موارد يمنية مسلوبة: السيطرة الإماراتية على الموانئ تُفقر السكان

موارد يمنية مسلوبة: السيطرة الإماراتية على الموانئ تُفقر السكان
موارد يمنية مسلوبة: السيطرة الإماراتية على الموانئ تُفقر السكان

تتزايد أزمات الصيادين مع تعرضهم للمضايقات (عيسى أحمد/ فرانس برس)

اضطر وجيه المشولي (60 عاماً) من سكان منطقة حيس في الحديدة، إلى الخروج من منطقته التي شهدت معارك ومن ثم توترات ومواجهات متقطعة بين أطراف ، للفرار مع عائلته المكونة من عشرة أفراد إلى مخيم للنازحين في محافظة عمران شمال . لم يلبث هناك طويلاً نتيجة تردي الوضع في المخيم، ليعود مرة أخرى إلى الحديدة، واستقر في منطقة بعيدة عن المواجهات، قريبة من محافظة ريمة. يقول المشولي لـ"العربي الجديد"، إن الحرب والصراع الراهن أهانه وشرده من منطقته وعمله في صيد السمك، والمعاناة تشمل أولاده والكثير من سكان بلدته الذين يعملون في صناعة الفخار والزراعة إلى جانب الصيد، إذ أصبحوا في أزمة معيشية بسبب ما رافق هذا الصراع من اعتداءات شريكة في التحالف، وقوات خفر السواحل التابعة لحليفتها إريتريا، على مصادر رزقهم، خاصة في مصادرة المناطق المخصصة للصيد البحري.

فقر وبطالة

تعاني مناطق الساحل الغربي من اليمن الممتدة من ميدي في محافظة حجة والحديدة إلى المخا وباب المندب أوضاعا صعبة في ظل توتر دائم بين أطراف الحرب، التي أوقف اتفاق استوكهولم معاركها قبل نحو عامين مع بقاء التوتر في مناطق تفتقر إلى أبسط الخدمات العامة ومجزأة بين فصائل عسكرية متعددة. المشكلات الاقتصادية والمعارك العسكرية والتوترات القائمة تركت آثاراً بالغة على كتلة سكانية كبيرة في ثلاث محافظات تشمل حجة والحديدة وتعز، يعاني سكانها فقراً مدقعاً وجوعاً وبطالة نتيجة فقدان الفئات العاملة مثل الصيادين وغيرهم أعمالهم، مما ساهم في تسارع انهيار الأوضاع المعيشية في مناطق بسطت الإمارات سيطرتها على سواحلها وأهم موانئها ومنافذها المائية.

وزادت الحرب والصراع الدائر في اليمن الذي تركز جزء كبير منه في الساحل الغربي من البلاد المطل على البحر الأحمر، من مأساة سكان هذه المحافظات والمناطق خصوصاً في الحديدة غربي اليمن وجزء من حجة المحاذية لها، والذين كانوا يرزحون تحت وطأة حياة صعبة وبائسة قبل هذه الحرب، إذ وصل بهم الأمر إلى العيش على وجبة واحدة فقط في اليوم، والوقوف في طوابير طويلة لتوفير أبسط المتطلبات التي تحتاجها هذه الوجبة اليومية.

أطماع إسرائيلية

يرى أستاذ علوم البحار في جامعة الحديدة جميل محسن، أن الحرب الحقيقية والصراع في اليمن يتركز على المرافئ والموانئ والسواحل والمياه الغنية بالثروات والموارد النفطية والسمك وحركة الاستيراد والتصدير، إضافة إلى المساحة والموقع الاستراتيجي المطلة على البحر الأحمر.

ويلاحظ محسن الاهتمام والتركيز الذي يبديه التحالف وخصوصاً الإمارات، في توسيع نفوذها في هذا الجزء الهام من المياه اليمنية والاستعانة بدول أخرى مثل إريتريا وغيرها لتحقيق أهدافها.

ويتطرق محسن في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى نقطة هامة في هذا الخصوص تتعلق بتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل والبحرين، إذ لها مصالحها في هذه الرقعة من المياه على امتداد البحر الأحمر. إذ يشرح أن هذه النقطة بالتأكيد كانت أحد أهم أسباب هذا التطبيع.

يلفت هذا الخبير في علوم البحار إلى أطماع بهذا الموقع الذي يشرف كذلك على جزيرة ميون وباب المندب وذلك منذ وقت طويل، بحيث يوسع نفوذها وتفوقها في إطار الصراع الدائر حول المنافذ البحرية مع أو في إطار طريق الحرير التي تعتزم الصين تنفيذه. ويحتل اليمن موقعاً استراتيجياً يثير اطماع مختلف القوى الدولية المتصارعة من خلال إطلالته واحتلاله مكانة بارزة على البحرين العربي شرقاً والأحمر غرباً، إلى جانب باب المندب.

إذ كان بإمكان هذه الموانئ والسواحل والموارد رغم محدوديتها توفير دخل كاف لليمنيين ومنح اليمن دافعا كبيرا وإمكانيات اقتصادية لمكافحة الفقر والبطالة، خصوصاً ميناء المخا التاريخي.

وضعية هذا الميناء اليمني الحيوي طفت على السطح أخيراً بعد الإعلان الرسمي عن اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، فضلا عن الجدل الدائر المتعلق بتكثيف الإمارات وجودها على طول مساحة الشريط الساحلي الغربي، إذ تتركز سيطرة أبوظبي التي تشرف على تكوينات عسكرية متعددة في هذه المساحة من الساحل على ميناء المخا والمنطقة المائية الممتدة حتى باب المندب.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه جزء من الصيادين اليمنيين لاعتداءات متواصلة في عرض البحر خصوصاً في سواحل الحديدة وميدي القريبة من حجة، يعاني جزء آخر من الصيادين في المخا بسبب تصرفات القوات الإماراتية والتشكيلات العسكرية التي تدعمها.

ميناء استراتيجي

السلطة المحلية في محافظة تعز جنوب غرب اليمن، تؤكد باستمرار معاناتها من شح كبير في الموارد والذي يؤدي إلى عجزها عن مواجهة كثير من الالتزامات في دفع رواتب الموظفين وتوفير بعض الخدمات العامة، نظراً لعدم استغلال إيرادات رئيسية تعتمد عليها هذه الأجهزة المحلية، وذلك نتيجة لخروج مناطق ومواقع مثل ميناء المخا عن سيطرة الدولة والحكومة المعترف بها دولياً، والذي يحرمها من إيرادات ومصادر هامة وأساسية.

ويعتبر ميناء المخا من أقدم الموانئ ليس في اليمن فحسب وإنما على مستوى شبه الجزيرة والخليج، وتأتي أهمية هذا الميناء نتيجة لقربه من الممر الدولي بمسافة ستة كيلومترات وموقعه بالنسبة للمناطق الجنوبية والمناطق الوسطى لليمن، بينما يكتسب مضيق باب المندب أهمية كبيرة للتجارة الدولية، إذ يعتبر بمثابة طريق استراتيجي لتجارة النفط بين الشرق الأوسط والدول الأوروبية، ويسمح بالاتصال المباشر بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس.

وكان ميناء المخا يعتبر من أشهر الموانئ في العالم، ومن أهم المراكز التجارية الواقعة على البحر الأحمر، ويعود الفضل إلى الميناء في تسويق البن اليمني الذي كان يصدر عبره، والذي كان ذا جودة عالية، فقد عرف وما زال باسمها "موكا" حتى اليوم.

يؤكد الباحث الاقتصادي مرزوق عاشور، أن الفقر تركز في اليمن بمناطق الساحل الغربي نظراً لأن هذه المناطق توجد فيها الكتلة السكانية الأكبر في البلاد، لذا كانت الموانئ والسواحل إضافة إلى الزراعة ملاذ الناس ومصدر دخل أساسي لهم. ويشدد لـ"العربي الجديد"، على أن الحرب ضاعفت مأساة سكان هذه المناطق المقطعة أوصالها بفعل هذا الصراع الذي لم يتوقف خصوصاً بعد اختطاف الإمارات وعزلها لجزء كبير من السواحل الغربية لليمن وتعطيلها موانئ هامة ورئيسية مثل ميناء المخا.

تأثيرات على القطاع الزراعي

يشكو مواطنون في حجة والحديدة والمخا من ترد معيشي مزر، وافتقادهم لأهم الخدمات من كهرباء ومياه وكذا للغذاء والدواء، في ظل ارتفاعات قياسية في أسعار السلع وأزمات طاحنة في الوقود. في حين تأثرت هذه المناطق كثيراً بتخفيض نسبة المساعدات الإنسانية الإغاثية التي تشرف عليها إلى النصف بسبب تراجع التمويلات الدولية التي تدعمها، إذ تعتمد غالبية الأسر في هذه المناطق والمحافظات على هذه المساعدات.

ويؤكد أمين صالح، وهو من سكان محافظة حجة، على صعوبة وصول السلع والمواد الغذائية إلى مناطقهم الجبلية الوعرة، وهو ما يجعلها بعيدة عن متناول الكثير من سكان مناطق هذه المحافظة لارتفاع أسعارها بصورة خيالية حسب وصفه لـ"العربي الجديد". بينما يوضح المزارع في محافظة الحديدة عماد قاسم، كيف عبثت الحرب بالمزارع، وفاقمت الأوضاع السيئة بشكل لم يستطع أحد من المزارعين استيعابه ومواجهته. يضيف قاسم لـ"العربي الجديد"، أن الكثير من المزارع كانت تنتج الحبوب والخضر والفواكه، وتساهم بتلبية نسبة كبيرة من احتياجات الأسواق في عموم المحافظات اليمنية، إلا أنها تعرضت للتخريب والتدمير نتيجة المعارك التي دارت بين عامي 2017 و2018 وما رافقها من قصف وقذائف، ولم تسلم كذلك من السيول وتبعات أزمات الوقود أخيراً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى