رحيل أحمد بن صالح... مهندس التعاضديات التونسية

رحيل أحمد بن صالح... مهندس التعاضديات التونسية
رحيل أحمد بن صالح... مهندس التعاضديات التونسية

يعتبر بن صالح من أبرز النقاببين في (العربي الجديد)

ظل إلى آخر أيامه يدافع عن فكره ومشروعه الاقتصادي الذي اختاره لتونس أواسط ستينيات القرن الماضي عند توليه حقائب الاقتصاد، بتكليف من الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي جعل منه "السوبر وزير" قبل أن يعاقبه بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات.

فقد استلم الراحل أحمد بن صالح الصحة والتعليم والاقتصاد والتخطيط والمالية، بعد أن شغل وهو في سن الـ29 أمانة الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة في تونس). بن صالح الذي أعلن عن وفاته في تونس يوم 16 سبتمبر/ أيلول 2020 عن عمر يناهز 95 عاماً، يعتبر مهندس تجربة التعاضد الاشتراكية في البلاد.

ولد في يناير/ كانون الثاني 1926 وتخرّج من جامعة "السوربون" في اختصاص الأدب العربي وكلّف فجر الاستقلال بعد تشكيل المجلس التأسيسي (أول برلمان تونسي 1956) بإعداد أول وثيقة لبرنامج للنهوض الاقتصادي والاجتماعي في البلاد قبل أن ينطلق في رحلة تنفيذ هذا البرنامج من وزارات عديدة امتدت إلى حدود عام 1969.

ارتبط اسم أحمد بن صالح الوزير النقابي بتجربة التعاضد التي عرفتها البلاد في الفترة المتراوحة بين 1962 و1969 التي تقوم على ضرورة اعتماد المجمعات التعاونية أو التعاضدية لوسائل الإنتاج التي تشرف عليها الدولة وتوزّع ثمارها على المتعاضدين كل بحسب مساهمته بعد تأميم الدولة كل الأراضي الصالحة للزراعة.

شهدت تلك الحقبة من تاريخ البلاد زيادة في الضرائب من أجل تمويل السياسة التعاضدية بنسبة 22.5 في المائة بين عامي 1962 و1970 ودفعت الشرائح السكانية المتوسطة والدنيا القسط الأوفر منها. وتمكنت الدولة خلال هذه العشرية من تأميم كل الأراضي الصالحة للزراعة تقريباً. كما استطاعت بعث مشاريع صناعية كبرى في جهات مختلفة من البلاد، مثل مصنع تكرير النفط ببنزرت ومصنع الفولاذ بمنزل بورقيبة ومصنع السكر بباجة ومعمل عجين الحلفاء والورق بالقصرين، كما قامت بتحويل تجارة التوريد والتصدير وتجارة الجملة إلى القطاع العام.

لكن تجربة التعاضد عرفت نهايتها بعد تململ اجتماعي كبير داخل البلاد وضغوطات لأصحاب الملكيات الزراعية الكبرى الذين طلبوا من الرئيس الحبيب بورقيبة تنحية بن صالح عندما قرر تعميم نظام التعاضديات على كافة الفلاحين.

ورغم أن بن صالح ظل يدافع عن مشروعه إلى آخر سنوات عمره ويعتبر أن تجربة التعاضد كانت مفيدة لتونس وساهمت في بناء الاقتصاد ما بعد الاستقلال ووضع الأسس الأولى لقطاعات حيوية في البلاد على غرار الصناعة والسياحة والتعليم، إلا أنّ هذه التجربة لا تزال بحثاً مغريا لكل المشتغلين في حقل العلوم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ولا يزال كذلك علماء الاقتصاد يبحثون لإيجاد تأويلات مقنعة لتفسير فشل تجربة التعاضد. وفسّر أحمد بن صالح في مقابلة سابقة مع "العربي الجديد" ما وصفه حينها بارتداد تجربة التعاضد بتظافر العديد من الأسباب لإفشال التجربة في تونس، وهي بالأساس داخلية تمثلت في غياب الوعي الطبقي لدى الفئات الفقيرة وهي الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي في الستينيات، إذ عمد كثير منهم مثلاً إلى ذبح قطعانهم من المواشي كي لا تتسلمها الدولة.

غير أن باحثين في الشأن الاقتصادي والاجتماعي يعتبرون أن تجربة التعاضد في البلاد خلّفت "مآسي" اجتماعية بعد تفقير الريف وصغار الفلاحين. رفض أحمد بن صالح أن يعتذر علناً عن سياسة التعاضد، وهو ما تسبب بمثوله أمام المحكمة العليا وصدر حكم بسجنه مدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة. وهكذا شطب للرئيس الحبيب بورقيبة رمزاً سياسياً ونقابياً من الحياة السياسية.

استطاع بن صالح أن يفر من السجن في فبراير/ شباط 1973 وغادر البلاد عبر الحدود مع وبقي بالخارج حتى صدر عفو شامل من طرف الرئيس زين العابدين بن علي سنة 1987 فرجع إلى تونس وكانت له إسهامات عديدة في أنشطة المجتمع المدني حتى بعد الثورة وخلال الحوار الوطني الذي جرى عام 2013 بعد أزمة سياسية خانقة في البلاد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى