بيل غيتس: لا أزرع رقائق في الأجسام ولم أخترع “كورونا”

بيل غيتس: لا أزرع رقائق في الأجسام ولم أخترع “كورونا”
بيل غيتس: لا أزرع رقائق في الأجسام ولم أخترع “كورونا”

استثمر بيل غيتس مبالغ طائلة في الأبحاث المرتبطة بلقاح فيروس كورونا لكنه أصبح جزءاً من نظريات المؤامرة الشائعة اليوم. يناقش في هذه المقابلة التقدم الحاصل في هذا المجال والأخطاء التي ارتكبتها في تعاملها مع الوباء المستجد.

قضى فيروس كورونا حتى الآن على حياة نصف مليون شخص تقريباً. هل فاجأك هذا الوباء؟

بعض جوانب الوباء مفاجئ جداً. يتكلم عدد من خبراء الصحة العالميين منذ عقود عن احتمال أن يتعرّض العالم للخطر بسبب وباء تنفسي مُعدٍ بين البشر. لكنهم كانوا يتكلمون في ما بينهم. لم يتوقع أحد أن يظهر الخطر على شكل فيروس كورونا. قد نقول إننا واجهنا متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، ومن الواضح أن هذه الفئة من فيروسات كورونا عابرة للأجناس. لكننا احتجنا إلى وقت طويل كي نفهم أعراض هذا المرض. في العام 2015، مع نهاية وباء إيبولا في غرب أفريقيا، قلتُ إننا غير مستعدين لمواجهة الوباء المقبل. لكنّ الجهود الحاصلة بين العام 2015 وتفشي الوباء المستجد في أواخر العام 2019 كانت ضئيلة جداً.

ألم تكن “مؤسسـة غيتس” قادرة علــى بذل جهود إضافية؟

الحكومات والدول مسؤولة عن تحضير العالم للحروب والكوارث الطبيعية والتغير المناخي والأوبئة، لكننا لسنا مستعدين لذلك. قد تساهم المؤسسات في تمويل العلماء طبعاً، لكننا لسنا مُكلّفين بحل جميع المشاكل الصحية.

ما هي أكثر الأخطاء التي أزعجتك في خطط مكافحة الوباء؟

عدم إدراكنا لأهمية الأقنعة! احتجنا إلى فترة من الوقت قبل أن نفهم أن وضع القناع يخفف احتمال التقاط العدوى لدى غير المصابين.

هل تظن أن التقدم الذي يُمــهّد لتطوير علاج ضد فيروس “كوفيد – 19” حقيقي؟

كانت التجارب التي تختبر مقاربات متنوعة ضعيفة جداً. ما زلنا لا نفهم بلازما الدم. بطء التقدم صادم! في ما يخص دواء “ريمديسيفير” أيضاً، تبقى البيانات المفيدة ضئيلة جداً. كان تنظيم عمليات التشخيص رديئاً، لا سيما في الولايات المتحدة التي يعتبرها الكثيرون بارعة في هذا المجال.

قد تتوقف نتائج الانتخابات الرئاسية على مصادقة “إدارة الغذاء والدواء” على لقاح فيروس كورونا للحالات الطارئة قبل 3 تشرين الثاني. لكن تسود مخاوف جدّية حول فعالية اللقاح وأمانه في حال حصول المصادقة قبل انتهاء الاختبارات. هل تستحق هذه العملية المجازفة؟

لا أحد سينشر لقاحاً لم يُنْهِ المرحلة الثالثة من التجارب. كان اعتبار هذا الاحتمال وارداً من جانب الإدارة الأميركية، بما في ذلك رئيس “إدارة الغذاء والدواء”، موقفاً غير مسؤول. اليوم، توضح الشركات أنها لن تطلب الإذن لاستعمال أي لقاح في الحالات الطارئة من دون الحصول أولاً على بيانات كاملة عن المرحلة الثالثة من التجارب.

متى سيصـدر اللقاح المنتظر برأيك؟

ثمة احتمال ضئيل جداً في أن تحصل شركتا “فايزر” و”مودرنا” على بيانات كافية في نهاية تشرين الأول المقبل. من أصل ست تجارب (“أسترا زينيكا”، و”جونسون أند جونسون”، و”نوفا فاكس”، و”سانوفي”، فضلاً عن لقاحين للحمض النووي الريبي، و”فايزر”، و”مودرنا”)، أتوقع أن تحصل ثلاثة أو أربعة ابتكارات على تراخيص الاستخدام في الحالات الطارئة في بداية العام 2021. ومع تقدم العام 2021، أظن بنسبة 90% أننا سنحصل على بعض اللقاحات. أشك في أن يؤثر هذا الموضوع على نتائج الانتخابات. يُفترض ألا يؤثر عليها أصلاً، فقد تبيّن أن السياسيين لا ينتجون اللقاحات!

أنت تقدّم التمويل أيضاً لشركات “مودرنا” و”كيور فاك” و”بيو إن تيك” و”إينوفيو”، وتحاول هذه الجهات كلها إنتاج لقاحات الحمض النووي أو الحمض النووي الريبي لاستهداف فيروس كورونا.

هذا صحيح. لكن من المستبعد أن تكون هذه اللقاحات من النوع الذي نستعمله على نطاق واسع في البلدان النامية بسبب الكلفة وقابلية التوسّع. أتمنى أن تكون مفيدة طبعاً، لكنها لن تصبح حلاً حاسماً للمشكلة على الأرجح. إذا نظرنا إلى المجالات التي نصرف فيها أموالنا خلال هذا الوباء، سنلاحظ أنها تصبّ بشكلٍ أساسي في شركات “أسترا زينيكا” و”جونسون أند جونسون” و”نوفا فاكس” و”سانوفي”. تستطيع هذه الشركات أن تُصنّع مليارات الجرعات. لكن تعمل شركتا “جونسون أند جونسون” و”أسترا زينيكا” على تصنيع لقاحات ناقلات الفيروس الغدائي مع أن المادة الوراثية الخاصة بفيروس كورونا تدخل إلى الجسم بمساعدة فيروسات الزكام الضعيفة. لا نملك الخبرة نفسها مع هذه اللقاحات مقارنةً بالأنواع المثبتة، كتلك التي تستهدف الحصبة والكزاز. حتى أننا نستطيع اعتبارها تجريبية ولا تخلو من المخاطر.

ما معنى اللقاح التجريبي؟نحن نراجع جميع الطرق المحتملة. لا يمكن استعمال جميع اللقاحات المتاحة حتى الآن لاستهداف فيروس كورونا. تكثر التحديات المطروحة في مختلف المقاربات المستعملة. يكون أي لقاح جديد صعب التنفيذ. ما من مقاربة تقليدية في هذا المجال. لذا يجب أن نتخلى عن كلمة “تقليدي”. لا شيء تقليدياً في هذا الوضع. كل ما نفعله غير مألوف. لم يسبق أن صمّمت شركة لقاحاً معيناً بينما تتولى شركة أخرى تصنيعه. المنظمون يشعرون بقلق شديد ولا أظن أنهم يتجاهلون أي تقنية ممكنة.

هل ستتلقى اللقاح المضاد لفيروس “كوفيد – 19″؟

لن أستغل موقعي لتلقي اللقاح إذا كانت كمياته محدودة. لكن إذا كنت مؤهلاً لأخذه وفق المعايير العادية، سأتلقاه حتماً. سأراجع البيانات المرتبطة باستخدامه في الحالات الطارئة وأقيّم مدى ذكاء هذه الخطوة. لكني لن أسبق الآخرين لتلقيه. يحتاج الكثيرون إلى أخذه اليوم أكثر مني بكثير، لا سيما العاملون في القطاع الصحي أو دور رعاية المسنين أو السجون أو المقيمون في أُسَر متعددة الأجيال.

قد يأتي دورك في مرحلة أبكر مما تظن، إذ يرفض أميركي واحد من كل ثلاثة تلقي اللقاح ضد “كوفيد – 19” بشكلٍ قاطع.

أتمنى أن ننجح في خلق مناعة جماعية بالغة القوة لدى 60 أو 70% من الجماعات السكانية. وأتمنى أن تتمكن الحكومات من إقناع عدد كافٍ من المواطنين بتلقي اللقاح من دون فرض تدابير قسرية لأن هذه المقاربة تطلق ردة فعل عنيفة ضد اللقاح.

أنتَ شخصياً أصبحتَ هدفاً لعدد من نظريات المؤامرة. يُقال مثلاً إنك تنوي استعمال لقاح فيروس كورونا لزرع رقائق دقيقة في أجسام الناس. كيف تتعامل مع هذه الادعاءات؟

أنا لن أرزع أي رقائق في أجسام الناس. أنا لم أخترع فيروس كورونا. تهدف مؤسستي إلى إنقاذ حياة الناس. في مجال اللقاحات في البلدان النامية، يُعتبر سجلنا في آخر عشرين سنة من الأفضل على مر تاريخ البشر. اليوم، حصلت انتكاسة هائلة بسبب الوباء المستجد لكننا نتمنى أن نعود إلى وضعنا السابق خلال سنتين ونتابع ذلك المسار الثابت.

بعد كل ما حصل، هل تشكك بالمسائل التي ركّزت عليها مؤسستك في السنوات القليلة الماضية؟ هل كنت تستطيع الاستعداد لهذا الوضع بشكلٍ أفضل؟

إلى جانب الحكومة الأميركية، تُعتبر مؤسستنا أكبر جهة مُستثمِرة في مجال اللقاحات. لقد صرفنا عشرات مليارات الدولارات في هذا القطاع. قدمنا المساعدة في مشاريع “كيور فاك” و”مودرنا” و”إينوفيو”، ونتواصل أيضاً مع شركة “بيو إن تيك”. لكن للأسف، لم تصبح تلك اللقاحات جاهزة بما يكفي. لو ظهر هذا الوباء بعد عشر سنوات من اليوم، كانت قدرتنا على تصنيع لقاحات الحمض النووي الريبي بكلفة متدنية جداً ونشرها على نطاق واسع لتجعل منها الحل المثالي.

تقدم “مؤسسة غيتس” أيضاً الدعم لشركات إعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك صحيفة “شبيغل”، وقد صرفت حوالى 2.3 مليون يورو خلال ثلاث سنوات. من الواضح أن هذه المشاريع تهدف إلى جذب اهتمام وسائل الإعلام إلى موضوع الصحة العالمية، لكنها تثير الشكوك أيضاً حول وجود أجندة خفية للتأثير على الأخبار.

إذا كانت هذه الأجندة تسمح للمؤسسات الإعلامية المرموقة بإرسال أعداد إضافية من المراسلين إلى أفريقيا لمعرفة خلفية وفيات الأطفال هناك واكتشاف ما يجب فعله لمعالجة الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المدارية المنسيّة، لن نتردد إذاً في الاعتراف بوجود أجندة معينة. بسبب نماذج العمل الراهنة في عدد من تلك المؤسسات المرموقة، من الأصعب عليها اليوم أن تتحمل نفقات إعداد التقارير المكلفة نسبياً حول ما يحصل في تلك الدول النامية، علماً أن هذه المسألة لا تجذب اهتمام الناس عموماً. لقد اخترنا المنظمات التي تتمتع بسمعة حسنة وباستقامة معروفة. هم يختارون ما يريدون كتابته في تلك المقالات. إذا ظنوا مثلاً أن “مؤسسة غيتس” لا تبلي حسناً في ملف الملاريا، من حقهم أن يكتبوا ذلك. قد يظنون أننا مخطئون أو لا يعتبرون الملاريا مسألة مهمة. في مطلق الأحوال، يجب أن تُكتَب تلك المقالات.

 

ما الذي سيحصل في الخريف والشتاء بحسب رأيك؟ وكم سيبلغ عدد الوفيات التي يسببها فيروس “كوفيد – 19″، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في العالم قبل أن ينتهي هذا الوباء أخيراً؟

الجواب المحتمل والمأسوي هو أننا سنضطر لتحمّل ملايين الوفيات بعد. يتابع “كوفيد-19” انتشاره وهو لا يقتصر على الدول الغنية مثل الولايات المتحدة فحسب، بل يستهدف البلدان الأكثر فقراً أيضاً. لكن لن تكون معظم الوفيات جزءاً من الحصيلة الرسمية لأن تداعيات هذا الوباء مريعة وواسعة النطاق ويبقى تفشيه في البلدان الفقيرة الأسوأ بينها. بما أن “كوفيد-19” أدى إلى إبطاء عجلة الاقتصاد العالمي، غرق 37 مليون شخص في حالة من الفقر المدقع وقد ارتفعت نسبة الفقراء بنسبة 7% بعد 10 سنوات من التراجع المتواصل. وبما أن الناس أصبحوا أكثر فقراً، لا مفر من أن يتفشى الجوع بينهم أيضاً: قد تؤدي التداعيات الاقتصادية واضطرابات سلاسل الإمدادات المرتبطة بفيروس “كوفيد-19” إلى توسّع ظاهرة انعدام الأمن الغذائي بين الناس في العام 2020، وقد يصل عدد المتضررين إلى 265 مليون شخص. إذا بدأت وفيات الأطفال ترتفع مجدداً، سيتعلق السبب على الأرجح بتفشي ظاهرة سوء التغذية. تبقى أي تقديرات حول أثر الوضع على الحياة أو الاقتصاد مجرّد تخمينات. سيتوقف مسار العالم نحو الأفضل أو الأسوأ على قرارات قادتنا في المراحل المقبلة.

فيرونيكا هاكنبروش

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى