كيف كشف رحيل مارادونا افتقادنا لثقافة الاختلاف في عالمنا العربي بشكل مرعب؟

مع رحيل الشخصيات الغربية البارزة التي عرفها العالم، سواء كانت سياسية أو فنية أم رياضية يحدث شيء طبيعي، وهو النعي والتأثر بفقدان الشخص النجم بغض النظر عن ديانته أو جنسيته أو أفكاره، في النهاية هناك إنسان مبدع في عمله قد رحل، والطبيعي هو حالة الحزن العامة عليه كما كان حال العالم بأسره مؤخراً مع وفاة الأسطورة ماراودنا. 

دييغو مارادونا

لكن غير الطبيعي والذي لم نجد له تفسيراً هو حالة تكفير من ينعون النجم المتوفى، وحالة الجزم القطعي بمصير المتوفى، من يتعاطف معه أو يكتب تعليقاً عن وفاة النجم، وحالة ثانية في نفس الوقت تضيق ذرعاً بكل من يختلف معهم في الرأي.

إنهم المحاسبون على النوايا، والعارفون بأسرار القلوب، والمطلعون على علوم الغيب، والمكفرون لكل من يغرد خارج سربهم، اختزلوا الدين في عقولهم التي لا تستوعب كثيراً فكرة أن يختلف معهم شخص في رأي، قاعدتهم أنا الحق والصواب وغيري الباطل والخطأ.

لقد تابعت الكثير من الشتائم والتكفير خلال الأيام الماضية لنجوم إعلاميين وكتاب عرب، بسبب نعي النجم الأرجنتيني مارادونا، وكانت حجتهم أنه كافر ومشرك، وأنه لا يجوز الترحم على الكافرين.

ورغم أنه لم يترحم أحد أصلاً من المسلمين على النجم الأرجنتيني، الظاهرة مارادونا، ولا على غيره، لا لفظاً ولا اصطلاحاً، فالجميع كان ينعى مارادونا ويحزن على بطولاته، ويستعيد تلك الذكريات معه، فالإنسان أحياناً كما قيل يبكي ماضيه في صورة الآخرين، وخاصة النجوم الذين نعيش معهم أحلى الذكريات، والناس هنا يبكون أيام الثمانينات والتسعينات التي كان نجمها مارادونا، يبكون فيه مصيرهم الأخير، وماضيهم، وتقلب الأزمان، والعمر الذي يتقدم، والموت الذي لا يفرق بين الناس، ولا يهتم بما حققوه من إنجازات ولا نجومية ولا بمكانتهم في قلوب الناس، هذا في أول الأمر، أما الثاني فهم يبكون نجاح مارادونا وغيره، على الأقل حقق إنجازات في مهنته ولبلده، وهو ما عجز عنه كثيرون في العالم الإسلامي والعربي.

ولم يكن موت النجم الأرجنتيني فقط الذي أعاد ثنائية النعي والتكفير والرأي واحتكار الآراء والتعليقات التي لا محل لها من الإعراب، ففي نفس أيام وفاة مارادونا وحالة الغليان على الفيسبوك وتوتير والتكفير والسب، شاءت الأقدار أن ترحل والدة نجمة الجزيرة، الإعلامية القديرة إيمان عياد، كان طبيعياً أن تنعى النجمة أمها، وأن نتعاطف معها جميعاً، ولكن غير الطبيعي واللاإنساني هو ما تعرضت له من إهانة في التعليقات، تحت مسميات دينية من بعض من يشوهون سماحة الدين الإسلامي بأفعالهم عن عمد أو جهل.

الإعلامية إيمان عياد

ولم تكن الإعلامية إيمان عياد وحدها التي تعرضت للهجوم في أسبوع الحساب والوعيد هذا، فقد تابعتُ كصحفي هجوماً آخر تعرض له الكاتب الصحفي المصري سليم عزوز، الذي علق على مقابلة لزوجة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وانتقد الكاتب المصري الهجوم الذي تعرضت له السيدة انتصار السيسي، والذي يتعارض مع ما هو متعارف عليه في مجتمعاتنا العربية، تحت حرمة الأعراض، وبغض النظر عما قاله الأستاذ سليم عزوز فقد أبدى الرجل رأيه، وهو حر في رأيه، وهذا أمر طبيعي ومقبول، ومن المعيب أن يتعرض لهجوم لمجرد إبداء رأي مخالف للآخرين.

إننا في عالمنا العربي نفتقد لثقافة اختلاف الرأي وتقبل الآخر، واحترام فكره وديانته ورأيه، لم نعد نستطيع أن نجلس على طاولة واحدة ونتبادل الآراء والأفكار، لا بد أن تكون معي كي أتحدث إليك هي قاعدة سائدة لديهم، فهؤلاء لا يفتقدون ثقافة الاختلاف فقط، بل لم يقرأوا عن تعامل العظماء من الأمة الإسلامية مع من يختلفون معهم في الرأي، لم يقرأوا عن فن التعامل ورقي الأدب وأخلاق المسلمين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى