السلام في الشرق الأوسط

السلام في الشرق الأوسط
السلام في الشرق الأوسط

أثناء حفل تطبيع والبحرين مع (Getty)

ليس هناك عنوان سفسطائي متناقض (oxymoron) مثل "السلام في الشرق الأوسط"، والأنكى منه سفسطائية مقولة دونالد ترامب: "الشرق الأوسط الجديد". وهل نحن على ثقة أننا نعرف الشرق الأوسط القديم حتى نعرف الجديد؟
منذ عام 2013، ونحن نسمع عن "اتفاق سايكس/ بيكو جديد". وطلع علينا متفلسفون بنظرية مفادها أن "سايكس/ بيكو" عام 1916 راعى حقوق الدول المستعمِرة (بكسر الميم)، ولم يُراع حقوق التقسيمات الديمغرافية.
ولذلك لا بد من إعادة تقسيم الوطن العربي إلى دويلاتٍ لكل أقلية. وهكذا نعود إلى تقسيم المقسّم، وتجزئة المجزأ، وتكون إسرائيل بتعصبها لليهود دولة ذات شرعية وذات سلطة ونفوذ.
وظهر عام 2013 كتاب "انتقام الجغرافيا"، لروبرت كابلان، (Robert S. Kaplan)، وهو اقتصادي وأستاذ جامعي أميركي، والذي يقدّم فيه أمثلة كثيرة على أن من ينسون الجغرافيا، فإنها مثل سفينة الصحراء، أو الجمل، لا تنسى من أساء إليها وتعود لتنتقم منه ولو بعد حين. ولاقى الكتاب رواجاً، ولكنه في الواقع ليس إلا تسويقاً لإعادة تقسيم الشرق الأوسط كما حصل في البلقان والاتحاد السوفييتي.

وها نحن اليوم، وبعد توقيع اتفاقيتي سلام (عنوان سفسطائي) بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل. انفتحت القريحة على نظريات جديدة، مثل نظرية تَجْمع بين النظام الفيدرالي الأميركي ونظام الاتحاد الأوروبي. ويضم هذا المقترح دولاً مثل ، وفلسطين، وإسرائيل، ولربما سورية والعراق، أو وسورية. 
وهذه نظرية يتبنّاها مفكّرون يهود داخل . ونتذكر قبل ذلك مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، شيمون بيريز، في كتابة الصادر عام 1994 بعنوان "الشرق الأوسط الجديد"، والمترجم إلى 16 لغة غير الإنكليزية، قد بنى أحلاماً تصوّر شرقاً أوسط جديداً خالياً من الحروب، ومليئاً بالمشروعات المفيدة للشعوب.
وفي العام 2013 أيضاً، صدر كتاب آخر بعنوان "الشرق الأوسط الجديد: العالم بعد الربيع العربي"، لِبول داناهر، (Paul Danaher)، يتحدّث فيه عن توقعاته للعالم في ضوء الانقسامات والحروب المدنية والأهلية التي نجمت عن إسقاط أربعة أنظمة عربية، وأحداث وارتباكات وهزّات في دول أخرى، وأطلق على هذه الأحداث عنواناً سفسطائياً أو (Oxymoron) هو "الربيع العربي".
كلفة مقاومة الاحتلال
لا شك في أن القضية الفلسطينية ستبقى قطب الرحى في التحدّيات التي تواجه المنطقة. ويبدو أن مدرستين صارتا تتسيدان الموقف. 
تقول الأولى إن على العرب الاعتراف بالهزيمة، والرضى بما يمليه عليهم المنتصر، أسوة بما فعلته ألمانيا واليابان وإيطاليا بعد (1939 - 1945). وسوف يؤدي هذا طبعاً إلى حالةٍ من الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية الأميركية التامة على المنطقة. ويقول هؤلاء إن الوطن العربي قد تحمّل جرّاء نكبة الكثير، وضحّى بالكثير، وآن الأوان للفلسطينيين أولاً، ولمن يساندهم ثانياً الاعتراف بالأمر الواقع، والتسليم به تطبيقاً للقاعدة التي تقول "إن لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون، حتى يكون ما تريد".
وبالطبع، سنسمع قريباً عن دراساتٍ تحصي الكلف المباشرة وغير المباشرة على الاقتصادات العربية، وما تحملته من خسائر بسبب استمرارها في مقاومة المشروع الصهيوني الاستعماري في المنطقة. وسيقولون لو أننا استخدمنا هذه الأموال في البناء الاقتصادي العربي، لكان موقفنا غير هذا الذي نحن عليه. 

أما المدرسة الثانية، فهي التي تؤمن بأن إسرائيل ليست إلا مشروعاً استعمارياً غربياً، كان الغرض منه تفتيت الوطن العربي، والقضاء على فرصه في النمو والنماء، وبعثرة أمواله وتفتيت ثرواته حتى لا تتراكم، فلا يعود للعرب أولاً، والعالم الإسلامي معهم، شأن يذكر. 
ويرفض هؤلاء، بناء على هذا الموقف، التسليم بنظرية الأمر الواقع، ويقولون إن المشروع الاستعماري للمنطقة سيبقى هو هو، سواء جرى صلح مع إسرائيل وقبول بها أم لم يجر، والسلام مع هذا الكيان ليس إلا استسلاماً. 
والدليل على ذلك أن المفاوضات السلمية التي انطلقت من مدريد في العام 1991 لم تسفر سوى عن اتفاقيتين: واحدة لم تحقق سوى سلام بارد مع الأردن، والأخرى لم تحقق السلام أو أيّاً من أهداف الفلسطينيين في الحصول على استقلالهم في دولة مستقلة قادرة على الحياة، عاصمتها
ويؤمن هؤلاء كذلك بأنه ليس أمام الأمة خيارات سوى القتال والكفاح، لأن طريق السلام ليس إلا طريق أوهام، وأن أي تحالف استراتيجي أو أي ترتيب سياسي واقتصادي مع إسرائيل سوف يؤدي إلى هيمنتها المطلقة على الوطن العربي.
مشروعات صعبة التنفيذ
سوف يؤدي هذا التباين في النظريات، مع الوقت، إلى جعل مشروعات السلام والسيناريوهات المختلفة لتحقيقه، غير قابلة للتنفيذ. ويعتقد عرب ومسلمون كثيرون أنه لو كانت هنالك مقاومة حقيقية لإسرائيل لقبلت بشروط أفضل بكثير، وَلَما رأت رئيس وزرائها بنيامين يتباهى بأنه حقق سلاماً مقابل سلام.

علينا، نحن العرب، أن نبحث عن حل مُستطاع، وإلا فإن خوفنا من ، ومن ، ومن إسرائيل، وقبولنا بتنامي أدوارها على حساب الأمة، وبدون أدوات تفاوضية حقيقية، سوف يفقد الجميع مستقبلهم، سواء كنا نعيش في منطقة الخليج، أو في المشرق العربي، أو في الساحل الأفريقي الشرقي، أو في المغرب العربي. كلنا مرشحون لذلك الوضع المذل قريباً.
المشكلة أن أعداء الأمة يحسبون لنا حساباً أكثر مما نفعل نحن أنفسنا، ومعظمنا يطبق ما يخطّطه لنا هؤلاء عن وعي أو عن غير وعي.

الأكثر مشاهدة

المزيد في اقتصاد

التحديثات الحية

اقتصاد الناس

التحديثات الحية

طاقة

التحديثات الحية

أسواق

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى