كيفَ اكتشفت بريطانيا السلالة الجديدة من كورونا؟

كيفَ اكتشفت بريطانيا السلالة الجديدة من كورونا؟
كيفَ اكتشفت بريطانيا السلالة الجديدة من كورونا؟


يمكن لوم على أشياء كثيرة في تعاملها مع فيروس كورونا، ولكن فيما يتعلق باكتشاف السلالة الجديدة من فيروس كورونا فعلى على العالم أن يشكرها.

قد يكون ظهور السلالة الجديدة بفيروس كورونا سببه فشل الحكومة البريطانية في محاصرة الجائحة مما سمح للفيروس بالتحور.

ولكن اكتشاف السلالة الجديدة من فيروس كورونا من قبل العلماء البريطانيين، في الأغلب قد تم بشكل مبكر، ولو نشأت السلالة الجديدة في دولة أخرى لكان اكتشافها قد استغرق وقتأً أطول.


تظهر تفاصيل قصة اكتشاف السلالة الجديدة من فيروس كورونا، جهداً استثنائياً من علماء بريطانيا.

لعدة أشهر، كان الدكتور ستيفن كيمب، خبير الأمراض المعدية، يفحص مكتبة عالمية لجينومات فيروس كورونا. كان يدرس كيف يتحوَّر الفيروس في رئتيّ مريضٍ يكافح من أجل التخلُّص من عدوى محتدمة في مستشفى كامبريدج، وأراد أن يعرف ما إذا كانت هذه التغييرات ستظهر في أشخاصٍ آخرين.

ثم في أواخر تشرين الثاني الماضي، أجرى الدكتور كيمب مطابقةً مذهلة، ووجَدَ أن بعض الطفرات نفسها التي اكتُشِفَت في المريض، إلى جانب التغييرات الأخرى، ظهرت مراراً في الأشخاص المصابين حديثاً، ومعظمهم في بريطانيا.

والأسوأ من ذلك أن التغييرات في السلالة الجديدة من فيروس كورونا تركَّزَت في البروتين الشائك الذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلايا البشرية، مِمَّا يشير إلى أن الفيروس الذي يعيث فساداً حول العالم كان يتطوَّر بطريقةٍ يمكن أن تجعله أكثر عدوى، حسبما ورد في تقرير لصحيفة New York Times الأمريكية.

كَتَبَ كيمب للدكتور رافيندرا جوبتا، عالم الفيروسات في كامبريدج، في 2 كانون الأول: "هناك عددٌ كبيرٌ من الطفرات التي تحدث معاً، وكل هذه التسلسلات بها طفرات في البروتين الشائك".

اكتشف الباحثان تحوراً جديداً شديد العدوى لفيروس كورونا المُستجَد انتشر منذ ذلك الحين في جميع أنحاء بريطانيا، وزعزع فهم العلماء للفيروس، وهدَّدَ بإعاقة التعافي العالمي من الجائحة.

انتشر الخبر عبر مجموعةٍ من علماء الأمراض البريطانيين، الذين لطالما كانوا رائدين في علم الجينوم وساعدوا في تتبُّع وباء إيبولا وزيكا. تجمَّعوا على منصة Slack وفي مكالمات الفيديو، وقارنوا الملاحظات، ومن بينها نصيحة علماءٍ في جنوب إفريقيا حول فيروس متحور جديدٍ آخر هناك. ومنذ ذلك الحين ظهرت فيروسات متحورات أخرى في البرازيل.

ولمدة عام تقريباً، لاحظ العلماء تغيُّراتٍ تدريجية فقط في فيروس كورونا المُستَجَد، وتوقَّعوا المزيد من هذه التغيُّرات. أجبرتهم المتغيِّرات الجديدة على تغيير تفكيرهم، مِمَّا ينذر بمرحلةٍ جديدة في الجائحة يمكن أن يتطوَّر فيها الفيروس بما يكفي لتقويض فاعلية اللقاحات.

أعلن المُشرِّعون البريطانيون الخبر في 14 كانون الأول، مُحذِّرين من أن السلالة الجديدة تنتشر بشكلٍ أسرع من السابق.

لكن الطريق إلى اكتشاف السلالة الجديدة من فيروس كورونا لم يحظَ باهتمامٍ كبير في آذار، حين قرَّرَت بريطانيا البدء في رسم تسلسل عيِّنات فيروس كورونا المُستجَد بشكلٍ جماعي. تنتج بريطانيا نصف مخزون العالم من جينومات فيروسات كورونا، مِمَّا يوفِّر رؤيةً لا مثيل لها لكيفية تغيُّر الفيروس، وكيف أدخله الناس إلى بريطانيا العام الماضي، والعلماء الآن يعملون على فحص السلالة الجديدة.

وبالنسبة لبريطانيا جاء الاكتشاف متأخِّراً جداً كي يساهم حقاً في منع موجةٍ جديدةٍ من كوفيد-19 الذي وضع مستشفيات بريطانيا على شفا الاضطرار والعوز إلى الإمكانيات.

وكانت السلالة تنتشر بسرعةٍ بالفعل، أيضاً على خلفية تراخي قيود الحكومة البريطانية خلال الخريف وأوائل الشتاء.

لكن بريطانيا دقَّت ناقوس الخطر للعالم أجمع، إذ سمحت للدول بإغلاق حدودها والبدء بشكلٍ محموم في البحث عن سلالةٍ ربما لم يلاحظوها منذ أشهرٍ مضت. وسرعان ما نشر العلماء البريطانيون دراساتٍ أقنعت المُتشكِّكين.

وقال الخبراء أيضاً إن بريطانيا لديها بعض من أكثر جهود المراقبة الجينومية تطوُّراً في العالم، والتي سمحت للعلماء هناك باكتشاف الفيروس المتحوِّر في حين أنه قد يمر دون أن يلاحظه أحدٌ في مكانٍ آخر في العالم.

قال نيل فيرغسون، عالم الأوبئة والمستشار الحكومي: "لقد أخطأت المملكة المتحدة في الكثير من الأمور بشأن هذه الجائحة، خاصةً عدم تعلُّم الدروس حول أهمية الاستجابة المبكِّرة". وأضاف: "لكن المملكة المتحدة لديها نظام مراقبة لا مثيل له إلى حدٍّ ما لكوفيد-19. يمكننا مراقبة التغييرات الصغيرة جداً التي تطرأ على الفيروس".

وترسل المعامل في جميع أنحاء بريطانيا، بعد اختبار مسحات الفيروس، المواد المتبقية في شاحناتٍ مُبرَّدة إلى معهد ويلكوم سانجر، وهو مختبرٌ للجينوم، حيث تُخزَّن المواد في مجمِّداتٍ عميقة.

وهناك تفصل الروبوتات العيِّنة الموجبة وتوِدعها في أطباقٍ صغيرة. قال جيفري باريت، الذي يدير مشروع رسم تسلسل عيِّنات الفيروس، إن الآلات ترسم بعد ذلك جينومات الفيروس في العيِّنات، وتنتج 30 ألف رمز جيني ويتم تحميلها إلى مكتبةٍ على الإنترنت. وتقع مهمة فهم الطفرات على عاتق علماء الأحياء مثل أندرو رامباوت، الأستاذ في إدنبره، وهم الذين يحدِّدون مكان وجود هذه الطفرات في شجرة التطوُّر.

أنتج هذا الجهد 165 ألف تسلسلٍ في بريطانيا. وقامت ، التي يبلغ سكَّانها خمسة أضعاف سكَّان بريطانيا، برسم تسلسلٍ لحوالي 74 ألف جينوم. أما ألمانيا، فقامت بترتيب نحو 3400 تسلسل، وهو أقل من نصف ما حمَّلته بريطانيا على قاعدة البيانات العالمية يوم الخميس وحده.

وقال توماس كونور، الأستاذ المتخصِّص في تنوُّع العوامل المُمرِضة بجامعة كارديف، إن علماء الوراثة في إقليم ويلز، الذي يبلغ عدد سكَّانه ثلاثة ملايين نسمة، قد رتَّبوا عدداً أكبر من الجينومات لفيروس كورونا المُستجَد في الأسبوع الماضي أكثر مِمَّا فحصه العلماء طيلة فترة الجائحة في ، وهي دولة يبلغ تعدادها 67 مليون نسمة.

وقالت جوديث بروير، عالمة الفيروسات في كلية لندن الجامعية: "لقد أحدث ذلك ثورةً في طريقة تعاملنا مع الفيروس".

تبلورت الحملة في 4 آذار، قبل اكتشاف 100 إصابة بفيروس كورونا المُستجَد في بريطانيا، حين أرسل عالم الأحياء الدقيقة في جامعة كامبريدج، شارون بيكوك، سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني إلى علماء الجينوم البريطانيين، ليسأل كلاً منهم: "هل يمكنك الاتصال بي من فضلك؟".

وفي غضون أسبوعين، حصلت الجمعية المُشكَّلة حديثاً على 20 مليون جنيه إسترليني (27 مليون دولار) من التمويل الحكومي.

قال توماس كونور، العالم في ويلز الذي قام ببناء منصة لتجميع وتحليل الجينومات: "إنه مجتمعٌ وَضَعَ جانباً أيَّ خصومات وأي غرور وأعلن على الفور أنه يمكنه الاضطلاع بدورٍ حاسمٍ في التعامل مع الجائحة".

ومن بين العيِّنات التي تم رسم تسلسلها في الصيف الماضي عيِّناتٌ لرجلٍ في السبعينيات من عمره مُصابٍ بسرطان الغدد الليمفاوية، أُدخِل في مستشفى كامبريدج للعلاج من كوفيد-19. بدأ الدكتور جوبتا، وهو طبيبٌ بدوامٍ جزئي، في علاج المريض، وأدَّت عقاقيره المضادة للسرطان إلى استنفاد استجابته المناعية. عُزِلَ المريض في غرفةٍ خاصة، وعانى من صعوبةٍ في التنفُّس. وحتى بعد عدة جولاتٍ من العلاج، بما في ذلك العلاج بالبلازما التي تتضمَّن أجساماً مضادة من مرضى متعافين، لم يختفِ الفيروس.

في المقابل تحوَّرَ الفيروس، وفتحت جهود التسلسل البريطانية نافذةً على تلك التغيُّرات، فعلى مدار الـ101 يوم في المستشفى، تم رسم تسلسل للجسيمات الفيروسية التي تمرُّ عبر رئتيّ الرجل 23 مرة، وهو ما يُعَدُّ كنزاً من القرائن التي يمكن دراستها.

تُوفِّيَ المريض في آب الماضي، دون أن يُصاب أيُّ شخصٍ آخر منه على ما يبدو. لكن الطفرات التي طرأت على فيروسه زوَّدَت العلماء بنظريةٍ رائدةٍ حول كيفية نشوء السلالة البريطانية، عن طريق التملُّص من الدفاعات المناعية لشخصٍ مثل مريض كامبريدج الذي كان يعاني من ضعفٍ في الجهاز المناعي ومرضٍ طويل الأمد.

قال الدكتور كيمب: "نحن نطلق على هذا المريض لقب المعيار الذهبي لتقييم المجموعات الفيروسية المختلفة في الجسم المضيف".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى