سودانيون يصرخون: “بدنا نفلّ”!

سودانيون يصرخون: “بدنا نفلّ”!
سودانيون يصرخون: “بدنا نفلّ”!

كتبت نوال نصر في صحيفة “نداء الوطن”:

قرب أوتيل البريستول الأسطوري الشهير الذي لفظ، بعد زهو ثم نضال، الروح، وقبالة المبنى البيروتي الفخم رقم 459 في أجمل شوارع الحمراء، الذي تعلوه، في طبقته الأخيرة، سفارة السودان في ، إفترش سودانيون الرصيف. هؤلاء شكلوا حكاية أخرى من حكايات سجاد بائخ اللون سميك مفلوش على الرصيف، تحت عين الشمس، في عزّ تموز، تظلّله أشجار سنديان ترطب الجوّ قليلاً وتستخدم أغصانها “تعاليق” لأكياسٍ وقمصان وبعض ما تيسر من طعام كرماء مروا من هناك. وعيون بياضها يميل الى الأصفر وسحنات سود وشباب سودانيون يافعون ضائعون، يجلسون هنا، يتكئون هناك، ويغطون في النوم هنالك. إنهم يسكنون كل الرصيف المحاذي لفندق البريستول منذ أكثر من عشرين يوماً. السودانيون، مثلهم مثل الأثيوبيين والبنغلادشيين وكل الأفارقة وحتى مثل كثيرين من السوريين، وكثير كثير من اللبنانيين، باتوا يريدون أن يغادروا لبنان. نشعر بيأس هؤلاء السودانيين. لا أحد يضع كمامة ولا أحد يكترث لضرورات الإلتزام بالمسافات الآمنة ولا أحد يخشى، على ما يبدو،الموت. “فالموت أكثر رحمة” يعلق الشاب أحمد الذي غطى اللون الأصفر عينيه. نسأله إذا كان مريضاً فيجيب: لا آكل كثيراً! السودانيون يشفقون على بعضهم البعض، طالما هم من جب واحد، ويتقاسمون ما يتوافر من طعام “قسمة الحق”. يخبر أحدهم هذا قبل أن يعود ويتمهّل قائلاً: “كدنا ننسى هنا الحقّ”. نفهمه.

99 في المئة من السودانيين في لبنان دخلوا في شكلٍ غير شرعي الى لبنان. تهريب. “خلسة” كما يرددون. والدولة تعرفهم واحداً واحداً، تراهم وتغض الطرف، وكل ما تطالبهم به هو دفع “الغرامة” وتجديد الإقامات. وهي، لو شاءت، لتمكنت من زمان من تحديد من هربوا ومن أُدخلوا ومن ربحوا المبالغ الطائلة من تجارة تهريب البشر. لكن، لا تندهوا ما في حدا.

“الى متى تستمر معاناتنا نحن السودانيين العالقين في الشوارع؟ متى تتحرك ضمائر المسؤولين؟”. سؤالان كتبوهما على ورقة بيضاء وعلقوها على الجدار، جنب بوابة المبنى حيث السفارة السودانية. لكن قنصل بلادهم محمد المعتصم، على ذمتهم، لم يقرأ ولا يسمع ولا يرى ويكتفي بمتابعة الأعمال في السفارة التي سبق وأعلنت منذ حزيران الماضي عن “حصر” مواطنيها في لبنان وتصنيفهم. وهذا الحصر يشمل: المواطن الذي حضر الى لبنان للسياحة أو الزيارة، والطالب السوداني الذي تعطلت دراسته، ومن أتى ليتدرب وانتهت مدة تدريبه، والموظف والعامل الذي انتهى عقده، والداخل الى لبنان خلسة أو من “كسر إقامته”. و99 في المئة من السودانيين يدخلون في آخر خانة.

أحمد عشر، سوداني موجود أيضاً في لبنان بصورة غير شرعية يصرح أن “هناك 6000 سوداني تقريباً في لبنان، 2733 واحداً منهم ينوون المغادرة الآن. هؤلاء سجلوا أسماءهم وهناك من يريد أن يتسجل بعد لكن اللوائح أقفلت. إنهم يريدون أن يعودوا الى السودان”. يضيف: “سفارتنا كذبة كبيرة. إلتقينا القنصل ووعدنا خيراً. وعدٌ يكاد يناهز عمره الشهرين. طلبنا منه أن تتفاهم السفارة مع اللبناني من أجل تسوية أوراقنا ونغادر، لكنه كرر على مسامعنا مجرد كلمات من نوع “انشالله… سنعمل… سنحاول… سنتصل”. الأمن العام اللبناني يطلب من هؤلاء دفع غرامة التأخير 650 ألف ليرة والقنصل يقول لهم “إنتظروا”.

نجول بين السودانيين، بين ياسين وأحمد ومحمد وعادل وحمدان ومحمود وعلاء الدين… كلهم دخلوا “خلسة”، فهل لهم أن يخبرونا ما معنى أن يدخل السوداني خلسة الى لبنان؟ من سهّل دخولهم؟ هل واجهوا صعوبات؟ وهل هناك من يحاولون العودة خلسة كما دخلوا؟ وماذا عمن حاولوا الدخول الى ؟ يحجب هؤلاء السودانيون نظرهم، في محاولة منهم لعدم الحديث عن إشكال الدخول خلسة الى لبنان. إنهم يحكون عن كل شيء، ويتذمرون من كل شيء، ويتهمون الجميع لكن، حين يصل الموضوع الى هذه النقطة، يفكرون كثيراً قبل الكلام ويقول حمدان عيسى المعتصم في الحمراء منذ 17 يوماً: “وصلت الى لبنان قبل عام، بعدما دفعت ألف دولار الى المهربين، عبرت من الى الحدود اللبنانية في السيارة واستغرقت رحلتي ست ساعات. عملت هنا طوال ستة أشهر في “مطعم العافية” وتوقفت عن العمل نهائياً منذ ستة أشهر ولا أملك حتى دولاراً واحداً. بلدنا السودان ما في مصاري. ونحن أتينا من أجل الدولار ولم يعد في لبنان دولار. لبنان أصبح أسوأ من السودان”.

علاء الدين أحمد كان يعمل في أوتيل أوكسي ويتقاضى 450 دولاراً في الشهر. باعوا الأوتيل وأصبح بلا عمل. صديقه ياسين وصل الى لبنان قبل ثلاثة أعوام، تهريب عبر سوريا. وفي خلال تسعة أيام وجد عملا في التنظيفات في مطعم صيني في سن الفيل، وكان يعمل دوامين ويتقاضى 900 دولار في الشهر. أقفل المطعم وأكلوا عليه 600 دولار. وسعر “التيكيت” الى السودان يزيد عن مليون و450 ألف ليرة لبنانية وهو لا يملك المبلغ. “بدي سافر”. يختم السوداني ياسين.

السودانيون “يللي مش طايقين لبنان” أتوا الى لبنان في رحلة “غير شرعية” استغرقت خمس ساعات، إما في مركبة، دخلت عبر الحدود اللبنانية – السورية أو دخلوا مشياً عبر الجبل واستغرقت رحلتهم ثماني ساعات. ودفعوا الى المهربين بين 1000 و1500 دولار أميركي.

السودانيون يبرعون في التسلل الى لبنان، وهم من حاولوا أن يتسللوا قبل أسبوع عبر الحدود الجنوبية، من لبنان الى إسرائيل بحثاً عن “لقمة العيش”. شبكات التهريب موجودة دائماً على طول الحدود اللبنانية، في الجنوب وفي البقاع والشمال، وإذا كانوا قد واجهوا صعوبات في العبور الى المحتلة فإن الحدود مع سوريا كانت، وتبقى، سائبة. والأرباح، أرباح شبكات التهريب، يُصار الىتقاسمها بين مافيات البلدين… هذا ما يعرفه السودانيون أما التفاصيل فلا يبوحون بها ويقول أحمد عشر: “هذا تهريب. إسمه خلسة. ونحن، حين ندفع الى المهرب، لا نعرف كيف سننتقل وكيف سنصل وماذا ينتظرنا. كنا نأمل أن نرى “الفرج” في لبنان فوجدنا البؤس.

أحدهم شحن هاتفه للتوّ في مكان قريب ويستمع الى أغنية “أحب مكان وطني السودان، أعز مكان عندي السودان، لأنو حسانو أعف حسان”. هم يحبون السودان، كما يحب اللبنانيون لبنانهم. الأوطان حنين لكن هناك أوطاناً تدفع مواطنيها دفعاً ليغادروا الى أي مكان يعتقدونه أحلى”!

كل دولار يساوي 146 جنيهاً سودانياً. وكان العامل السوداني يضحي هنا ليؤسس هناك. أما اليوم فالعيش هناك أصبح أفضل من هنا. يعلق محمود الذي أتى قبل عام وثلاثة أشهر الى لبنان وعمل في قسم التنظيفات في شركة “صيانة”. وها هو منذ أشهر بلا عمل.

ننظر في وجوه هؤلاء المشلوحين على الطرقات ونتمهل قبل إصدار الحكم عليهم. هل نشفق على حالهم أم نشفق على حالنا؟ هؤلاء أتوا خلسة واليوم هم بلا كمامات وقد يتحول بعضهم، إذا ضاقت بهم الدنيا أكثر، الى مشاريع سارقين ومجرمين. ندخل الى مبنى السفارة السودانية للتحدث مع القنصل. نتصل به. نكرر المحاولة. عبثاً. السفارة مغلقة اليوم. عناصر قوى الأمن في أسفل المبنى. نسألهم عن حال السودانيين فيجيبنا أحدهم “حرام، لا أحد يرأف بهم”. ينظر إليه ثان ويرد بسخرية “حرام؟”، ويهز رأسه مستغرباً. هؤلاء، العناصر الأمنية، مثلنا أيضاً غير متفقين على وصف مثل هذه الحالات في لبنان، لكن الجميع متفقون أن الإهمال المتمادي في لبنان رتب مشاكل هائلة لكل من وثق، ذات حين، أن الغدّ في لبنان سيُصبح أفضل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى