاد "للتحريض".

ويقول الفنان البرغوثي للجزيرة نت إنه لم يجر التحقيق معهم بل "استجوبوا" مباشرة بناء على تهم جاهزة وشكوى تقدم بها المستوطنون "لنكتوي بنار المستوطنين والاحتلال معا".

ذات التهم بالتحريض إضافة "للإرهاب" واجهها الفنان الفلسطيني أحمد المصري (42 عاما) وفرقة "الأنوار" خاصته، ولم يكف الناطق باسم أفيخاي أدرعي على التحريض علنا وعبر صفحته على فيسبوك ضد أحمد وفرقته، فاتهمه "بمشاركة أغنية تمتدح الشهيد الفلسطيني أحمد جرار" كما يقول رزق المصري شقيق أحمد، مضيفا أنه ومنذ أكثر من شهر من اعتقاله لا يزال يتنقل بين محاكم الاحتلال لمواجهة تلك التهم.

الأغنية مقاومة
وما يراه الاحتلال "تحريضا" هو المقاومة بعينها، والأغنية لطالما كانت إحدى أدواتها، لذلك لم تمت وإن خفت وميضها برهة، وصاحبت مراحل النضال الفلسطيني المختلفة، وشكلت داعما وأساسا له في كثير من الأحيان.

"لذا من الطبيعي أن يعتبر الاحتلال الأغنية التي تنتصر لفلسطين وقضيتها تحريضا" يقول الكاتب والناقد الفلسطيني د. عادل الأسطة، مستذكرا شعراء ومغنين اعتقلهم الاحتلال وحدّ من نشاطهم "الثقافي والثوري" عبر أغانيهم وحفلاتهم كحال الفنان مصطفى الكرد الذي منع الاحتلال تنظيم حفل له بنابلس عام 1976.

لكن تعاملت "بازدواجية" مع الأغنية الفلسطينية ذاتها، فبينما حُوصرت أغاني مارسيل خليفة وتلك التي ألفها محمود درويش "سجل أنا عربي، عابرون في كلام عابر" وسميح القاسم "تقدموا تقدموا". واستُغلت أغنية خليفة "أنا يوسف يا أبي" لصالح الاحتلال في أحداث النفق عام 1996 باعتبار أن "إسرائيل هي يوسف المظلوم وأن الفلسطينيين من يحاصرونها" كما يقول الأسطة.

وبأي سياق كانت، يُعد الاحتلال الأغنية الوطنية الفلسطينية رمزا "للإرهاب" ويستهدف أصحابها بكل أشكال القمع والاعتقال وحتى الإبعاد والقتل، كما هو حال بعض الأدباء الذين قضوا مضاجع الاحتلال على مر السنين.

3f75e33a13.jpg
الأسطة: الأغنية الفلسطينية مستهدفة لأنها أحد أشكال المقاومة (الجزيرة)

والأغنية الثورية "حية وملهمة" كما يراها الشاعر الوطني عدنان بلاونة، الذي كتب -ولا يزال- قصائد حماسية ألهبت وأججت مشاعر الجماهير، وكانت جذوة لإيقاد مظاهرات وأعمال مقاومة عدة، ولذلك فقد دفع ثمن "تحريضه" بأن استخدم الاحتلال أعماله في منصات عالمية للتدليل على "عنف" الفلسطينيين.

والأغنية بحد ذاتها رافد للمقاومة الفلسطينية وواكبت مراحل الثورات والانتفاضات المختلفة، وهي تتكيف وطبيعة كل مرحلة نضالية وإن كانت لأيام أو لحدث بعينه -يضيف بلاونة- ولذلك فإن تصدي الاحتلال لها "دليل عجزه وفشله وقوة تأثيرها بالوقت نفسه".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى