التاريخ أم الحقيقة؟

التاريخ أم الحقيقة؟
التاريخ أم الحقيقة؟

التاريخ، أم الحقيقة؟ يتساءل ثيربانتس في رائعته "دون كيشوت"، وهناك من يعتبر هذه الصورة مديحاً بلاغياً للتاريخ الذي يأبى إلا أن يعيد نفسه، في دورة سرمدية ربّما لكي يبرّر نسياننا، أو أن يرسّخه أكثر، والأمر سيان. الفكرة بحدّ ذاتها تبدو مدهشة، لأنها لا ترى في التاريخ استقصاء للواقع فحسب، إنما تتعداه إلى الجذور الضاربة في ذاكرتنا الجمعية.

والرأي السائد حالياً، هو أننا لا يجب أن نركّز حواسنا وأفكارنا على ما يحدث، ولكن ماذا سيكون حكمنا على ما سيحدث. إذن، فجأة سنجد أنفسنا أمام خيار صعب، مثال وخبر عن الحاضر، وتحذير من المستقبل، وهو خيار واقعي إلى حدّ الوقاحة، كما يقول بورخيس.

في الأعمال الأدبية الأخيرة لـالكتّاب السوريين، التي تأبى إلاّ أن تواكب فظاعة المأساة، دون أن تكترث للأصوات التي تطلب منها التأني، أصوات حيّة لشهادات مكتومة بقيت عالقة على شفاه كانت عاجزة حتى عن التأوّه.

أما الجانب المظلم الذي يأبى أن يكشف عن نفسه تلقائياً، فهو موجود في قلب كل قارئ، الذي نجده يشقّ طريقه بصعوبة في غياهب السراديب والأقبية، يتحاور مع ذات هي في النهاية صلته مع ذلك الواقع الغائب.

لا يوجد عمل أدبي لا يصل في النهاية إلى العدمية، وأيّة نظرية فلسفية هي في البداية وصف مطابق للكون، ومع مرور السنين، تتحول ببساطة إلى فصل من تاريخ يشدّنا أكثر فأكثر إلى الأرض التي يريدون سلخنا عنها.

"
أصوات حيّة لشهادات مكتومة بقيت عالقة وعاجزة حتى عن التأوّه
"

روايات وأشعار ولوحات فنية تتحاور في ما بينها، تنقل بتسلسل منتظم ما يدور على أرض الواقع، "مراسلون" يتبادلون الأدوار، ولو بهاجس الكلمة، مع مَنْ كان حظه أسوأ من حظهم. يتلقفون معاناتهم من بعيد، يحوّلونها إلى كلمات، إلى رسوم، إلى تنبؤات، وإلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه الخيال، لعل ذلك يطفئ قليلاً ما يشتعل في نفوسهم.

هم غاضبون، صمت غاضب، ليس بركاناً بصدد الانفجار، إنما لوعة هي أبعد من أن تكون بداية لقصة جديدة، أو لفكرة يمكن أن تكتمل بهدوء على الصفحات البيضاء قبل أن تتلوث بدم جديد، أو تنتثر نتفاً في الهواء.

وفي خضم هذا الصخب، نجد القارئ، بعيداً عمّا يريدون طمسه، يتماهى مع أبطال أسطوريين، أو بطل قصة تحبس الأنفاس تجري في عوالم لا يتريث في التعامل معها كندّ محتمل. وتارة أخرى، يستكين في تراخ عبثي لمحنته الخاصة، بعد أن أصبحت المسؤولية جماعية والكارثة جماعية أيضاً، في تناسب مجحف بين الطرفين، مع أنه، في النهاية، يودي بهذا وبذاك.

الدافع المغري إذن يوازي التراجع للحظة وسبر ما عجزت العيون عن الوصول إليه. في هذه الحالة، الميل للمجازفة، إذ إن الوقوف بعجز أمام فاجعة كهذه، يبقى أقل سوءاً من انبهار عاطفي لا نعرف عواقبه.
إذن هل نحن أمام دون كيشوت معاصر، حوّل المجد إلى شكل من عدم الاستيعاب، ربما الأسوأ على الإطلاق، دون أن يتنبّه للهاوية وهو يُطلّ، بتشفٍّ وغرور، على الأنقاض والخراب؟

ربّما هذه الأحكام تبدو عشوائية، ولا تأتي بأي جديد، ولكن ما هو جديد وفريد من نوعه، هو الخاتمة التي نصل إليها. كل شخص يتطلع لأن يكون بمستوى الفكرة، وأعتقد أن المستقبل ربّما سيحقق هذا الطموح، بعد الإطاحة بكل المسميّات ورأب الشروخ، حتى لو أنها انتشرت في كامل البنية الهشّة كحالة ميؤوس منها، من الداخل كما من الخارج.

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بالفيديو… إليسا تفقد الوعي على المسرح

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة