عين الفوارة وذاكرة التخريب

عين الفوارة وذاكرة التخريب
عين الفوارة وذاكرة التخريب

الفاندالية (Vandalism) تعني أعمال التخريب العبثية والمجانية التي تطاول الأعمال الفنية والأشياء القيّمة أو الأماكن العامة من دون سبب. ويعود أصل الكلمة إلى "الفاندال"، وهم شعب جرماني اجتاح الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، وقام، ككل الشعوب الجرمانية في حروبها آنذاك، بنهب وهدم كل ما كان يأتي في طريقه.

ويستخدم الكثيرون هذه الكلمة في هذه الأيام، وذلك في المقالات التي تتناول أعمال التخريب المتكرّر من قبل متشددين "إسلاميين" والذي يطاول أعمالاً فنية وأثرية عالمية كتمثالي بوذا الضخمين مثلاً، اللذين دُمّرا على يد طالبان سنة 1998، وأخيراً تمثال "عين الفوارة" في مدينة سطيف الجزائرية قبل أيام، وإن كنا نعرف السبب في هاتين الحالتين.

تتوسط "عين الفوارة" قلب مدينة سطيف، وتعد أحد المعالم التي تستقطب يومياً الزوار، وقد قام الفنان فرنسيس دو سان فيدال (ميلان 1840 – 1900) بنحت تمثاله، وهو عبارة عن امرأة عارية جالسة على صخرة وتميل بجذعها إلى اليمين متكئة على يدها اليمنى.

ودو سان فيدال هو نحات تماثيلٍ وميداليات فرنسي، من أعماله المشهورة تمثال نصفي للموسيقي بيتهوفن، موجود في متحف الفنون الجميلة في مدينة بوردو، وكذلك النبع الذي صمّمه ليرتفع تحت برج إيفل بمناسبة معرض عالمي في باريس عام 1889، وهذا الأخير موجود الآن في إحدى باحات الأنفاليد.

ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت "عين الفوارة" التي عُرفت بمياهها الساخنة شتاءً والباردة صيفاً، في حالة سيئة، فطلب "عمدة" المدينة الفرنسي من مدير "مدرسة الفنون الجميلة" في العاصمة الفرنسية المساعدة في تجميل الساحة الرئيسية ونبعها بتمثال يليق بها. فكان أن حظي بتمثال النحات دو سان فيدال الذي شارك به في معرض اللوفر سنة 1898. استُقبل التمثال في ميناء العاصمة بحفلة موسيقية تخللتها ألعاب نارية، ثم نُقل إلى عاصمة ولاية سطيف التي تحمل اسمها في رحلة استمرت عشرة أيام.

"
نعود مجدداً في عالمنا العربي والإسلامي إلى السؤال عن تحريم الفنون التشكيلية
"

انتهت الأعمال الخاصة بقاعدة التمثال سنة 1899، وقد تعهدها المعمار الفرنسي-الإيطالي فرانشيسيوني بمساعدة فنيين محليين، لتكون على شكل مكعب يقارب ارتفاعه المترين وفي منتصف كل جهة منه ثقب يخرج منه الماء ويصب في جرن نصف دائري صغير قبل أن ينتهي في بركة نصف دائرية أكبر في القاعدة.

يقبع التمثال في ساحة الاستقلال، وعلى بعد أمتار من المسجد العتيق، أحد أكبر مساجد المدينة. وقد تآلف سكان المدينة معه وألفوه، فالصور التي تتناقلها وسائل الإعلام له، تدلّ على تقبله من قبل أناس مختلفي والطابع، حتى أن مشهد المرأة العارية لا يسبب أي مشكلة للمجتمع المحافظ فيها، لا بل على العكس، فقد أصبح نقطة لقاء لأهل المدينة ومعلماً أثرياً يؤمه السياح وهدفاً أيضاً لنسوة يقصدنه لحل أمور شخصية تتعلق بالغيب!

فقد أصبحت هذه "المرأة" مع مرور السنوات أسطورة وملاذاً للنساء، المحليات كما الأوروبيات، يأتين إليها لسؤالها عن عودة زوج غائب كما يطلبن منها أحياناً زوجاً لهنّ. وإذا ما تحققت الأمنيات، عدن إلى العين بكامل أناقتهن أو بثياب العيد حتى، كي يمسحن قدم أو يد "الساحرة" الطيبة بها، شاكرات استجابتها.

وقد تعرّض هذا التمثال خلال السنوات العشرين الأخيرة لعدة محاولات تخريبية، ففي ربيع 1997، وخلال "العُشرية السوداء"، حاول متشددون تفجيره بالديناميت، لكن التفجير لم يترك إلا أثراً محدوداً، رُمِّم خلال يومين اثنين. ولا نعرف إن كانت المصادفة هي التي جعلت هذا الجرم يُرتكب في السنة نفسها التي أعلن فيها أحد قادة طالبان في أفغانستان عن نيته تدمير تمثالي بوذا اللذين أشرنا إليهما سابقاً.

كما تكررت المحاولة في ربيع 2006 أيضاً من قِبل شاب، قام بواسطة مطرقة بتشويه خدها الأيسر وأنفها. لكن المحاولة الأخيرة التي قام بها في وضح النهار شاب في العقد الثالث من العمر، وقد وصفته الشرطة الجزائرية بالمختل عقلياً، كانت هي الأسوأ. لقد استطاع الشاب المتطرف الذهاب بعيداً في عمله، حيث هشم بواسطة مطرقة وإزميل وجه المرأة وصدرها قبل أن تستطيع عناصر الشرطة توقيفه عن عمله واعتقاله.

والفيديوهات المتعددة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تبدي أن بعض الحاضرين لم يكتفِ بالتصوير أو المشاهدة بل حاول إثناء "المختل عقلياً" عن عمله ورده عنه بضربه بالحجارة أو بالعصي لكن هذا الأخير كان يضرب بمطرقته باتجاه من يقترب أو "يزعجه" بشكل هستيري.

وقد أعادت هذه الحادثة إلى الواجهة الجدل القديم بين مناصري بقاء التمثال كعمل فني ومعلم من معالم المدينة وبين طرف يرى فيه رمزاً من رموز المستعمر الفرنسي وصنماً منافياً لتعاليم الدين الإسلامي وخادشاً للحياء، حتى أن بعض الشيوخ قد حرّم شرب ماء النبع ما دام هذا التمثال موجوداً فيه. لنعود مجدداً في عالمنا العربي والإسلامي إلى السؤال عن تحريم الفنون التشكيلية ولا سيما النحت، ولنتذكر في هذه المناسبة كيف تقدّم سنة 2008 طالب واحد لقسم النحت في "جامعة حلوان" في .

وربما مرّ مشهد فاندالي بامتياز قبل بضعة أسابيع لم نعره اهتمامنا، وبطله هو شاب يتظاهر على أبواب السفارة الأميركية في احتجاجاً على قرار الأخير بشأن . فقد بثت محطة لبنانية فيديو انتشر سريعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وفيه نرى الشاب وقد أخذ كرة حمراء من زينة شجرة الميلاد التي تتوسط الساحة وركلها بقدمه بقوة منتقماً من ترامب و"محرّراً" بيت المقدس.


* فنان تشكيلي سوري

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بالفيديو… إليسا تفقد الوعي على المسرح

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة