معهد العالم العربي يكرم العروي.. مفكر القطيعة

احتفى معهد في فعالية هي الأولى من نوعها خارج مقره بالعاصمة الفرنسية بالمفكر المغربي عبد الله العروي تكريما لعطاء غزير يتواصل منذ أزيد من نصف قرن. 

الحدث الذي نظمه كرسي المعهد بشراكة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط عرف مشاركة نخبة من الباحثين المغاربة والأجانب الذين قدموا إضاءات حول مجالات الاهتمام المتعددة التي ألف فيها العروي فكرا وتاريخا ونقدا وأدبا. 

وتقاطعت مداخلات الباحثين التي توزعت على جلستين عند صورة العروي كداعية للقطيعة الجذرية مع التراث الجامد كسبيل لا مناص منه لتجاوز المأزق الحضاري الذي يعيشه العالم العربي الإسلامي، وامتلاك مفاتيح مستقبل متمنع يخطئ العرب طريق دخوله بمشاريع نهضوية فاشلة. 

ولم يقترح اللقاء قراءات مباشرة معمقة لإسهامات العروي بل جاءت العروض بمثابة أوراق قاربت جملة المفاهيم والإشكاليات الرئيسة التي شغلت هذه الشخصية وشكلت خيطا ناظما في منجزها الفكري.

ويتعلق الأمر بسؤال الحداثة كما نبت في التربة الفكرية الغربية، وصيرورة تلقيه لدى النخب الثقافية والسياسية في المجتمعات غير الغربية، ومنها العربية. 

c13689389c.jpg
العروي يعد أول شخصية عربية تحظى بهذه الالتفاتة (الجزيرة)
ومجاراة للطابع الموسوعي الذي طبع إسهامات العروي في مساءلته للحداثة غربا وشرقا بمختلف تمظهراتها وجوانب تحققها قدم المتدخلون خلاصات متكاملة بشأن سؤال الحداثة والتحديث في أبعاده الفلسفية والسياسية والأدبية والفنية راصدين ردود فعل النخب العربية التي ظلت حبيسة ما سميت "صدمة الحداثة"، موزعة بين داع إلى بعث التراث والعودة إلى الجذور لمواجهة التيارات العاصفة التي تهب من الغرب "المستعمر" وبين محرض على هدم الوضع القائم على مختلف المستويات دون وصفة شاملة لإعادة البناء. 

وفي هذا السياق، تحدث حسن أوريد مستعرضا تاريخا من الإخفاق على مستوى مشاريع الإصلاح السياسي، وقارب عبد السلام بنعبد العالي جوهر السؤال الفلسفي للحداثة كحركة توتر وتجاوز مستمرة، وتوقف محمد الداهي عند وقع مفاهيم الحداثة على الابداع الأدبي والفني.  

ولأن إسهامات العروي تجاوزت حدود الفضاء العربي فإن أستاذ الفلسفة بجامعة برلين نيلس ريكن ركز في مداخلته على التاريخ والتاريخية كانشغال مركزي في أعمال المفكر المغربي، أما محمد الشيخ فاستعرض حضور مؤلفات عبد الله العروي في الكتابات الأنكلوسكسونية، وهو حضور نوعي وإن كان قد استغرب عدم ترجمة الكتاب المرجعي للعروي الذي حمل عنوان "الأيديولوجية العربية المعاصرة نموذجا" إلى الإنجليزية. 

1e6fb5fb39.jpg
 إسهامات العروي تجاوزت حدود الفضاء العربي (الجزيرة)

مدير معهد العالم العربي بباريس معجب الزهراني اعتبر عبد الله العروي تجسيدا حيا للفكر الحداثي النقدي ومرجعا أساسا لكل قارئ وباحث في مخاضات المشروع النهضوي العربي ومسار تعثراته، وإشكاليات النخب العربية.

وقال ان تكريمه يندرج في سياق برنامج جديد تبناه المعهد لإعادة إحياء كرسي معهد العالم العربي كإطار تأسس سنة 1991 ليتوقف عام 1994 بسبب الأزمة المادية التي واجهتها المؤسسة التي تعد محراب الثقافة العربية في والعالم الفرونكوفوني.

وأضاف الزهراني أن الاحتفاء بالعروي كأول شخصية عربية تحظى بهذه الالتفاتة يعقب فعالية مماثلة نظمها الكرسي تكريما للمفكر الفرنسي إدغار موران ضمن سلسلة مبادرات يعتزم المعهد القيام بها لإعادة الاعتبار لرموز الفكر المعاصر. 

ولم يكن للقاء أن ينفض دون كلمة للمفكر المحتفى به الذي ذكر بمفهوم مركزي يوجه تفكيره، ووعيه بدور الفكر في تغيير المجتمع وبالتزام المثقف بتقديم الإضافة الملموسة والقابلة للتطبيق كمداخل لإيجاد حلول لأسئلة الواقع، وذلك هو مفهوم المنفعة الذي يتيح اقتراح أجوبة ملموسة وعقلانية عن عوارض الحياة وحاجيات المجتمع.

وفضل العروي أن يعلي ضمن مدار انشغالاته العديدة من شأن البحث التاريخي بوصفه المجال الذي يمكن الباحث من التمييز بين الفكر الأيديولوجي والفكر المطابق للواقع، مبرزا وهو يستدعي أهمية كتابه "مفهوم التاريخ" أن البحث التاريخي يفضي إلى مناهضة الحقيقة المطلقة التي تعطل مساحات التأويل وعمل العقل.

يذكر أن عبد الله العروي رأى النور سنة 1933 في مدينة أزمور، وتابع دراساته بالرباط ثم في جامعة السوربون التي حصل منها سنة 1976 على دكتوراه عن أطروحته التي تحولت لاحقا إلى كتاب مرجعي بعنوان "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بالفيديو… إليسا تفقد الوعي على المسرح

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة