لو كنتُ ميتاً لصدّقني الجميع

تعبرنا الظلالُ

سنلتقي ذات يوم،
كزورقٍ ورقيّ
مع بطّيخةٍ تُركتْ كي تبتردَ في النهر.
سيكون قلقُ العالَم
معنا. ستكسفُ راحاتنا
الشمسَ وسوف
يدنو أحدنا من الآخَر حاملاً المشكاة.

ذات يوم، لن تُبدلَ الريحُ
الوِجهةَ.
ستُرسلُ أشجارُ البتولا أوراقها
إلى داخل أحذيتنا المركونة عند العتبة.
ستتْبَعُ الذئابُ
براءَتنا.
وستترك الفراشاتُ
غبارَها على وجناتنا.

ستحكي عجوزٌ عنّا الحكاياتِ
في غرفة الانتظار كلَّ صباح.
ورغم أن ما أقولُه الآن
قد قيلَ فيما مضى: لا نزال ننتظر الريحَ
كرايتين على شريط حدوديّ.

ذات يوم، كلُّ ظلٍّ
سيعبرُنا.


■ ■ ■


يَسكننا ما قلناه

أطلقنا أسماءً
على النباتات البريّة
التي نبتت خلف مشاريع الأبنية،
أطلقنا أسماءً على كلّ نصبٍ
تركه غزاتُنا.
عمّدنا أولادنا
بألقاب محببة
استقيناها من رسائلَ
تُقرأ لمرة واحدة.

بعد ذلك أوَّلْنا في السرّ
التواقيعَ التي ذيّلت الوصفات على أنها
أمراض مستعصية،
وبالمناظير قرّبنا
الأيدي الملوِّحةَ
بالوداع
وراءَ النوافذ.

تركْنا الكلماتِ
تحت الحجارة مع الظلال الموؤودة،
على الرابية التي تحرس صدى
الأسلافِ الذين أُسقِطتْ أسماؤهم
من شجرة العائلة.

لسوف يسكننا طويلاً
ما قلناه دون شهود.

ودون أن نذْكرها أمام أحد أبداً،
تكدّستْ فينا الشتاءات.


■ ■ ■


ضوء وغبار

سأجدك في الفسحات ما بين
الفصول الأربعة،
حين يُصطحبُ الأولاد في نزهة،
وترجع الروحُ
كصحون متّسخة في
مقصف العمّال.

لسنا دِيناً
وليس ثمة مَن يؤمن
بكتبنا المقدسة.

تتوارى نظراتنا
بين طيّات الستائر
التي تتيح لصلوات الناس الآخرين أن تتخللها
مع انهمار الضوء.

هل سيشجي الملائكةَ
عناقُ أحدِنا الآخرَ
في الظلمة، هل مَن يُشعل شمعة
كي يُشهر مملكةً ما؟

نحن ضوءٌ لعود ثُقاب مشتعل
يؤول هباءً
لحظةَ يُدانيه الشجى.


■ ■ ■


تنبؤات اليوم

الأرض التي تنتمي إليها

تُراوغُ السماء كما تقتضي الحروب.
تنبؤات اليوم بعيدة
عنك بُعْدَ النجوم
عن سطوة الليل.
تغوص الشمس في الشفق داخل المدخنة
مستقيمةً كجهاز تصويب البندقية نحو الأفق
وضَوْعُ الليمون ينسرب
عبر النوافذ الأرضية المحصّنة بقضبان حديدِ
السلالة التي تختزن كلَّ توقِنا.
لست تؤمن بتوثيق
العناق وبالأطفال الذين لـمّا يولدوا بعد.
ككلب جائع،
يعود حبّكَ البدئيّ
إلى عتبة
حياة جديدة.


■ ■ ■


لا يداعبُ الكرى أجفاننا

كلُّ ضروب الوداع دون لمسة مؤثّرة
مآلُها النسيان. نفكّر بالغد الآتي،
كمن يقيتُ البجعاتِ
بخبز البارحة. ومن ذاكرتنا
يفيض ما يكفي من ماء لأنْ يغذّي
حقولَ حنطة لا تُحصى. نرقبُ كيف أن المطر
يُعيدُ نفسه، طَهوراً، باختلاسه
الغبارَ. لا يداعبُ الكرى أجفاننا،
لا نمتُّ بصِلةٍ إلى ليلٍ بعينه
وليس من شمعة تستطيلُ لها
ظلالُنا على جدران الريح.


■ ■ ■


سريعاً يمرّ القرن

خاطفاً يمرّ القرن. لو كنتُ الريحَ
لقشرتُ عن الأشجارِ اللحاءَ
والواجهاتِ الزائفةَ عن مباني الضواحي.

لو كنتُ الذهبَ، لكنتُ خبّأتُ نفسي في سراديبَ،
عميقاً في أرض الأنقاض بين الدمى المهشّمة،
لجعلتُني نسياً منسيّاً في أذهان الآباء،
ولن يتذكرني أبناؤهم أبدَ الدهر.

لو كنتُ كلباً، لما خشيتُ
، ولو كنتُ قمراً
لما أرهبتني أحكام الإعدام.

لو كنتُ ساعةً جدارية
لأخفيتُ الشقوق في الحيطان.

سريعاً يمرّ القرن. ننجو من الزلازل الخفيفة
ساهمين في السماء، وليس في الأرض.

نفتح الشبابيك طلباً لهواءِ
الأماكن التي لم نزرْها من قبل.
لا وجود للحروب،
إذ تُدمي جروحُ امرئٍ ما قلوبَنا كلَّ يوم.
سريعاً يمرّ القرن.
أسرع من الكلمة.
لو كنتُ ميْتاً، لصدّقني الجميعُ
حين أبقى صامتاً.


■ ■ ■


العين

افتحْ عيناً واحدةً وحسب-
تلقَ الأفقَ في العين المغمضة.

افتح المحارةَ-
ليس من وحشة تفرّ منها.

الحصى في قاع النهرِ يتجرّعُ الوقتَ،
وتنزلق الأسماك الميتةُ باتجاه الشمس.

افتحْ عيناً واحدة وحسب.
ها هو العالم شجرة صغيرة في موقع بناء قيد الإنشاء،
والنوافذ أنهارٌ تشكلتْ من ريبتنا.

افتحِ السماء.

سأُبقي بين يديَّ ملاذاً-
حيّزاً للابتهال في حديقة مشفى.


■ ■ ■


ينولدُ الكمال

أحتاج مَن يحكي لي
عن الرسائل في ماء أجسادنا،
عن أثير البارحة
في حجرات الاتصال الهاتفيّ،
عن رحلات الطيران المؤجَّلة بسبب
انعدام الرؤية، ناهيكَ عن
الملائكة اللامرئيين على التقويمات السنوية.
المروحة التي تنوح للرياح الاستوائية،
البُخور الذي يُطلق أطيب الروائح
بينما يتلاشى- أحتاج مَن يحكي لي عن هذه الأشياء.

أؤمن بأن الكمال حين ينولد
تتصدع كلُّ الأشياء
مثل قشور البَيض.

يمكن لآهات الفِراق دون سواها
أن تمزق شباك العناكب إرباً
ويمكن لأراضي الكمال الـمُتَخيَّلة
أن تؤجّلَ هجرةَ الأرواح
السرية.

وأما ما يمكنني أن أفعله بجسدي الفاني فهو:
الذهاب والإياب، الذهاب والإياب
كصندل بلاستيكي على رمل
الشاطئ.


■ ■ ■


وقعتْ أحداث لا تُعَدّ

وقعتْ أحداث لا تُعَدّ
بينما يدور كوكبُ الأرض على
إصبع الإله.

حررتِ الأسلاك نفسها
من أبراج التوتّر العالي ووصلَتِ الآنَ كلَّ
حبٍّ بحُبٍّ آخر.
أودعتْ قطراتُ المحيط
نفسها بلهفةٍ
على جدران الكهوف.
وانفصلتِ الأزهارُ
عن الجمادات واستهلّتْ رحلةَ
اقتفاءِ الرحيق.

من جَيبٍ خلفيّ بدأت قصاصاتٌ ورقية
بالتطاير في أرجاء غرفتنا التي ملأها الهواء:
أشياء خارج السياق لم نكن
لنفعلها لو
لم تكن قد خُطَّتْ على ورق. 


* ولد نيكولا ماجيروف Nikola Madžirov، من مواليد 1973 في ستروميكا، في جمهورية مقدونيا، لأبوين لاجئين في الحرب البلقانية. يُعتبر من أبرز الأصوات في الشعر الأوروبي الجديد. يخوض شعر ماجيروف في الجغرافيا الذاتية والثقافية كي يتتبع حركيةَ العالم عبر هذه الحقول. ونجد في قصائده حسّاً بالخلاص لكنه حسّ ضاغط بالحاجة إلى مثل هذا الخلاص. والشخوص التي تلوح في كتابته تعيش نصفاً من حيواتها في التنقّل والطيران، والنصفَ الآخر في الزمن الماضي. يقول: "..هناك العديد من القصائد التي يمكننا من خلالها التعرّف إلى ذواتنا دون الاضطرار لكتابتها، بالضبط كما توجد مدن تخيّلناها في دواخلنا أمداً طويلاً قبل زيارتنا لها..".
نشر العديد من المجموعات الشعرية، منها: "رهين المدينة" (1999)، "في مكان ما من العدم" (1999)، و"حجرٌ مُرحَّل" (2007)، وترجمت أعماله إلى قرابة ثلاثين لغة.

** ترجمة: أحمد م. أحمد

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى