ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟

ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟
ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟

لولا خروج الأتراك الأسطوري إلى الشوارع، والتضحيات الكبيرة التي قدموها ومنها 250 شهيداً وآلاف الجرحى والمصابين لنجح الانقلابيون في هدفهم، ولسيطر هؤلاء على الحكم لسنوات طويلة كما حدث في سنوات ما قبل حكم العدالة والتنمية، أي فترة ما قبل العام 2002، ولدخلت البلاد أتون الحكومات الانتقالية الفاشلة والفاسدة التي كان بعضها لا يصمد سوى أسابيع في الحكم.

وبالتالي فإن طرح السؤال: ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟ يظل منطقياً في ظل النجاحات الكبيرة التي حققها الانقلابيون في الساعات الأولى لانقلابهم المشؤوم. وأكبر دليل على ذلك أن صحفاً عربية كبرى خرجت في اليوم التالي للانقلاب بعناوين ومانشيتات تعلن نجاح الانقلاب العسكري في تركيا.

وبعد ساعات قليلة من محاولة الانقلاب الفاشلة راحت فضائيات وقنوات تلفزيونية كبرى تزف بشرى لمشاهديها بنجاح العسكر في إزاحة أردوغان وحزبه وحكومته من سدة الحكم. بل وتؤكد بثقة تحسد عليها أنه جارٍ قتل الرئيس التركي أو على الأقل إلقاء القبض عليه ومحاكمته. بل إن وكالات أنباء عالمية كبرى أعلنت أن رجب طيب أردوغان طلب اللجوء السياسي لدولة أوروبية وأن طائرته في طريقها لإحدى تلك الدول.

نعود للسؤال السابق ونحاول أن نضع سيناريوهات لحال تركيا الاقتصادي في حال نجاح الانقلاب العسكري وعودة الجيش التركي لحكم البلاد، وحال أي دولة أخرى قد تشهد انقلابات عسكرية في المستقبل.

أول السيناريوهات المتوقعة حال نجاح الانقلاب هو سيطرة الجيش على الحياة الاقتصادية التركية، وهذا أمر في قمة الخطورة لما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة منها إزاحة القطاعين العام والخاص من المشهد الاقتصادي أو على الأقل إضعافهما.
وما ينتج عن ذلك من زيادة في معدلات البطالة وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك والتأمينات وغيرها. إذ إن المشروعات التي ينفذها الجيش التركي لن تسدد ضرائب ورسوما للدولة ولن تستعين بأيد عاملة من خارج المؤسسة العسكرية. الأمر الثاني المتوقع في حال نجاح الانقلاب يتمثل في حدوث انفلات سريع في سعر الدولار وانهيار في قيمة العملة التركية التي شهدت تحسنا ملحوظا خلال السنوات الـ 15 الماضية. وبعد أن كان سعر الدولار يدور حول 3.6 ليرات يمكن أن تعود أيام كانت قيمة الدولار بعدة الاف من الليرات التركية، وبالتالي تعود الأصفار مرة أخرى للعملة التركية.

وبالطبع، فإن تهاوي الليرة كان سيترتب عليه أمور خطيرة للمواطن والاقتصاد أبرزها حدوث قفزات في الأسعار ومعدلات قياسية للتضخم وتآكل عملته الوطنية. وكذا، تعرضه لخسائر مادية متلاحقة ولعجز ضخم في الموازنة العامة، خصوصاً أن الحكومة الجديدة كانت ستلجأ لسلاح زيادة سعر الفائدة لاحتواء التضخم والحفاظ على ما تبقى من قيمة الليرة. كما كانت الحكومة ستلجأ لسلاح فرض مزيد من الضرائب والرسوم لعلاج عجز الموازنة العامة.

ومع قفز العسكر إلى الحكم في تركيا ونجاح محاولة الانقلاب، فإن ذلك كان سيفتح الباب على مصراعيه لحدوث حالة من التوتر السياسي الشديد والغموض، وهو ما يؤثر على قطاعات حساسة مثل السياحة والخدمات المالية والبنوك والبورصة وغيرها. كما أن زيادة المخاطر بالبلاد كان من الممكن أن تهدد الاستثمارات الأجنبية سواء الساخنة المستثمرة في البورصة وأدوات الدين أو المباشرة الموجهة للمشروعات والقطاعات الاقتصادية المختلفة خاصة قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والبناء والتشييد والعقارات. بل وربما تعرقل مشروعات قومية منها مشروع السيل الذي سيتم من خلاله نقل الغاز الروسي لأوروبا عبر تركيا.

ومع حدوث قلاقل سياسية واجتماعية واقتصادية، فإن تراجع معدل النمو الاقتصادي في البلاد سيكون أمرا ليس فقط محتملاً بل وقوياً، فمعدل نمو 6% التي حققها الاقتصاد التركي على مدى 15 عاما مضت ستصبح مجرد ذكرى تلح على أذهان الأتراك كلما لسعتهم نار الأسعار والتضخم.

كما أن اختفاء القطاع الخاص أو ضعفه وتراجع الاستثمارات المحلية والخارجية سيفقد معدل النمو الحالي زخمه، ومع تراجع معدل النمو الاقتصادي تزيد معدلات الفقر والبطالة والفساد، ويصبح حصول المواطن على 12 ألف دولار دخلا سنويا كما هو الحال الآن نوعا من الخيال والتمني.

ومع قدوم العسكر للحكم فإن حالة من التوتر قد تنشأ بين تركيا والعالم الخارجي، وهو ما يعني تراجع الصادرات التركية البالغة قيمتها نحو 150 مليار دولار سنويا، لأن العسكريين الأتراك لن يضعوا قضية تنشيط الصادرات ضمن أولوياتهم، وربما يحدث تجميد للمشروعات والاستثمارات التركية في الخارج أو على الأقل إهمالها. ومع حكم العسكر ستنشأ مشاكل اقتصادية عدة منها تفاقم الدين الخارجي والمحلي لتركيا، وتحول البلاد إلى مقترض من صندوق النقد الدولي وليس مقرضا له كما يحدث حاليا. ومع اللجوء للاقتراض الخارجي فإن المؤسسات المالية الدولية ستفرض رأيها وأجندتها على الحكام الجدد في تركيا.

ومن هنا ستخضع البلاد لشروط هذه المؤسسات المذلة ومنها زيادة الأسعار، وتثبيت الأجور، وخفض الدعم المقدم للخدمات، والاقتراض لسداد القروض المستحقة، والحصول على قروض خارجية بأسعار فائدة فلكية.

كما انه في ظل حكم العسكر لتركيا من المتوقع أن تزداد حالة الاحتقان المجتمعي؛ فمع قفز العسكر إلى السلطة، فإن زيادات ستحدث في رواتب وأجور العسكريين، كما سيحصد داعمو النظام الجديد مثل القضاة وغيرهم على مزايا مالية ضخمة لن يحصل عليها ملايين الأتراك الآخرين.

والجديد هنا أنه سيتم استثناء أجهزة مثل الشرطة والإعلام والأجهزة السيادية من هذه المزايا المالية لوقوفها مع الشعب ضد محاولة الانقلاب الفاشلة ودعمها للتجربة الديمقراطية والحكم المدني.

ببساطة في ظل حكم العسكر، سينسى الأتراك حلم 2023، ومضاعفة متوسط دخل الفرد إلى 25 ألف دولار خلال فترة 6 سنوات، ولن يسمع الأتراك كلمات من عينة "نحن الدولة الأسرع نموا في العالم".

وسيكون على الأتراك نسيان خطة تحول بلادهم لواحدة من أسرع الدول نموا في الاقتصاد العالمي، لن يقرأوا مرة أخرى أخبارا من عينة أن اقتصاد تركيا حقق ثالث أكبر نمو بين اقتصادات العالم، في الثلث الأول من العام 2017.

كما لن يسمع الأتراك وعودا بل وتأكيدات أنه خلال سنوات قليلة ستنضم بلادهم إلى قائمة اقوى 5 اقتصادات حول العالم، لأن تنمية الاقتصاد وزيادة موارده خاصة من النقد الأجنبي ليس من أولويات العسكر والذي لا يهمه كثيرا ما إذا كان المواطن فقيرا أم غنيا، تعيسا أم سعيدا، ما يهمه هو تدفق الأموال على خزينة المؤسسة العسكرية.

ويبدو أن الأتراك استشعروا هذا السيناريو الأسود، ولذا قاوموا الانقلاب العسكري بكل ما أوتوا من قوة حتى لا تتحول حياتهم ومستقبل أولادهم لظلام دامس لا نهاية له إلا بانتهاء حكم العسكر في تركيا. ​

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الأردن يرفع أسعار المحروقات

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة