أخبار عاجلة
إنقاذ مركب معطل قبالة انفه على متنه 32 سوريا -

في الخط والفن العربي الحديث: للحديث بقية وشجون

في الخط والفن العربي الحديث: للحديث بقية وشجون
في الخط والفن العربي الحديث: للحديث بقية وشجون

بالتزامن مع اعتماد الاتجاهات الفنيّة الحديثة الناشئة في الغرب الأوروبي، وفن يستلهم من الموروث التصويري العربي، عرفت أربعينيات القرن المُنصرم انطلاقة تيار سيلعب دوراً هاماً في مجمل العالم العربي: هو التيار الذي اتخذ من الكتابة العربية عنصر الأساس للإبداع الفني.

وقد ارتبط ظهوره من جهة باكتشاف فن "غير تشبيهي"، وهو التجريد الغربي، ومن جهة أخرى بـ"مطلب" إيجاد نقطة التقاء ما بين الفن الحديث المتمثل هنا بلوحة الحامِل، وبين التراث العربي أو الإسلامي. ففي ، مثلاً، استخدم جميل حمودي (1924-2003)، ومديحة عمر (1908-2006) هذا الأسلوبَ في التصوير منذ نهاية الأربعينيات. وكانت إيتيل عدنان (1925)، وهي رسامةٌ وشاعرة لبنانية، تلجأ إلى هذا العنصر منذ الستينيات.

إن فن الخط هو، من بين الفنون الإسلامية، الفن الأهمّ الذي يُمكننا القول إنه كان من أصل عربي. وقد كان هذا الفن في بداياته مجرد أداة للكتابة، وأصبحت له مع وحي الإسلام قيمةٌ مميزة، كما أصبحت له بسرعةٍ كبيرة، في قلب الحضارة العربية-الإسلامية، استخدامات ثُلاثية، دينية ووظيفية وتزيينيّة.

"
الحروفية بين التجدد واسترضاء السوق والمزاج الاستشراقي
"

وفي عصرنا الحالي، تم استثمار ميزته الزخرفية والتشكيلية في التصوير الغربي أيضاً، مبتعداً عن صورته الأولى. وكان بول كلي (1879-1940) بالتأكيد المثالَ الأكثر شهرة على ذلك.

ولم يعد اهتمام الفنانين العرب المعاصرين بالخط العربي يشتمل فقط على رسم أشكال الحروف، لتمثيل قيم جمالية وتصورية من خلال حركة الخطوط، بل على تأكيد استقلاليته أيضاً بالنسبة للتقليد التصويري أو التجريدي الغربي، هذا مع استخدام الحوامل الحديثة في الوقت ذاته. السوري محمود حماد (1923-1988)، والعراقيان شاكر حسن آل سعيد (1925-2004)، الذي صاغ مفهوم الفنان يستلهم الحرف، وضياء العزاوي (1939) هم من الأسماءِ الكبيرة التي أَثْرت بأعمالها هذا المجال.

وقد وجد الجمهور العربي أخيراً، وهو المعتاد على تشكيلات الخط العربي التي كانت تزيّن العديد من المنازل والأماكن العامة، منفذاً له عبر هذا التيار إلى الفن الحديث غير التشخيصي، الذي كان يبدو له غير مقبولٍ قبل ذلك. كما وجد النقاد والباحثون في الحرف عنصراً تشكيلياً وتجريدياً، يمكن الارتكاز عليه من أجل إنجاز أعمال تندرج في التراث العربي، دون استخدام الأشكال المجرّدة للرسم الغربي.

يقول حماد في ما ينتجه من فن: "ما يهمّني في الخط العربي ليس معنى الكلمات أو الجمل، فهي بالنسبة لي مثل الطبيعة: أي كما لو كنا نرسم قرية هادئة أو تفاحة مستديرة إلخ. إنه الشكل الذي يهم وعلاقاته مع محيطه، وحواره وانطباعاته وإحساساته ومدركاته". ويمكننا أن ننطلق من هنا لصياغة تعريف بسيط وأولي لهذا التيار الذي اهتم بالشكل وبعلاقات الأحرف والكلمات في ما بينها كعناصر تشكيلية أكثر مما اهتم بالنص أو برسم الأحرف كما تناقلتها أيدي الخطاطين.

ويقابل تيار الحروفية هذا تيار يحاول أن يستخدم الخط والحرف العربي في تقاليده الأولى، فيخط الفنانون جملهم ونصوصهم باستخدام الخطوط العربية التقليدية من ديواني وثلث وكوفي... على القواعد والنسب المتوارثة، أو بتدجين فن ينوس ما بين التصاميم الغرافيكية والخط.

وقد نجح هذا التيار باجتذاب جمهور الفن والمقتنين، كما صار أيضاً مادة مستحبّة من قبل دور النشر ولا سيما الغربية، فأعادوا طباعة اللوحات الخطية كبطاقات بريدية وملصقات بأحجام مختلفة، تباع في المكتبات والمراكز والمتاحف التي تهتم بالثقافة العربية والإسلامية. وقد اشتهر من هؤلاء الخطاطين في فرنسا، على سبيل المثال، الخطاط العراقي حسن المسعود (1944)، الذي طبعت أعماله بكثرة سواء كانت مجموعة في كتب أو بمفردها.

وكما استهلك المصورون التيار الحروفي في تشكيلات ترضي السوق "اللا تشخيصية" أو تغري المستشرقين، فقد تهافت كثيرون ممن يجيدون فن الخط، على ابتكار تشكيلات كتبوا فيها عبارات مختارة من الكتب السماوية أو أحاديث الرسول (ص) أو من كلمات الأدباء والشعراء، لاقت رواجاً واستحساناً من ذات الجمهور.

هذا الرواج لكلا الاستخدامين للحرف العربي، هل هو دليل عافية؟ وهل من خلالهما استطعنا خلق فن عربي مستقل عن الفن الغربي وقابل للتطور؟ السؤال هذا يقودنا بالتالي إلى طرح سؤالين كبيرين: على صعيد فن الخط العربي، هل سيبقى حبيس القواعد التي وضعها الأولون أو السلف ومن بعدهم الخطاطون العثمانيون والإيرانيون؟ وعلى صعيد التيار التصويري الحروفي، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذه التجربة، هل من جديد فيها؟

يبقى الخطاط السوري منير الشعراني (1952)، واحداً من هؤلاء الذين ما زالوا يؤمنون بتجديد فن الخط كأي فن من الفنون، كما يصرّح لنا: "أرى أننا ندرس التقليدي لنضيف إليه ونتجاوزه، لا لنحنّطه ونتحول إلى مقلدين لآثاره". وكانت هذه في الحقيقة نصيحة معلمه، بدوي الديراني (1894-1967)، الذي قال له يوماً: "تعلّم الأسس ثم اصنع ما تشاء".

فإن تعلم الخطاط التقليدي الأسس ليطور فنّه، فهل تنفع هذه الأسس الفنان الحروفي في تطوير عمله؟ هل يتعلق عمله بتطور الفن التجريدي الغربي (الذي أفل نجمه منذ مدة غير وجيزة) أم بالخط العربي وتطوره؟
وللحديث بقية وشجون...


* فنان تشكيلي سوري

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "طرائق اللباس": اختبار السلطة والهوية
التالى "زمان" المغرب: التاريخ كموضوع غلاف وأسئلة الراهن

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة