رياض سطوف.. عربي المستقبل يحاكم الماضي

صدور المجلّد الثالث من قصص رياض سطوف (1978) المصوّرة مترجماً إلى اللغة الدنماركية، كان مناسبة لاهتمام الصحافة الثقافية الدنماركية بأعمال الرسام السوري الفرنسي. الكتاب الذي وصف بأنه "سيرة ذاتية" تساعد على فهم معنى الجنسية والنشأة والهوية، لا سيما وأن سطوف ولد في مقاطعة برتاني الفرنسية، من أب سوري قادم من قرية "تيرمعلة" في ريف حمص، وأم فرنسية، وقد عاش الرسام طفولته متنقلاً بين سورية وليبيا والسعودية.

الناقد الدنماركي مونغوورد أجرى حواراً مع سطوف، مؤخراً، في صحيفة "أنفارمشيون"، نشر في القسم الثقافي من الجريدة، بما يضيء تربته وخلفيته أيضاً. بالنسبة لسطوف فإن علاقته بالرسم أصبحت جزءاً من تعريفه لنفسه وهويته، بل إنها سبب في أرض مشتركة مع الرسامين الآخرين؛ عن ذلك يقول في حوار "أنفارمشيون" إنه حين يقابل يابانياً أو دنماركياً يرسم قصصاً مصورة "فكأنني أقابل واحداً من بلدي، ولا يعني الأمر بأني أحبه أو أبغضه، ببساطة هناك ما يجمعنا، وتلك هي هويتي"، يذكرنا ذلك بعبارة قالها في حوار أجرته معه صحيفة "غارديان" البريطانية العام الماضي: "لست ً ولا فرنسياً أنا رسام كاريكاتير".

"
يقدّم نفسه في القصص المصوّرة كطفل فضولي ومراقب
"

بعد اندلاع الأحداث في سورية، واتخاذها مسارات تدميرية بدأت معها المدن تختفي والناس تتدفق إلى اللجوء بكل اتجاه، أصدر سطوف (1978) أول مجلد من رواية ذاتية تعود إلى طفولته، لكنها مصاغة بطريقة الرسوم المصورة، وأطلق عليها "عربي المستقبل"، ومنذ ذلك الوقت توالت المجلدات إلى أن وصلت إلى خمسة، وتعاملت الصحافة الغربية معه بوصفه معبّراً عن الواقع السوري اليوم، فترجمت مجلدات "عربي المستقبل" إلى عدة لغات أوروبية وأصبحت في فرنسا وألمانيا من الكتب الأكثر مبيعاً في العامين الأخيرين.

أصدر سطوف المجلد الأول حين كانت حمص تعيش تحت القصف، ويجري تسويتها بالأرض، وكان أقرباؤه يحاولون الخروج من هناك. هذه العلاقة مع سورية ككل، وحمص بالذات جعلته يسلّط الضوء على ريف حمص من خلال الرسومات.

في "عربي المستقبل" تظهر حكاية رياض الطفل الصغير، الذي انتقل مع والديه عام 1980، من فرنسا (حيث أنهى والده الدكتوراه) إلى ليبيا للعمل في إحدى جامعاتها، كانت حياة رياض الطفل تتمحور حول تنقلات أبيه، من سورية إلى فرنسا إلى ليبيا إلى ثم فرنسا.

يرى سطوف أن والده ربما يختزل قصة التطلع إلى "عربي المستقبل"، استناداً إلى عربي الماضي، وهو بالنسبة إليه شخصية معقدة التركيب "في الحديث يبدو تقدمياً وحداثياً، لكنه في السياسة ساذج وعنصري. كأنه خليط من الديكتاتورين القذافي والأسد عند الحديث بكلمات كبيرة عن الحداثة والدول العربية الاشتراكية"، يضيف "أترك مهمة تقييم والدي للقارئ".

لكنه أيضاً يجزم في حواره مع انفارمشيون بأنه "كالآخرين المتحدرين من خلفيات فقيرة ظنوا أنهم أصبحوا شيئاً فيما بعد. لقد آمن أبي بكل ما كتب. وكابن فلاح فقير، من قرية تعيش واقعاً رديئاً، دون كهرباء وماء، أصبح دكتوراً من السوربون".

وفي مقاربة مثيرة للجدل، يضع "عربي المستقبل" الأنظمة الديكتاتورية في ذات السلة مع والده "صدام والقذافي أتيا من خلفية فقيرة، واقتنعا بأنهما يعيشان لأجل قيادة بلديهما، ووالدي رأى قدره بنفس الطريقة".
وفي حديثه عن هذه المقارنة من خلال والده، يقول سطوف "من جهة كان حداثياً فيما يتعلق بالتعليم، في حين كان يمينياً متشدداً، يقبل بإعدام البشر وبأن تجري انقلابات عسكرية، كان يشتكي دائماً من العنصرية الفرنسية، وبذات الوقت كان هو عنصرياً جداً".

لماذا اختار سطوف شخصية أبيه؟ يقول إن والده وتفكيره ونمط حياته كان محفزاً كبيراً له، لكنه يؤكد سعيه لأن "يكون دقيقاً قدر الإمكان، لأترك للقرّاء تقييمه"، مضيفاً أن أهمية التمحور حول شخصية الأب نابعة من افتتان الأطفال بآبائهم وإيمانهم بأن كل ما يقولونه هو الصواب، يوضح: "إذا ما تفوّه أبوك بأشياء فظيعة فأعتقد أنك كطفل ستقول بأنه "صحيح" فأبي هو الأفضل. حتى في عنصريته ستظن أنه محق، ولا بد من أن هناك سبباً لعنصريته. أردت أن يضع الناس أنفسهم في مكاني في تلك الفترة الزمنية، وسؤال أنفسهم: لماذا أحب هذا العنصري؟ أحب التعبير عن هذه المشاعر لأنها من الحياة الحقيقية، وليست كالأبيض والأسود".

عن ألوان الرسومات في "عربي المستقبل" يقول سطوف: "اخترت الأصفر لليبيا، لأنني أذكرها مشعة. وبالنسبة لسورية فالوردي مرتبط بلون الأرض الحمراء في ذاكرتي، وفرنسا بالأزرق والرمادي لأننا عشنا في بريتاني حيث الطقس البارد لكنني كنت قريبا من البحر. جعلتُ الألوان رمزية لآخذ القارئ معي وأجعله يتنقل في الأحاسيس من الأصفر الدافئ إلى الأزرق البارد، فذلك ينتج ردود أفعال كالتي تحدث في السفر، كما في طفولتي".

"
تخلصت من حقيبة تزن 50 كيلوغراماً حملتها لسنوات
"

يصرّ سطوف على أن عمله في الرسومات عموماً أو في "عربي المستقبل" على وجه الخصوص بعيد عن السياسة، لكن ذلك قد لا يكون دقيقاً ففكرة الكتاب أساسها الواقع السياسي الذي يدخل في حياة الفرد ويصنع مستقبله، كما إن أجاباته وتعليقاته تشير إلى شخص مراقب ومتابع دؤوب لما يحدث على الصعيد السياسي وعلاقته بالاجتماعي والثقافي.

يبدو لمن يقرأ هذا الحديث الطويل مع صحيفة إسكندنافية، معروفة بالتدقيق في التفاصيل والبعد عن النمطية، أنه لا مناص من الربط بين الديكتاتورية والنشأة الاجتماعية، وناتجها الذي يحرك في ركوده شخصاً نشأ بين مجتمعات مختلفة متناقضة مثل سطوف نفسه، ويعود من خلال الطفل الذي كانه -ولو بطريقة هزلية في بعض الجوانب- إلى نشأة التعصب والعنف والاضطهاد.

يقدم الرسام نفسه في القصص المصورة ببراءة طفل فضولي ومراقب، بأسئلة تستخدم التهكم والسخرية عما يقدّم للأطفال العرب من روايات، جيدة وسيئة، بما يتعلق بماضيهم ومستقبلهم، حيث يرى أنه من الأسهل على الناس أن ترى الأشياء بعيون الأطفال "بسذاجتهم وبراءتهم، ولست مغرماً بالقصص والأفلام المصورة حين تحاكم البشر والوقائع بشكل متعجل".

يأخذ رياض القارئ إلى عوالم الطفل الذي كانه، مراقبته لسلوك الآخرين، وما يمثله (السلوك) من أهمية في تربية الأطفال، وعن تجربة كتابة ورسم هذه الحياة يقول "كأنك تخلصت من حقيبة ظهر تزن 50 كيلوغراماً حملتها لسنوات، من خلال إخبار الناس بالقصص عن الواقع".

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق علية الخالدي.. كيف نتذكر الحرب؟
التالى تاريخ الملاحة العُمانية في "سجل ذاكرة العالم"

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة