جاء في “الراي الكويتية”:
هل دشّنتْ إسرائيل بـ «الغارة – الاغتيال» لمعاون «مسؤول الملف الفلسطيني» في «حزب الله» حسن بدير في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت مرحلةً شبيهةً بالتي «أسّس» لها استهدافُ القيادي في حركة «حماس» صالح العاروري (كانون الثاني 2024) وصولاً إلى اندلاع «حرب لبنان الثالثة» في 23 أيلول الماضي؟ وهل تنزلق «بلاد الأرز» مرة ثانية إلى فوهة بركانٍ يُراد أن يكون انفجارُه الجديد مدخلاً لاستيلاد تسويةٍ مستدامة باتت «أَطُرُها الناظمة» مرسَّمة، تقنياً عبر مندرجات اتفاق وقف النار (27 تشرين الثاني) وجوهرُها سحب سلاح «حزب الله»، وسياسياً من خلال طرح واشنطن إطلاق مجموعات عمل دبلوماسية ثلاثية بين بيروت وتل أبيب لبتّ الملفات الخلافية ونزْع الذرائع من أمام حلّ قد يرسو على ما هو أقلّ من سلام وأكثر من هدنة 1949؟
هذان السؤالان طَبَعا المشهدَ في لبنان الذي اهتزّ فجر أمس مع الغارة على الضاحية الجنوبية (أدت إلى مصرع بدير و3 أشخاص آخَرين بينهم نجله وامرأة وشقيقها وجرح 7) والتي جاءتْ مدجَّجةً بأبعاد فوق عادية تجعلها «خارج السياق» الذي حَكَمَ كل الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف النار وتُعَزِّز الخشيةَ من أن تكون شرارةَ موجة عاتية آتية من اغتيالاتٍ جديدة للهيكل القيادي، السياسي والعسكري، لـ «حزب الله» في «استنساخٍ» لِما أعقب اغتيال العاروري، وتَبَلْوَرَ خصوصاً منذ يوليو الماضي بـ:
– الاستهداف المزدوج والمتوازي لـ فؤاد شكر واسماعيل هنية في الضاحية الجنوبية لبيروت وطهران (30 حزيران).
– وصولاً إلى «سبتمبر الأسوأ» على الحزب الذي خسر بالاغتيال وفي قلب الضاحية قيادة الصف الأول لقوة «الرضوان» وبعدها قادة بارزين في وحداتٍ ميدانية، إلى أن كانت الضربة الكبرى في 27 أيلول التي سقط فيها السيد حسن نصر الله وبعدها خليفته هاشم صفي الدين (3 تشرين الأول) وبينها مجزرتا «البيجر» واللاسلكي، قبل «الحملة الجوية» ثم البرية.
وأبرز هذه الأبعاد:
– أن اغتيال بدير، الذي انتشرتْ صورة له عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى جانب قائد «فيلق القدس» السابق قاسم سليماني، ومسؤول الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس، على متن طائرة، أتى من خارج معادلة «بيروت مقابل الجليل» التي وضعتْها ‘سرائيل و«طبّقتها» يوم الجمعة حين استهدفت للمرة الأولى منذ 27 تشرين الثاني الضاحية الجنوبية رداً على رشقة صاروخية كانت الثانية من جنوب لبنان ضد مستوطنات الشمال (بعد رشقة 22 آذار).
وجاءت الرواية الاسرائيلية عن «حيثيات» الاغتيال، لتؤكد أن تل أبيب قامت بـ«تفعيلِ»معادلة جديدة تحت سقف تفسيرها لـ«حرية الحركة» لإزالة أي «تهديد وشيك» أو في طور التشكّل والذي مارسته طوال الأشهر الأربعة الماضية، وطوّرتْه فجر أمس على قاعدة أنه بات مباحاً «في كل زمان ومكان» بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي وقت ذكرت القناة 14 «أن أجهزة الأمن تلقت معلومات أن المستهدَف كان يخطط لعملية ضد طائرة إسرائيلية في قبرص»، أعلن الجيش الاسرائيلي «أن طائرات حربية هاجمت بتوجيه من الشاباك وفي منطقة الضاحية الجنوبية المدعو حسن علي محمود بدير احد عناصر الوحدة 3900 في حزب الله وفيلق القدس»، زاعماً أن بدير «عمل خلال الفترة الأخيرة بتعاون مع حماس وقام بتوجيه عناصر في حماس وساعدهم على تنفيذ مخطط إرهابي خطير ضد مواطنين إسرائيليين على المدى الزمني الوشيك»، ولافتاً إلى أنه «هذه العملية الإرهابية كانت لتستهدف مدنيين إسرائيليين وتم استهداف بدير بشكل فوري بغية إزالة هذا التهديد».
وإذ أشار الجيش إلى «أن مثل هذه النشاطات التي يقوم بها حزب الله تشكل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان وتهديداً لدولة إسرائيل ومواطنيها»، أكد انه «سيواصل والشاباك والموساد العمل لاحباط أي تهديد لمواطني إسرائيل داخل إسرائيل وخارجها».
– أن كسْرَ خط أحمر جديد في التصعيد الإسرائيلي، واستعادة مناخاتٍ شبيهة بالتي سادت قبل انفجار الحرب الضارية وإن هذه المرة من جانب واحد باعتبار أن «حزب الله» يؤكد التزامه بوقف النار«حتى إشعار آخر»ويتبرأ من الصواريخ اللقيطة ويعلن الوقوف خلف الدولة«بصفة مراقب»لكيفية تفعيلها الخيار «الردع الدبلوماسي» بـ«عضلات» المجتمع الدولي ولجنة الرقابة على تنفيذ اتفاق 27 تشرين الثاني، يعكس أن الحزب بات أكثر وأكثر في وضع صعب وعالقٍ «بين نارين»:
تَجَرُّع سم الضربات المتوالية في الضاحية وعلى دفعات والتي ستكون بمثابة وضع «سكين في الجراح» التي تثخنه بحال لم يردّ وكرّر سيناريو ضبط النفس بعد اغتيال العاروري، والاندفاعة إلى ردّ لن يؤدي سوى إلى استدراج «التنين الهائج» الاسرائيلي ليكمل «مرة واحدة ونهائية»المهمة التي لم ينجزها بين سبتمبر ونوفمبر الماضييْن، وذلك تحت عنوانٍ صريح هو أن يتخلى «حزب الله» عن سلاحه جنوب الليطاني وشماله.
– أن «الدينامية» العسكرية العدوانية الجديدة من شأنها أن تزيد إرباكَ لبنان الرسمي الذي رفع «على الورق» عنوان حصر السلاح بيد الدولة واحتكار قرار الحرب والسلم، في الوقت الذي يتردّد في إطلاق أي ترجماتٍ، أقلّه عبر وضع جدول زمني لإنهاء وضعية سلاح الحزب خارج الشرعية، وسط ترسُّخ الاقتناع بأنه بات في مفاضلةٍ قاسية بين نزاعٍ داخلي يستجرّ ويلاتٍ «لا شفاء منها» بحال اختار سحب السلاح من خارج توافق – شبه مستحيل – مع الحزب، وبين أن يدفع ثمن حرب جديدة تشنّها إسرائيل تحت هذا العنوان.
ولم يكن عابراً في هذا الإطار إعلان وزارة الخارجية الأميركية أن «إسرائيل تدافع عن نفسها ضد هجمات صاروخية انطلقت من لبنان، وإن واشنطن تحمل الإرهابيين مسؤولية استئناف الأعمال القتالية».
وقال ناطق باسم الخارجية لـ «رويترز» عبر البريد الإلكتروني «استؤنفت الأعمال القتالية لأن الإرهابيين أطلقوا صواريخ على إسرائيل من لبنان»، مضيفاً أن«واشنطن تدعم ردا إسرائيليا».
وكانت واشنطن التي تستعدّ موفدتها مورغان اورتاغوس لزيارة لبنان في الأيام القليلة المقبلة، حمّلت لبنان وجيشه «مسؤولية» نزع سلاح الحزب مؤكدة دعمها لإسرائيل بعد قصفها للضاحية الجنوبية لبيروت (الجمعة).
وقالت الناطقة باسم الخارجية تامي بروس حينها «في إطار اتفاق وقف الأعمال الحربية، فإن الحكومة اللبنانية مسؤولة عن نزع سلاح حزب الله، ونتوقع من القوات المسلحة اللبنانية أن تنزع سلاح هؤلاء الإرهابيين بهدف الحؤول دون استمرار الأعمال الحربية».