كيف نجح مسلسل “إلا أنا” ودخل إلى بيوت كل المصريين؟

أثارتني المتابعة الضخمة لمسلسل "إلا أنا" في بيوت المصريين مع حلول آخر حكاياته "ربع قيراط"، سواء كان في منزلي أنا أو منازل الأصدقاء والجيران وحتى المقهى القريب، خاصة مع حلول حكاية "ربع قيراط"، أسير في الشارع فتطاردني أصوات المسلسل من شرفة بعد أخرى، حتى أن بعض المقاهي راحت تعرضه على غرار ذات الحالة التي سبق أن تكررت مع مسلسل "ابن حلال" في رمضان 2014.

حالة من التفاعل الضخمة وصلت إلى حد "التريند" حتى بدأت بعض العلامات التجارية ومقدمي الخدمات في الدعاية إلى أنفسهم مستفيدين من حجم التعاطف الذي أبداه المصريون تجاه شخصية "منى" ريهام عبدالغفور- في المسلسل، لدرجة طرح خصومات فقط للسيدات اللائي يحمل أزواجهن اسم أحمد، خصومات شملت الملابس والعيادات وخدمات التجميل وحتى أطباء الأسنان، مستخدمين هاشتاغ بعنوان #إلا_أنا، لهذا بقي السؤال يطاردني: لماذا هذه المتابعة الضخمة؟

جرعة مركزة

في زمن سريع جداً لم يعد ثمة صبر لدى المشاهد أن يواصل متابعة عمل من  30 حلقة، حقيقة تعلمها صناع المسلسل جيداً فقرروا طرح الحكايات السبعة، كل حكاية 10 حلقات فقط، هكذا تم تركيز التمثيل والكتابة ليتخلى الجميع عن السمة الأسوأ في معظم المسلسلات والأفلام المصرية بالسنوات الأخيرة "المط والتطويل".

جرعة مركزة من الحكايات الحقيقية جداً، مخرجون مختلفون لكل حكاية كأحمد شفيق، وتامر عشري، ومحمود كامل، ومحمد أسامة، ومحمد جمعة، وسميح النقاش،  كذلك قائمة ثرية من المؤلفين للحكايات بقيادة يسري الفخراني تضم عبير سليمان، وأمين جمال، وريم القماش، ومحمد الدباح، ومحمد محرز، وعمر عبدالحي، هكذا يتبارى الجميع للتأكيد على أنه الأقوى بحكايته في مسلسل واحد باسم واحد. وفاعلون يطمح كل منهم لأن يكون الأفضل، تارة بالصورة وتارة بالإخراج، وتارة أخرى بالتمثيل حيث لكل حكاية بطلة مختلفة تماماً عن الأخرى، مع اختلاف العمر والاسم والتاريخ.

في الحكاية الأولى تبدو البداية قوية من بطولة وفاء عامر، حيث قضية إهدار الميراث للفتيات في المجتمع المصري، ثم تأتي الحكاية الثانية من بطولة أروى جودة فتدور حول المرأة المتحققة وأزماتها.. كيف لا تكون حياتها وردية كما يتخيل الجميع "مشكلتك يا هند إنك لما بتحبي تعملي حاجة بتضربيها في عشر أضعافها".

 تلك الجملة بالذات من الحكاية الثانية بدت لي مؤثرة جداً.. لمستني بشكل شخصي كما لمست الكثير من النساء العاملات.. لكن اللوحة تكتمل شيئاً فشيئاً.

في الحكاية الثالثة لم أستطع التركيز في شيء أكثر إبداعاً من الأداء المبهر لحنان مطاوع.. الست المصرية "الجدعة" حيث الكثير من الضغوط وقليل من التقدير وسط دوامة لا تنتهي من مجتمع ضاغط وأشقاء قساة.

أما الحكاية الرابعة فلم يبدُ أن أحداً لم يتأثر بها، بالمرأة التي تتأخر في الإنجاب، نظرة مجتمع كامل تغيرت للسيدات اللائي يتأخرن في الإنجاب، كيف يتحول الأمر لدى أكثرهن إلى أزمة أبعد من مجرد جنين.. كيف تساهم المعتقدات البالية في أزمات جراء الرغبة المجنونة في الإنجاب.. كيف كاد وليد أن يترك مريم لأجل مزيد من الأبناء؟!

في الحكاية الخامسة أدت شيري عادل أداء مبهراً لتعبر عن الشابة العانس تارة والزوجة المقهورة مع زوج مدمن تارة أخرى، ثم بدا أن المسلسل يأخذ منحى أكثر عمقاً مع الحكاية السادسة عن البهاق ليصل إلى أعلى درجات تأثيره في القصة السابعة والأخيرة من المسلسل "ربع قيراط".

الحقيقة المرة

ربما الإجابة عن سؤالي: "لماذا انتشر هذا المسلسل بالذات بهذا الشكل؟" واردة في تتر المسلسل نفسه، أنها دراما مستوحاة من أحداث وحكايات حقيقية، كنت قد سئمت من مشاهدة المسلسلات لما بها من تفاصيل مزعجة، سيارات من أحدث الموديلات، ديكورات بعيدة عن أرض الواقع، ومواقع تصوير لم يرَ مثلها المشاهد من قبل، باختصار عالم آخر عامر بالرفاهية والثراء اعتادت المسلسلات أن تدور في إطاره، يراه المشاهد ولا يرى فيه نفسه ولو لحظة واحدة.

لهذا تميز مسلسل إلا أنا عن أي مسلسل آخر، أنت سوف ترى نفسك فيه بشكل أو بآخر، حكايات عن التنمر والمرض والجشع، الأزمات حول الميراث وآخرها الجور على حقوق المرأة، معادلة ناجحة أخذت فيها المرأة دور البطولة، فبطلات الحكايات الست سيدات: وفاء عامر، أروى جودة، حنان مطاوع، شيري عادي.

لا أعلم إن كان الأمر صدفة أم أنه مقصود أن يتزامن عرض الحكاية الأخيرة "ربع قيراط" هذه الأيام من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الذي يتزامن مع اقتراب يوم 25 نوفمبر.. اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة! على كل لا أعتقد أن هناك خدمة أو دعاية أفضل لمثل هذا اليوم من تلك القصة على الإطلاق.

حالة الغضب والضيق التي سيطرت على مشاهدي حكاية  المرأة المقهورة والتي بدا أنها قد تحولت إلى قضية رأي عام تمس أكثر من 3.3 مليون أسرة في تعرضت نساؤها لحكاية تشبه تلك التي تعرضت لها بطلة المسلسل، فصرن نساء معيلات لأسر كاملة في الغالب بسبب تنصل الرجل من مسؤولياته، حيث تشير الإحصاءات إلى أن  15 مليون مصري تطعمهم وتعلّمهم وتؤويهم وتضمن بقاءهم على قيد الحياة نساء، من دون إسهام الرجال!

أشار المسلسل بقصد أو بدون إلى عنف من نوع مختلف يمارس على ملايين النساء، ممن يتعرضن للقسوة والهجر والغدر والخيانة دون إنصاف من قانون أو مساعدة من مجتمع مدني!

ليست حكاية "ربع قيراط" وحدها التي مست قلوباً متألمة لم تجد من يحكي عنها، سبقتها حكاية "لازم أعيش" التي حكت عن التنمر على مرضى البهاق، وكيف تتحول حياة بعضهم إلى جحيم بسبب مرض لا حول لهم فيه ولا قوة، ومع كل قصة كان هناك وتر أكثر حساسية من سابقة يعزف عليه الكتاب ببراعة.

الشيطان لا يسكن التفاصيل دائماً

من كان ليفكر في الاستعانة بالمطربة السورية الشابة لينا شاماميان لغناء تجربة أولى للصوت الرقيق بدا أنها مع كلمات تامر حسين وألحان عمرو مصطفى وتوزيع نادر حمدي، هكذا تأتي التفصيلة الأولى من المسلسل بنجاح، ليتبعها سيل من الاهتمام بالتفاصيل التي أبهرتني على المستوى الشخصي.

لأول مرة منذ سنوات لا تؤلمني عيناي من مظهر بطلة المسلسل المتفجر بالبوتوكس والمكياج المتقن الثقيل، لأول مرة منذ زمن بعيد يلعب "الميكاج" دور البطولة في مسلسل، فيتم توظيفه بصورة احترافية كما جرى مع في حكاية "لازم أعيش".

فلم يبذل المخرج جهداً لكي تخرج البطلة بلا أخطاء ككل مرة، هذه المرة حرص على أن يعبر المكياج عن الحقيقة وإن كانت غير مقبولة لدى الجميع، كانت تلك هي المرة الاولى تقريباً أيضاً التي يغيب فيها المكياج في الوقت المناسب، ربما هذا هو السر في الأداء المبهر لريهام عبدالغفور، والتي غامرت -عكس كثيرات- لتظهر دون مكياج، بملامح امرأة أربعينية حقيقية تحمل ما تحمل من ملامح مجهدة، وتجاعيد وعيون مرهقة وحجاب مهلهل في أوقات الأزمات، امرأة حقيقية تشبه تلك الموجودة بالشارع.

ريهام عبدالغفور في مسلسل إلا أنا

لا ينفي هذا كله عدداً غير قليل من المآخذ والأخطاء المشتركة مع مسلسلات أخرى مثل مخالفة بعض القيم في المجتمع المصري فمثلا شعرت بشيء غريب داخل قصة "لازم أعيش" حين مرضت جميلة فذهب الشاب "المعجب بها" إلى منزلها، فإذا بوالدتها تأخذه رأساً إلى غرفة نومها ثم تتركهما معاً، تلك تفصيلة لم يكن من الواجب أن تفوت المخرج.

التوقيت يضفي أهمية

في مرحلة الجامعة كانت هناك جملة أدرسها بشأن الأعمال الدرامية والحملات الإعلامية الناجحة، أن العنصر الأهم في أي معادلة تخص العمل الإعلامي هو التوقيت، لهذا أرى أن عاملاً أساسياً من أسباب نجاح "إلا أنا" هو التوقيت، بعيداً عن زحام الموسم الرمضاني، بلا لهاث ولا خوف ولا توقيت ظالم متأخر أو مبكر.. عزف المسلسل لحناً منفرداً رائعاً يبدو أنه سوف يتكرر كثيراً في الأيام القادمة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى