"تصوّرات الأمة المعاصرة": بين الجغرافيا والفكر

في كتابه ""تصوّرات الأمة المعاصرة" الصادر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، يحلل الباحث اللبناني ناصيف نصار (1940) نصوصاً طرحت تعريفات، صراحة أو ضمناً، أو نصوصاً قدّمت أي عنصر يمكن استغلاله لتركيب تصوّر معين للأمة، مبيناً أن ما أنتجه الفكر العربي الحديث والمعاصر من تعريفات يتوزع على تصورات دينية ولغوية وإقليمية وسياسية تجعل من الدولة المحدد الأساس الأول للأمة.

يضم الكتاب ثلاثة أقسام؛ الأول بعنوان "التصوّرات الدينية"، يفصّل التصور الديني التوفيقي للأمة الذي هدف إلى إحياء قدر معين من الوحدة بين المسلمين، نظراً إلى تعذر تحقيق الوحدة الشاملة التامة بينهم، ويقوم على إرادة إخراج المسلمين من وضع الانحطاط والتفكك، باستلهام الأنموذج الأصلي لوحدتهم، وبالنظر إلى إمكانات تحركهم نحو الوحدة.

ويرى صاحب "منطق السلطة" (2001) أن التصور الراديكالي المثالي للأمة ناتج من نظرة سلفية راديكالية مصممة على تجاوز الواقع في اتجاه بعث الوحدة الإسلامية الشاملة، والمعبّر الأقوى عن هذه النظرة الراديكالية هو جماعة الأخوان المسلمين. أما التصور الديني اللاسياسي فهو ذاك الذي يرى أن وحدة الدولة ليست مقوّماً ضرورياً من مقوّمات الأمة القائمة على رابطة الدين، "ويستتبع هذا التعريف القول إن تعدد الدول في إطار الأمة الدينية ليس مجرد تجزئة سياسية لهذه الأمة، وإنما هو مظهر لتعدد الجماعات، القومية وغير القومية، فيها، ومدخل إلى فهم الاختلافات والفواصل بين عامل الدين وعامل السياسة".

يتناول القسم الثاني "التصوّرات اللغوية" التصور اللغوي البسيط، والتصور اللغوي العنصري، والتصور اللغوي التاريخي، والتصور اللغوي الميتافيزيقي، والتصور اللغوي السياسي، مستعرضاً كتابات بطرس البستاني وساطع الحصري وزكي الأرسوزي ونديم البيطار.

في القسم الثالث "التصوّرات الإقليميّة"، يحدد الباحث التصور الإقليمي الوطني للأمة بأنه مبني على تصور الإقليم الوطن، وتركيب تصور الإقليم الوطن يدل بذاته على أن المقصود به ليس المعنى الجغرافي وحده، وليس المعنى السياسي في المقام الأول والمباشر.

يبحث صاحب "طريق الاستقلال الفلسفي" (2009) في التصور الإقليمي السياسي للأمة، ويجده يجمع في نظرته إلى كيان الأمة وخصائصها بين عامل الإقليم وعامل الدولة، ويلفت إلى أن المرتكز المباشر البسيط لفكرة الشخصية الإقليمية هو اختلاف أجزاء الأرض، فالجغرافيا تصبح علماً تركيبياً شمولياً عندما تعالج الوحدات الجغرافية المتميزة على سطح الأرض بمعطياتها الطبيعية والبشرية كلها.

يوضح القسم الرابع "التصوّرات السياسية" أن التصور السياسي للأمة باعتباره تصوراً بسيطاً: مجرد الانتماء إلى دولة والخضوع لحكومتها وقوانينها هو عنوان الانتماء إلى أمة، وإن كانت الدولة غير متجانسة التركيب لغوياً وعرقياً وتاريخياً ودينياً.

يعرض صاحب كتاب "التربية والسياسة" (2005) شكلين من الأشكال التي يمكن اعتبارها تجسيداً عينياً للتصور السياسي المتطور للأمة. الشكل الأول ظهر في ، بعد اشتداد الجدل بين دُعاة القومية العربية ودُعاة القومية السورية ودُعاة القومية اللبنانية. والشكل الثاني ظهر في ، في سياق النقاش الدائر حول الهوية التونسية والانتماءين العربي والإسلامي.

يختتم نصار بالإشارة إلى أن الأمة السورية كما تصوَّرتها الأيديولوجيا القومية السورية لم تتمتع بعامل وحدة الدولة كما تمتعت به الأمة المصرية وفقاً لما جاء في الأيديولوجيا القومية المصرية، "ومن هنا تشعبت المناقشة بين التصور الإقليمي للأمة والتصورات المعارضة له شعبتين، وأنتجت موقفين متباينين من قضية الدولة القائمة، ومن قضية العلاقة بين الدين والأمة والدولة أيضاً. فالأيديولوجيا القومية الإقليمية المصرية أقدر من الأيديولوجيا القومية الإقليمية السورية على المساومة مع التصور السياسي للأمة الذي ينطلق مما هي حاصلة عليه، أي عامل الدولة".

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بالفيديو… إليسا تفقد الوعي على المسرح

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة