سيّداتي سادتي

سيّداتي سادتي
سيّداتي سادتي

سيّداتي سادتي،

حسبَ ما فهمتُ من إعلانكم المنشورِ في جريدة الأربعاء، أنتم تبحثُون عن موظَّفٍ لمؤسّستكم المحتَرمة. فإن حدثَ وأن طالعَتكُم من بريدكم الإلكتروني رسالةٌ مرفقةٌ بسيرتي الذاتية، أكون قد أرسلتُها إليكم في ساعة مللٍ من أيّام البطالة التي تمدّدت واستحالت شهوراً، فنصيحتي لكم أن تُحيلوها إلى سلّةِ المهمَلات من فوركم.

رجاءً، تعامَلوا مع الرسالة كما لو أنها لم تصِلكم البتّة. وانتَقِلوا رأساً إلى الرسالة الموالية.
ليس لأن الملل المسائي والليلي من البطالة يستحيلُ تلذّذاً بها في الصباحات؛ حيثُ أشعر بسعادةٍ غامرة، طفولية وتافهة، وأنا أتذكّر ألّا شيء يُجبرني على الاستيقاظ باكراً، ثمّ خوضِ سلسلةٍ من الواجبات التقليدية الرتيبة: بدءاً بالحمّام؛ حيثُ يتعيَّن عليَّ غسلُ وجهي، وصولاً إلى كرسيّ المكتب الذي أشكّ في أن يكون وثيراً، مروراً بمسالكَ مغبرّةٍ ومكتظّة أنتظر فيها سائق تاكسي لعيناً ساعةً أو ساعتَين، ومقهى شعبي تزدحم فيه وجوهٌ عليها مخلّفات الأرق.

لا شيء يُجبرني على الاستيقاظ الآن، ولا بعد الظهيرة.
ولا لأنني لم أعد أُشبه الصورة التي في أعلى السيرة الذاتية. سأُطلعكم على سرٍّ خطير، أرجو ألّا تبوحوا به لأحد: جميعُ صوَري، تلك المختفيةُ في ألبوماتٍ ورقية قديمة، وتلك النائمة كفيروسات في الهاتف والكمبيوتر، لم أعُد أشبهها على الإطلاق.

بإمكاننا القول إنني شخصٌ آخر. حتّى أنني قضيتُ نصف ساعةٍ، في المطار، وأنا أحاول إقناعهم بأنني الشخصُ نفسه الذي على صورة جواز السفر. لحسن الحظّ، صدّقوا الكذبة.
ولا لأن سيرتي المهنيةَ لا تُلبّي احتياجات مؤسّستكم العريقة. في أسوأ الأحوال، لن أكون أكثر سوءاً من موظَّفيكم المكدّسين في المكاتب، يُثرثرون في انتظار انتهاء الدوام الرسمي.


(2)

أحيلوا رسالتي، التي عنونتُها في لحظة ضعفٍ إنساني "طلب وظيفة"، إلى سلّةِ المهمَلات من فوركم. فأنا لستُ الموظَّف المثالي الذي زرعتُم فِخاخ إعلاناتكم في الجرائد على أمل اصطياده. ولديَّ ألف سببٍ يجعلني كذلك.

لا شكّ في أنكم تبحثون عن موظَّفٍ نشيط ومنضبط، وربّما خارق (خارق تعني الموظّف الذي يعمل كالبغل). أمّا أنا، فكسولٌ وغير مبالٍ، وغير خارقٍ بالمرّة. أنا عادي جدّاً، وربما أقلُّ من عادي.

تريدون الصراحة؟ لستُ من نوعية الموظّفين الذين يأتون في الموعد المحدَّد (قبله أحياناً)، ويغادرون في الموعد المحدَّد (بعده أحياناً). أنا، يا سادتي، آتي إلى العمل متأخّراً بساعتَين على الأقل. إنها عادةٌ مزمنة، وربما موهبة. لطالما اعتقدتُ أن الله وهبني التأخير يومَ وزّع المواهب على الخلق.

وإن التقيتُم بي في الرواق، أهمّ بالالتحاق بالرفاق عند العاشرة والنصف صباحاً، وسألتموني بلهجةٍ مستنكرةٍ عن سبب تأخّري المتكرّر، سأجيبُكم بدمٍ بارد، وأنا أتثاءب: "البارحةَ لم أنم جيّداً. لو كان الأرقُ رجلاً لقتلتُه".

ثمّ لا تتوقّعوا مني البقاء إلى نهاية الدوام. سأتسلّل خارجاً عند الثانية والنصف بعد الزوال، أو الثالثة على أقصى تقدير، لأنني سأكون قد بدأت أشعر بالاختناق والدوار والغثيان، وأصبحت على وشك ارتكاب جريمة.

طبعاً، لن تكونوا بحاجةٍ إلى موظَّف كهذا، حتّى إن قام بكلّ ما هو مطلوبٌ منه في ساعتَين. أنتم تُفضّلون موظّفاً يحترم المواعيد مثل المنبّه، يأتي في الوقت المحدَّد ويغادر في الوقت المحدَّد، حتى وإن قضى يومه يثرثر مع الرفاق، عن زحمة السير عند الرابعة مساءً، وارتفاع سعر الطماطم، وتصريحات رئيس الحكومة، والزيادة الملحوظة في وزن السكرتيرة في الأيام الأخيرة.


(3)

نحن في العالم الثالث. والأرجح أنكم لن تُعيروا جانب الوقت أهمية كبيرة. لكنني أرغب أن أُعلِمكم، منذ الآن، أن المشكلة أعقد من ذلك بكثير.

أنا، وهذا سرٌّ خطير ثانٍ أرجو ألّا تبوحوا به لأحد، أعيشُ حالةً مُتقدّمة من مرضٍ نفسي يؤثّر على مردودي في العمل بشكلٍ كبير.

في العادة، يحتاج المريضُ إلى زيارة طبيبٍ ليشخّص داءه ويصف له العلاج المناسب. غير أنني استطعتُ تشخيص مرضي بمجرّد نقرة زرّ على "ويكيبيديا".

في البداية، ساورَتني بعض الشكوك. وبعد أن أكملت قراءة الموضوع، تأكّدتُ أن جميع الأعراض المذكورة تنطبق عليّ.

تُطلَق على ذلك المرض تسمياتٌ عديدة؛ فهو: "الاضطراب ذو الاتجاهين"، و"الاضطراب الوجداني ثنائي القطب"، و"الهوس الاكتئابي"، و"الاضطراب ثنائي الاستقطاب" (Bipolar Mood Disorder)، وهو "اضطراب نفسيّ يتميّز بتناوب فترات الكآبة مع فترات الابتهاج غير الطبيعي".

باختصار، أعيش بين عالَمين: أحدهما جميلٌ ووردي وحالم، والآخر بشعٌ وسوداوي و(لا أجد ما يقابل عبارة حالم). في الأوّل، تنفتح شهيتي للطعام والحياة والعمل. وفي الثاني، لا أستطيع تفقُّد بريدي الإلكتروني حتّى.

من الواضح أني كنتُ أعيش الحالة الأولى حين كتبتُ لكم رسالتي المرفقة بسيرتي الذاتية، ولن تحتاجوا كثير ذكاءٍ لتستنتجوا أنني أعيش الحالة الثانية إذ أكتب إليكم رسالتي هذه.

المشكلة أن التناوب بين الحالتَين لا يحدث بشكل متساوٍ ومنتظم: تبدأ فترة الابتهاج غير الطبيعي فأفتح عشرين مشروعاً دفعةً واحدة، ثمّ سرعان ما تنتهي، لتبدأ فترة الكآبة المرَضية التي تستمرّ وقتاً أطول بكثير.

هذا ما يُفسّر بقاء مشاريعي مفتوحةً وغير مكتملة، ومكتبي خرباً، وملابسي ملقاةً على أرضية الغرفة على الدوام. أيّامُ الابتهاج غير الطبيعي لا تكفي لإنهاء كلّ المشاريع وإعادة ترتيب كلّ الأغراض.

لعِلمكم، لا أعمل في فترات الاكتئاب تلك. ولا شك في أنكم لا ترغبون في موظَّفٍ لا تشكّل فترة الابتهاج غير الطبيعي سوى نسبة ضئيلة من إجمالي وقته.


(4)

هل هذا كلُّ ما في الأمر؟
أخشى أن أجيب بـ لا. فقد علمتُ مؤخّراً أن علاقتي باللغة مرَضيةٌ أيضاً. أعاني مرضاً نفسياً/ عضوياً، يُسمّى "متلازمة التحذلق اللغوي" (Grammatical Pedantry Syndrome). للتوضيح، لا يُقصد به مرض محمّد الهادي الحسني الذي يستحضر لغة قديمة وثقيلة ومتقعّرة من "عصر الانحطاط".

بحسب دراسةٍ علمية حديثة، فإن الأشخاص الذين "يُكثرون من تصحيح أخطاء الآخرين اللغوية والإملائية ليسوا مزعِجين فحسب، بل مرضى". وهذا ما ينطبق عليّ. لقد تركتُ وظيفتي السابقة، وتفرّغتُ لتصحيح الأخطاء التي أصادفها في الجرائد والمواقع الإلكترونية واللافتات وعلب الدواء والمواد الغذائية، بلا أجر.


(5)

في الأخير، لا بأس أن أصارحكم بمشكلة أخرى بسيطة نوعاً ما؛ وهي أنني غير دقيق بالمرّة، وغالباً ما أكون شارد الذهن. إن أردتُ، مثلاً، إرسال رسالةٍ قصيرة إلى محمود. ب لأُخبره بأن مسعود. م كلبٌ وبأنه أحقر من سعت به قَدَم، كتبتُ الرسالة وحرصتُ على تدقيقها جيّداً، كي لا تتضمّن أية أخطاء لغوية، ثمّ أُخطِئ وأرسلها إلى مسعود. م شخصياً.

مع مودّتي

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بالفيديو… إليسا تفقد الوعي على المسرح

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة