هل يحمي الشباب المقام العراقي من الاندثار؟

بقبعته البغدادية التقليدية التي تعرف بـ"السدارة"، يتنقل مغني المقام العراقي الشاب محمد سجاد عز الدين بين المهرجانات والمحافل المختلفة لأداء هذا الفن والتعريف به، بعدما بات يشهد انحسارا كبيرا في السنوات الأخيرة.

ويقول عز الدين إنه يرغب في إعادة إحياء المقام وتسجيل حضور له في حياة الشباب، بعد أن طغت موجات الغناء الحديثة على وسائل الإعلام. ورغم أنه لا يحظى برعاية أية مؤسسة فنية، فإنه يؤكد أن جهوده البسيطة تلقى ترحيبا كبيرا في أوساط العراقيين.

ولأن النمو الطبيعي لهذا الفن التقليدي قد توقف بموت معظم رواده الكبار مثل محمد القبانجي ويوسف عمر وهاشم الرجب وآخرين، فإن الشباب الذين قرروا أن يسيروا في طريق هذا الفن يجدون صعوبات كبيرة في تقديم أعمال جديدة.

وعادة ما يتفاعل الجمهور مع عز الدين ويطالبونه بالمزيد من الأغاني التي يقدمها، أو يسألونه عن صفحاته في ليتابعوا أعماله، كما يقول.

وتتلمذ معظم هؤلاء الشباب على يد مغني المقام المعروفين اليوم، كحامد السعدي وحسين الأعظمي وآخرين، وبدأت بعض هذه الأصوات الشابة تنال شهرة ومتابعة في الساحة الفنية رغم غياب الدعم.

a82bbd68ae.jpg
عمر زياد يستخدم القانون في عزف أغاني المقام العراقي (الجزيرة)

وقد غابت معظم الآلات القديمة التي كانت تستخدم في غناء المقام مثل السنطور والرق والجوزة، وبدأ مغنو المقام في استخدام آلتي العود والقانون وتطويعها، كما فعل الفنان الشاب عمر زياد الذي أصبح من عازفي القانون في .

غناء المدينة
ويقول الباحث في المقام العراقي يحيى إدريس إن المقام يمثل نمطا تاريخيا لغناء المدينة العراقية، وجل رواده من أبناء المدن كبغداد والموصل وكركوك والبصرة وبعقوبة، لكنه تراجع كثيرا أمام زحف الأنماط الريفية التي تعتمد الإيقاع السريع والراقص أحيانا.

ويضيف أن الكلمات التي كانت تستخدم في أغاني المقام -أو ما تعرف بـ"البستة"- كانت تنتقى بعناية، خلافا للأغاني الحديثة التي تستخدم لغة خفيفة أقرب ما تكون إلى لسان الشارع.

ويشتكي إدريس من عدم وجود مؤسسات فنية ترعى المقام اليوم، كما أن الفضائيات لا تقوم بالترويج له أو دعم مغنيه، لذا لم يعد هذا الفن مرغوبا عند الأجيال الشابة، مما أسهم في تراجع متابعيه والمتأثرين به.

وقد أنشأت عام 1988 مؤسسة عرفت بـ"بيت المقام العراقي" بإشراف الموسيقار منير بشير، بغرض رعاية هذا الفن ورواده، لكن أداءها أصبح ضعيفا جدا اليوم، وهي تفتقر إلى ميزانية تسمح لها بتطوير نشاطها، بحسب ما يقول إدريس.

ويواجه الفنانون الشباب صعوبات كبيرة في تقديم أعمال خاصة بهم، فهم يقدمون أغانيَ أدّي معظمها منذ عقود، مما يضطرهم للدخول في دوامة التكرار، ولا يستطيعون التميّز إلا من خلال قدرات بعضهم الصوتية العالية.

فضلا عن أن الشعراء أصبحوا منذ سنوات يحجمون عن كتابة قصائد لهذا النوع من الفن، لصعوبتها وخشيتهم من عدم تقبل مؤدي المقام لها.

4d993e517a.jpg
الزي التقليدي لمغني المقام العراقي (الجزيرة)

ويرى ناقدون فنيون أن القالب التقليدي الذي وضع فيه المقام ساهم في تراجعه كثيرا، ودفع بعض مؤديه للقسوة على الشباب الذين يغنونه، مما يشكل عاملا لتثبيطهم عن الاستمرار في هذا المجال.

قلة الدعم
ورغم محاولات عدد من الفنانين الشباب تقديم المقامات بإيقاع سريع وحديث، فإن معظم متابعي هذا النمط الفني يتحفظون على ذلك، مما يجعله حبيس الأسطوانات والمقاطع القديمة المسجلة.

ويشتكي بعض قارئي المقام من ضعف الدعم الذي يتلقونه من وزارة الثقافة العراقية، حيث إن معظمهم يعيشون دون رواتب معتمدين على ما يحصلون عليه من مبالغ زهيدة من المناسبات التي يشاركون فيها بين الحين والآخر.

لكن الباحثة الموسيقية في وزارة الثقافة إيمان المرسومي تقول إن الوزارة تسعى لاستقطاب هؤلاء الفنانين، وخاصة من فئة الشباب، وقامت بتعيين بعضهم في دائرة الفنون الموسيقية "مساهمة منها في تجديد الدماء ورفد هذا اللون الغنائي التراثي".

وتضيف للجزيرة نت أنهم يدعمون هذا الفن من خلال المهرجانات والاحتفالات التي تقيمها الفرق الموسيقية التابعة للوزارة بشكل دوري، مثل فرقة "أنغام الرافدين" وفرقة "بيت المقام العراقي" ومعهد الدراسات الموسيقية ومدرسة الموسيقى والباليه وغيرها.

وتؤكد المرسومي أن دائرة الفنون الموسيقية تقوم بإشراك هؤلاء الشباب في المهرجانات المتنوعة، ولا سيما المتخصصة بالمقام، تشجيعا لمواهبهم.

وتستبعد الباحثة ما يقال عن انقراض المقام لأنه متجذر منذ العصر العباسي وربما قبله، بالإضافة إلى أنه وثق بالصورة والصوت والكتب والبحوث والنوتات الموسيقية، مما سيحفظ كل تفاصيله للأجيال القادمة، على حد قولها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى