احتفال وفاء للمطران بطرس شبلي في جامعة الحكمة في المئويّة الأولى لإستشهاده

احتفال وفاء للمطران بطرس شبلي في جامعة الحكمة في المئويّة الأولى لإستشهاده
احتفال وفاء للمطران بطرس شبلي في جامعة الحكمة في المئويّة الأولى لإستشهاده

رعى المطران بولس مطر رئيس أساقفة ، وفي إطار سنة الشهادة والشهداء في الكنيسة المارونية  والمئوية الأولى لاستشهاد المثلث الرحمة المطران بطرس شبلي، رئيس أساقفة بيروت سابقًا، إحتفال الوفاء الذي أقامته جامعة وشارك فيه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ممثلًا  براعي أبرشيّة جبيل المطران وشخصيّات سياسية وعسكريّة وآكاديميّة وإجتماعيّة ولفيف من الكهنة والرهبان والراهبات في قاعة احتفالات الجامعة في  فرن الشباك. وتحدّث في الندوة إلى راعيها المطران بولس مطر والداعي إليها الخوري خليل شلفون رئيس الجامعة،  الدكتور جوزف أبو نهرا، مؤرّخ وعميد سابق في الجامعة اللبنانية والدكتور هيام الملّاط، محام، رئيس إدارة مؤسسة المحفوظات الوطنية سابقاً والدكتور كريستيان الحلو، مؤرّخ، كاتب واستاذ جامعي، وأدارها  الدكتور أنطوان سعد، الأمين العام للجامعة.

بعد النشيد الوطني ونشيد الحكمة، ألقى الخوري خليل شلفون رئيس جامعة الحكمة، كلمة ترحيب بالحاضرين والمحاضرين، وقال عن صاحب الذكرى:

للمطران بطرس شبلي في ذمّة الكنيسة والأبرشية والوطن حقوق وديون مستحقّة الأداء.

ولأن جامعة الحكمة هي جامعة الكنيسة والأبرشية والوطن، تحمل في أهدافها خدمة الرسالة ونشر المبادئ السامية في سبيل الانسان ولبنان، فإنها ترى نفسها معنية بالمطران شبلي ومدينة له بما قدمه للكنيسة وللوطن وقد توّج مسيرة عطاءاته بعطاء الذات… و”أي عطاء أعظم من أن يبذل الانسان نفسه في سبيل الآخرين”.

إنّها شهادة أسقف، ممهورة بالدمّ والالم، نحتفي بذكراها المئوية، ونحن في سنة الشهادة والشهداء في الكنيسة المارونية، فنستذكر قامة كنسيّة وعلميّة ووطنيّة مرت مسرعة في الربع الأول من القرن العشرين، وتركت اثارًا روحية وكنسية وكتابات لاهوتية وتاريخية، وتوجيهات أبوية ورعوية لا تزال تصلح لزماننا الحاضر وللمقبل من الأيام.

في خطبة المطران بطرس شبلي يوم تسلّمه الأبرشية أي في 22 شباط 1908 في كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت قال “أتهلل بالرّوح لأني مستعدٌّ ان أضحي بكل نفسي على مذبح ايمانكم، وان نفسي ليست محسوبة عندي شيئا في سبيل خدمتكم وخلاصكم، وإذا اقتضى الامر ان يراق دمي لأجل نفوسكم ولأجل الدّين والطائفة فأجودُ به لآخر نقطة فَرحًا مسرورًا”  وهذا ما شاءت العناية الإلهية ان يحققه فعليًا بكل اعتزازٍ فنال اكليلَ الشهادة ووضعه مفتخرًا وعلى جبين ابرشيته والكنيسة وعلى جبين الذي أحبّ.

وفي ختام سنة الرحمة الالهيّة التي أعلنها قداسة البابا فرنسيس واختيار اليوم العالمي للفقراء في التاسع عشر من تشرين الثاني كمساهمة ملموسة في البشارة الجديدة ، نسترجع ما كتبه المطران شبلي من منفاه في 6 كانون الثاني 1917 حول الموضوع، وهي رسالة الى أبناء الأبرشية يحثهّم فيها على مساعدة الفقراء وقد بدأت المجاعة تضرب اوصال الوطن وتتوعّد أهله بأيام سوداء مقبلة: “… سرني جدًا ما أخبرتموني عن العزم الذي وطدتم النفوس عليه لإعالة خمسين ألف فقيرًا من لبنان. فحبّذا العمل وبورك من نهض به، ولتذهب الارزاق على ان نحفظ قومنا ونساعد المحتاجين في هذه الأيام التعيسة. وقد اتاني الخبر من بيروت بأنهم شرعوا بإحصاء الفقراء في الأبرشية وسأكتب لهم ما يلزم بشأنه”.

وكتب في رسالة أخرى: ” مثل هذه الأيام اوسعوا الفقراء بما يمكنكم. لا تتأخّروا عن المساعدات بقدر ما تصل اليه اليد. ولا حاجة الى حثّكم على ذلك، لأن الأيام تقضي بذلك وفاقة الكثيرين تجعل المساعدة واجبًا مقدّسًا” .

ومن منفاه في أدناه كتب معايدًا غبطة البطريرك الحويّك في عيد مار مارون عام 1917 قُبيل وفاته وأكّد ان “القلب لا يُسجن، والفكر لا يوثق. وعلى أجنحة الايمان والشوق تطير النفس الى حيث الذين تحبّهم وتكرّمهم”  .

هذه النفس الأبيّة ايقظت في كنيستنا ولدى أبناء وطننا روح الحريّة، المؤسسة على معرفة الحقّ والعمل لبلوغها مهما كانت التضحيات… والله هو الحقيقة لمطلقة، وهو من دعانا الى معرفة الحقّ… والحقّ يحرّرنا.

لروح المثلث الرحمة المطران بطرس شبلي تحيّة عالمنا والتاريخ… وله الذكر المؤبّد، وللأبرشية وراعيها صاحب السيادة، من يرعى هذا الاحتفال، ولبلدته دفون وكل آله ومحبّيه كل الاحترام والتقدير، ولكم جميعًا محاضرين وحاضرين كل الإمتنان على المشاركة في إحياء ذكرى كبير من أحبارنا، كان أمينًا على القليل وهو على الكثير أمين، نذكره هنا ويذكرنا هو في جوار الرّب.

وسلمتم وعلى روحه الطّاهرة السّلام.

وقال راعي الإحتفال المطران بولس مطر، بعد شكره للبطريرك الراعي إيفاده المطران ميشال عون لتمثيله في هذه الذكرى الوفاء للمثلث الرحمة المطران بطرس شبلي:

في العام 1907 وقفَ أَحدُ أَقطابِ المدينةِ في بَيروتَ يُودِّعُ رَاعِيهَا الرَّاحِلَ المطران يوسف الدِّبس، مُؤسِّسَ الحكمة مدرسةً ونواةَ جامعةٍ، مَن كتبَ بعضًا من صفحاتِ تاريخِ المشرقِ وَصنَعَ بَعضَهَا، والَّذي رَمَى في أَرضِ لُبنانَ بِذَارَ وحدتِهِ الحديثةِ وَهَيَّأَ لارتقائِهِ إلى دَولةٍ مَوصُوفةٍ بالمسؤوليَّةِ المُشتركةِ فيها بينَ المسيحيِّينَ والمُسلمينَ، فقال ذلك المُوَدِّعُ: «لقد تركَ لكم فراغًا فاملأوهُ أيُّها السَّادة».

            وقد مَلأَ هذا الفراغَ بنعمةِ اللهِ مطرانٌ جديدٌ اختارَهُ مَجمعُ كنيستِهِ وهو في السابعة والثلاثين من العمر، لِرعايةِ أَبرشيَّةِ بَيروتَ في زَمنٍ كانَ مِن أَصعَبِ الأَزمنةِ، لأنَّهُ كانَ زَمنَ مَخاضٍ لِعالَمٍ جديدٍ وَلِقيامِ دُوَلٍ جديدةٍ، على إِثرِ حربٍ كَونيَّةٍ أَكلَت في بِلادِنَا الأَخضرَ وَاليابسَ، وكانَ لها أَن تُودِي بهذا الأسقفِ إلى المَنفَى عى يَدِ العُثمانيِّين لِيُصبحَ مع شُهداءِ لُبنانَ في تلك الحَقَبةِ أَوَّلَ أسقفٍ شَهيدٍ لاستقلالِ وَطنِهِ وَلِحرِّيَّةِ شَعبِهِ وَلِسِّيادةٍ ضَامِنَةٍ لهذه الحرِّيَّةِ ومُتَوِّجةٍ لِنِضالِهَا على كلِّ صَعيدٍ. هذا الرَّاعي الجديدُ هُو المطرانُ بطرس شبلي الآتِي إلى بَيروتَ مِن بَلدةِ دفُون العزيزةِ في  قضاءِ عَالَيه والمُطِلُّ على لُبنانَ من الكبرى في بِدَاياتِ القرنِ العشرينِ حَبرًا لامعًا ومثقَّفًا كبيرًا لم تَدُمْ حَبرِيَّتُهُ أكثرَ مِن عشرِ سنواتٍ، إذْ وَضعَ المُحتَلُّونَ حَدًّا مَأسَاويًّا لها نَفيًا وَتشريدًا وَقَهرًا.

            لقد تَحضَّرَ هذا المطرانُ على يَدِ العنايةِ الإلهيَّةِ الَّتي قَادَتهُ صبيًّا إلى فرنسا، حَيثُ سُجِّلَ في عَاصمتِهَا طالِبًا في المدرسةِ الإكليريكيَّةِ أَوَّلاً وَمِن ثمَّ مُتَخصِّصًا في الفلسفةِ وَاللاَّهوتِ، وكأنَّ المَطلوبَ منهُ ولهُ كان أَن يَحملَ معهُ إلى مَدينةٍ ستُصبِحُ يَومًا مَحَطَّ رِعَايتِهِ ما يُسهِمُ في تَعِميقِ ثَقَافتِهَا لأنَّها هي أَيضًا كانَت تُعِدُّ  لِتُصبحَ عَاصمةَ لُبنانَ وَمَركزَ الإشعاعِ فيهِ ومنهُ إلى أَنحاءِ المشرقِ بِرُمَّتهِ. أَمَّا الآباءُ الَّذينَ علَّمُوهُ في مدينةِ النُّورِ وَنَشَّأوهُ كاهنًا لِلرَّبِّ فلقد كانوا أَهلَ فَضِيلةٍ تزيَّنَت بها معرفتُهُم فَأَكسبُوهُ منها ما أَقامَهُ مِثالاً أَمامَ الكهنةِ في أَبرشيَّتِهِ وفي لُبنانَ بالغِيرَةِ الرَّسوليَّةِ الصَّافيةِ وَخادِمًا أَمينًا لِمَذبحِ الرَّبِّ وَلِلشَّعبِ الَّذي أُوكِلَت إليهِ قِيَادتُهُ رُوحيًّا ووطنيًّا، ضمنَ المسؤُوليَّةِ المُلقاةِ على عَاتِقِ كنيسةِ المسيحِ، وهي ضَمِيرُ الدُّنيَا وَخَمِيرةُ العالَمِ بِأَسرِهِ.

            نَحنُ نَفخَرُ أَنَّ هذا المطرانَ قد حُفِرَ اسمُهُ إكليريكيًّا وكاهنًا على لَوحاتِ مَدرستِهِ وجَامعتِهِ في باريس كَوَاحدٍ من أَلمَعِ التَّلامذةِ الَّذينَ مَرُّوا في تلكَ المُؤسَّساتِ أَدبًا وَخطابةً وَفِكرًا. ولا غروَ بعدَ ذلكَ في أَن يُصبحَ المطرانُ شبلي ذلكَ الحَبرَ الكبيرَ الَّذي كَمَّلَ تُراثَ سَلَفِهِ دِينًا ودُنيَا، عَبرَ صَرحِ الحكمة الَّذي أَولاهُ رعايةً خاصَّةً ومُتميِّزةً وَأَدخَلَ إليهِ البرامجَ التَّعليميَّةَ الَّتي تَعرَّفَ إليها في فرنسا لِيُثبِّتَ رِسالتَهَا مَدرسةً لِقَادَةِ الرَّأيِ وَالفكرِ وَالمَسؤوليَّةِ الوَطنيَّةِ في لُبنانَ ومِن أَجلِ لُبنانَ. فالثَّقافةُ الغربيَّةُ ذات الطَّابعِ العالَميِّ، والمُنفَتحةُ على حُقُوقِ الإنسانِ وَكرَامَاتِ الشُّعُوبِ تَوَاجدَت في حكمتِهِ وَتَحاوَرَت مع الثَّقافةِ العربيَّةِ الَّتي تَمَاهَت معها أسَاسًا وَبِتَوجيهٍ أسقفيٍّ خاصٍّ، ما أَعطَى الصَّرحَ وَهجًا جَعلَهُ مَركزَ استقطابٍ لِلتَّربيةِ المُتقدِّمةِ وَلِلعملِ الوَطنيِّ على السَّواءِ. وَأَضافَ شبلي على هذا الاهتمامِ بِالحكمةِ اهتمامًا كبيرًا بِزَرعِ المدارس في مُجمَلِ أَنحاءِ الأبرشيَّةِ سَاحلاً وَجَبلاً، مِن مناطق الشُّوف وعالَيه إلى مَناطق وَاسعةٍ في بعبدا والمتن، إِضافةً إلى المَدينةِ بَيروتَ، إلى أن وَصَلَ تعدادُها مع الزَّمنِ إلى مئةِ وستِّ مدارس، لِئلاَّ يُحرَمَ الأولادُ فُرصةَ التَّعلُّمِ ولكَي يُوضَعُ المَجمعُ اللُّبنانيُّ مَوضعَ التَّطبيقِ، إذْ أَمرَ منذُ العامِ 1736 بِأَن يُعمَّمَ العِلمُ وَلَو مَجَّانًا على سَائرِ مَناطق لُبنانَ وَأَفرادِ شَعبِهِ. ولقد وَصلَت معهُ رُوحُ المَسؤوليَّةِ الرَّاعويَّةِ الشَّاملةِ إلى حَدِّ تَشجيعِ التَّعاوُنِ بَينَ الجامعاتِ في بَيروتَ وبَينَ المدارسِ الَّتي كَانَت تَتألَّقُ في سَمَائِهَا فَأَقفلَ مدرسةَ الحقوق العُليَا في الحكمة عندما فتحَ الآباءُ اليَسُوعيُّونَ كلِّيَّتَهُم مع أنَّ الحكمةَ سَبَقَت في هذا المجالِ وافتَتَحَت معهدَ الحقوق فيها حوالَيْ أربعينَ سنةً قبلَ هذه الكلِّيَّةِ الجديدةِ.

            إِلاَّ أنَّ هذا الوهجَ البَيروتيَّ المُميَّزَ لم يَرِقْ لِلسُّلطةِ العُثمانيَّةِ كثيرًا ولم يَرِقْ لَها طويلاً. وَالغريبُ أَنَّ هذه السُّلطةَ الَّتي فَرَضَت نفسَهَا على المنطقةِ لِمَدَى أَربعةِ قُرُونٍ، وَحكَمَت البلادَ وَتَحكَّمَت بِالعِبَادِ، لَم تَعمَدْ إلى بِناءِ جامعةٍ واحدةٍ فيها ولم تُعَمِّرْ لها المدارسَ ولم تُؤمِّنْ لها انفتاحًا تَعليميًّا مُفيدًا، أو مُنقِذًا من التَّبعيَّةِ وَالجَهلِ. وَمَا أَنْ استَعَرَت نارُ الحربِ الكونيَّةِ الأولى وَانتصبَ المحوَرُ الألمانيُّ العثمانيُّ من الغربِ الأُورُوبِّيِّ إلى الشَّرقِ الأَوسَطيِّ، حتَّى وَجدَت السَّلطنةُ الحاكِمَةُ نفسَهَا في حربٍ مع الفرنسيِّينَ أَعداءِ الألمانِ اللَّدُودِينَ وَالتَّاريخيِّينَ. فَتحوَّلَ حُضُورُ الثَّقافةِ الفرنسيَّةِ الَّتي انتَشَرَت في لُبنانَ وَبِفعلِ خَيَارِ اللبنانيِّينَ إلى عَملٍ مَشبُوهٍ عندَ المُحتلِّين. وَراحَ هؤلاءُ يَتَوجَّسُونَ الأَمرَ حتَّى وَقعَت الوَاقعةُ بَينَ الطرَفَين فَسَالَت في إثرِهَا دِمَاءٌ وَسقطَ لِلُبنانَ شُهداءُ وغابَت في زَمنِ الحربِ الَّتي دَامَت أَربعَ سنواتٍ قَوافلُ من الأَبناءِ قَضَوا جُوعًا لا لِشيءٍ إلاَّ لِيَأمَنَ المُحتلُّونَ على احتِلالِهِم، دُونَ النَّظرِ إلى معنَى التَّاريخِ بِعَينِ المَوضوعيَّةِ وفي ضَوءِ الحقيقةِ المُجرَّدةِ عَن كلِّ زَيفٍ.

            إنَّ علاقةَ اللبنانيِّينَ عامَّةً مع فرنسا، والمَوارنة منهم بخاصَّةٍ،  لم تَستَنِدْ يومًا إلى تَنكُّرِ هؤلاءِ لأَهلِ منطقَتِهِم أَو إلى سَعيٍ منهم لِتَأمينِ مُستقبلٍ لهُم مُنفَصِلٍ عن مُستقبلِ إِخوانِهِم العَرَب جميعًا، وكأنَّهُم يُريدونَ بِناءَ كياناتٍ خاصَّةٍ بهم وحدهم. بَلْ جُلَّ ما في الأَمرِ كانَ التَّطلُّعَ نَحوَ الحَداثةِ ونَحوَ المواطنيَّة المُتساوِيَةِ بينَ أَهلِ الدَّارِ، كائنًا مَن كانُوا وإلى أَيِّ دِينٍ انْتَمَوا. ولِلدَّلالةِ على هذا السِّياقِ، فإنَّ سُقُوطَ الأمبراطوريَّةِ العُثمَانيَّةِ قدَّمَ فرصةً لِشُعُوبِ هذه المساحةِ الجُغرافيَّةِ الواسعةِ كَي تُطالِبَ بِحُقُوقِها في حياةٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ضمنَ أَوطانٍ وَدُوَلٍ لها شَخصيَّاتُها التَّاريخيَّةُ، مِن مِثل لُبنانَ ومِصرَ واليُونان وشَرقِ أوروبَّا وحتَّى تُركيَا نفسِهَا. وما حَدثَ في لُبنانَ كانَ من الأهمِّيَّةِ بِمَكانٍ، لأنَّ الكنيسةَ دخلَت على خَطِّ المُطالَباتِ من أجلِهِ وأَرسلَت تِباعًا وُفُودًا رفيعةَ المستَوَى، إلى مُحَادثَاتِ فِرسايْ في فرنسا، تألَّفَت من كلِّ طوائفِ البلادِ لِتُطالِبَ باستقلالِ لُبنانَ بِمُسلِمِيهِ وَمَسِيحيِّيهِ وبِرَفعِ كيانِهِ التَّاريخيِّ إلى مستَوَى دَولةٍ ذاتِ سِيادةٍ. وقد تَمَّ لِلُّبنانيِّينَ ما أَرادُوا وأُعلِنَت في الأوَّل من أَيلول سنة 1920 هُنَا في بيروتَ دَولةُ لُبنانَ الكبيرِ الَّتي سنُعيِّدُ لِمُرُورِ مئةِ عامٍ على قِيامِها بعدَ أقلِّ من ثَلاثِ سنواتٍ.

            كان المطرانُ شبلي يحملُ لُبنانَ هذا في قلبِهِ، ويُعبِّرُ عن حلمِهِ جِهارًا بِقَلمِهِ وشَفتَيهِ. فنالَ بِفعلِ الجُرأَةِ هذه حظوةً للشَّهادةِ، ولو بَقِيَ حيًّا لكانَ وَقعَ الاختيارُ عليهِ في عِدَادِ الوُفودِ المُطالِبَةِ في فرنسا باستقلالِ لُبنانَ وَسِيَادتِهِ. فَهكذا يكونُ الدِّبسُ قد زَرَعَ فكرةَ الوطنِ المُوحَّدِ بِمُسلمِيهِ ومَسِيحيِّيهِ، وهكذَا يكونُ شبلي قد رَوَى الزَّرعَ بِدِمائِهِ، وهكذا تكونُ عِنَايةُ المطرانِ مبارك قد تَكَشَّفَت بعدَها اعتناءً بهذا الزَّرعِ الطَّالِعِ لِيَحملَ لِلمُواطنِينَ والمنطقةِ والعالَمِ أَطيَبَ الثِّمَارِ. وإنَّنا نأملُ في أَن يكونَ هذا التُّراثُ الكنسيُّ البيروتيُّ قائمًا في أيَّامِنَا وَأّنَّهُ سَيَبقَى وَيَدُومُ.

            لَمْ يَكُن هؤلاءُ الأحبَارُ ولا اللُّبنانيُّونَ من حَولِهِم يَرُومُونَ في أَن يُصبحَ لُبنانُ مُستَعمرَةً فرنسيَّةً، ولا أَن يَتَحَوَّلَ إلى حصانِ طروَادَة في قَلبِ العالَمِ العربيِّ المَشرقيِّ، بَلْ أَرادُوهُ، بِمُساعدةٍ من الأَصدقاءِ، وَطنًا مِثَاليًّا في العَيشِ الواحدِ وفي المواطنةِ الحقَّةِ والكاملةِ بَينَ أَبنائِهِ جميعًا. وعندما كانَ لِلُّبنانيِّينَ أَن يَختَارُوا بَينَ استقلالِهِم وَمُتابعَةِ نَهجِ الانتدابِ الفرنسيِّ في بِلادِهِم وَقَفَ المطرانُ مبارك مَعهُم في تشرين الثَّاني من العام 1943 وفَتَحَ دارَ مطرانيَّتِهِ لِلنوَّابِ الَّذينَ ثَارُوا على اعتقالِ زُعَماءِ البلادِ في راشيَّا وقالَ لِلفرنسيِّينَ «إنَّ الصَّداقةَ هي الصَّداقةُ، لكنَّ الوَطنَ هُو الوَطنُ. فَلِلوطنِ الأَولويَّةُ حتَّى على أَعزِّ الصَّدَاقاتِ».

            بهذه الرُّوحِ بَدَأَ المُشكِّكُونَ بِقِيمةِ لُبنانَ وَبعضُهُم كانُوا من أَهلِهِ وَذَوِيهِ يَتغيَّرُونَ شيئًا فَشيئًا إلى أَن عادَ الجميعُ إليهِ وَبَاتُوا يُقِرُّونَ اليومَ بِأهمِّيَّتِهِ وَبِحُسنِ انتِمَائِهِم إليه.

            أَفلَمْ يَقُلْ الإنجيلُ إِنَّ «الحجرَ الَّذي رَذَلَهُ البنَّاؤُّون صَارَ هُو رَأسَ الزَّاويَّة»؟ وَدُونَ أَن نَرفعَ بِلادَنَا إلى مستَوَى أَمثَالِ الإنجيلِ، نَقولُ فيهَا أَنَّها قد صَارَت حجرَ الزَّاوِيَةِ في بِنَاءِ الشَّرقِ بِرُمَّتِهِ، إِذْ بَاتَ يُشكِّلُ أمامَهُم أنموذجًا حيًّا للتَّلاقي والاعترافِ بالآخر والعيشِ معهُ في كيَانٍ دُستوريٍّ وَوَطنيٍّ لهُ قيمتُهُ في نَشرِ الحضارةِ وَصُنعِ التَّارِيخِ.

            فَيَا أيُّها الحَبرُ الجليلُ وَالسَّلَفُ الصَّالحُ،

            إنَّنا نَنظرُ إليكَ اليومَ، وفي مُناسبةِ مُرُورِ مئةِ عامٍ على غِيَابِكَ عن الأَرضِ وَعَودتِكَ قَمرًا وَهَّاجًا إلى الشَّمسِ الأَزليَّةِ يسوعَ المسيحِ، الَّتي منها استَقَيتَ وَنَستَقِي نَحنُ جميعًا كلَّ نُورٍ،

            أُنظرْ مِن عَليَاءِ سَمَائِكَ إلى هذا الشَّرقِ الحَزِينِ، الَّذي عَادَت الحُرُوبُ تَدكُّ آثارَهُ وَتُعرِّضُ مَآثرَهُ لِلتَّلاشِي، كما حَدَثَ في أَيَّامِكَ زَمَنَ الحربِ الكُبرَى،

            وَيَا مَن كُنتَ شَاهدًا لِكنيستِكَ وَوَطنِكَ حتَّى صرتَ بِحُبِّكَ لها شَهِيدًا وَمَصدرَ فخارٍ،

            إنَّنا في هذه الحكمةِ عَينِهَا الَّتي أَحبَبتَ وَطوَّرتَ نُعَاهدُكَ وَنُعَاهدُ نُفُوسَنَا بِأنَّنا لَنْ نَتَخلَّى عن المَعرفةِ كنزًا ولا عن المحبَّةِ سلامًا ولا عن الوطنيَّةِ الصَّادقةِ بَيرَقًا ما حَيَيْنَا، إلى أَن يُصبحَ الشَّرقُ كلُّهُ مَنَارةً إنسانيَّةً وَصَانعَ رَجَاءٍ لِلعالَمِ المُحِيطِ.

            فكُنْ لنا الشَّفيعَ وَالنَّصِيرَ الهَادِي وَليُعطِنَا الرَّبُّ أن نَبقَى لكَ وَلأمثَالِكَ أَوفِيَاءَ. وشكرًا لإصغائكم. الدكتور أبو نهرا

وقال الدكتور جوزف أبو نهرا في مداخلته:

لا تستدعي الذكرى المئوية لاستشهاد سيادة المطران بطرس شبلي حنين العودة الى المآسي والنكبات، فقد أصابنا منها ما يكفي وما زلنا نتحمَّل الويلات. الحدث بحدِّ ذاته ليس فقط مدعاة فخر واعتزاز، لذا أرادته رئاسة جامعة الحكمة وقفة خشوع وتأمل في معاني الشهادة واستقلال الوطن وكرامة أبنائه، وبخاصَّة في هذه المرحلة الصعبة التي تعيشها منطقتنا العربيَّة من الخليج الى المحيط فتصيب بارتداداتها لبنان مهدِّدة الكيان والانسان.

أن يطلب منك الكلام في ذكرى كبير من أحبارنا هام في حبِّ وطنه وشعبه، فذاق مرَّ النفي وأبى إلاَّ أن يموت شهيداً وأن تُقصر كلامك في زحمة دقائق معدودة على اليسير ممَّا يتدافع في خاطرك من أفكار وعواطف، فأنت حُكماً في موقف حرج وفي صراع صامت وضاغط بين آفات المرغوب وحدود المطلوب. لذا، بعد لمحة سريعة عن سيرة المطران بطرس شبلي سأحصر مداخلتي. بمواقفه الاستقلالية ومواجهاته مع السطات العثمانية التي أدَّت به الى الموت في المنفى، وذلك من خلال مذكراته الشخصية التي دأب على كتابتها باللغة الفرنسية، ومن خلال مراسلاته.

قضى المطران شبلي شهيد المطالبة باستقلال بلاده فأصابه ما أصاب النبي موسى الذي مات قبل دخوله أرض الميعاد. مات المطران في المنفى كسير العين جريح الفؤاد قبل أن يشهد رحيل العثمانيين عن لبنان واعتراف الأمم به وطناً مستقلاً. انضم الى قوافل الشهداء مسلمين ومسيحيين من مختلف الطوائف اللبنانية ليرتفع صوت الحق في لبنان وترفرف راية .

وقد نفي المطران بطرس شبلي مع الشيخ أحمد عباس الأزهري في إسطنبول، وكان في طليعة من علقوا على أعواد المشانق الخوري يوسف الحايك والشيخ أحمد طباره.

لو تأملنا في تاريخنا للإفادة من عبره لوجدنا أن لا ضمانة للبنان إلاَّ بالشعب اللبناني، ولا ضمانة للبناني إلاَّ اللبناني الآخر. كل استقواء بالخارج هو غير ثابت، وكل حلٍّ لمشاكل الداخل مستورد من الخارج هو غير مضمون النتائج، ويعود في النهاية لمصلحة مهندسيه على حساب طالبيه، فآكلُ الشَّم يُبلى وليس طابخه.

قدر أبناء لبنان أن يكونوا دائماً في عين التحدِّي لمواجهة الأخطار المهدَّدة، سواء جاءت من الكيانات العنصرية التي لا تقبل بالتنوُّع، أو الدكتاتورية التي لا تحترم الحريَّات، أو الأصولية التي لا تعترف بحق الاختلاف. وقدر لبنان أن يبقى، بالرغم من الغيوم الملبَّدة والعواصف الهوجاء، أميناً لرسالته التاريخية، ومتطلعاً بعزيمة أبنائه الى غدٍ مشرق ومستقبل واعد، ويفترض ذلك حتماً الإفادة من عبرَ التاريخ والتفاف السواعد.

وقال المحامي هيام ملّاط في مداخلته:

يشكّل إحياء ذكرى الراحلين احدى المظاهر المؤثرة في مجتمع يصبو الى مستوى الحضارة. فتكريم من رحلوا بعد الجهاد والتضحية يجذر الإنسان ويثبت خطاه في الحياة والتاريخ خاصةً عندما يكون هذا التاريخ مليء بالقلق.

وتاريخ لبنان كما هو معروف هو تاريخ انسان رفع خطواته ومواقفه الى درجة المأسسة ونشأة الحرية والديمقراطية. والمجتمع خير شاهد على هذا المسار الذي اتحد به عقل اللبناني وقلبه.

وإن حياة المثلث الرحمات المطران بطرس شبلي ونضاله اندمجا بصورة عضوية في مسار رفع شأن مجتمعه وطائفته.

ومن واجبنا هذه الليلة في استذكار مسار المطران بطرس شبلي حتى الشهادة استخلاص المسالك التي كانت شكلاً من اشكال التحدي التي واجهها بايمان وصلابة وحكمة من خلال ما اكتسبه من علم وثقافة جعلت منه احد ابرز مطارنة القرن العشرين الذين تبوأو اسقفية بيروت للطائفة المارونية. وانني اهدف من خلال مداخلتي الليلة ان اؤكد على اربع تحدّيات واجهت المطران شبلي عندما اتّفقت الكلمة في مجمع الأساقفة المنعقد في بكركي في السابع من شهر شباط 1908 على سيامته اسقفاً على بيروت وهي:

1-         تحدّي وراثة السعيد الذكر المطران يوسف الدبس

2-         التحدّي التربوي

3-         تحدّي رفع مستوى الكهنوت

4-         التحدّي السياسي.

أولاً: التحدّي الناجم عن ارث المطران يوسف الدبس

كما تعلمون طبع المطران يوسف الدبس ابرشية بيروت المارونية خلال اكثر من 35 عاماً بشخصيته ومشاريعه ومؤلفاته وحضوره الديني والسياسي والاجتماعي. وقد ترك أثره على هذه الأبرشية بصورة دامغة. فوجد المطران شبلي نفسه عند استلامه اياها امام تحدٍّ كبير لجهة المحافظة على هذا الإرث من جهة ورفع ادائه من جهة ثانية. وقد تنبه الى هذا الأمر عندما قال في كاثدرائية مار جرجس في أول خطبة له “جئت لأخلف حبراً خطيراً ملأت شهرته هذه الأصقاع الشرقية وذاع صيته الى ما وراء البحار، حبراً هماماً عالماً فاضلاً غيوراً، حبراً مات ولم يمت ذكره”.

وقد اضاف المطران شبلي في خطابه هذا ما كان ينتابه من هموم بقوله انه جاء الى بيروت “وفيها المال والعلم والرجال” راسماً هكذا اطار تحديات نشاطه في خدمة الأبرشية.

ثانياً:التحدّي التربوي

عندما دخل المطران شبلي أبرشية بيروت كانت غايته الاولى منصرفة لتحقيق هدفين تربويين: تعميم التعليم الديني في قرى الأبرشية وانجاح معهد مدرسة الحكمة.

فيما يعود للتعليم الديني فقد لقي تواصلا كبيراً في ابرشيته ومع الاليانس الفرنسية لانجاح هذا المشروع وعندما اصبح هذا الأخير في طور التنفيذ ابتداءً من تشرين الأول 1914 بعد اتصالات مضنية مع فرقاء متعددين، اندلعت وتبدلت امور لبنان وصرف النظر بطبيعة الحال عن هذا المشروع الحيوي.

أمّا فيما يعود لمدرسة الحكمة، فلقد عبّر عن اهتمامه في بدايات تسلّمه زمام الأبرشية في خطاب القاه في ختام سنة 1908 المدرسية حيث شرح خطّته ورؤيته المستقبلية لهذه المدرسة مع العودة الى السعيدي الذكر سلفيه المطران طوبيا عون والمطران يوسف الدبس في إعلاء شأن التعليم والتربية وفتح المدارس.

أما فيما يختصّ برؤيته المستقبلية للتربية في مدرسة الحكمة فلنترك الكلام له حيث قال:

“لم يعد من ادخال اصلاح في قوانين المدرسة وظلت تسير على النظام الذي وضع لها في السنين الأولى دون ادنى تحوير. وما من احد ينكر ضرورة ادخال الإصلاحات عندما يرى المرء حتى في اكبر الأندية والمعاهد العلمية قواعد جديدة ترتكز على القديمة ويدعمها البرهان والتجربة.

“ولست ادّعي انه يمكننا مثلاً ان نجاري تلك المعاهد العظيمة لئلا اغركم بالكلام ولكني مبيّنٌ لكم بياننا الجديد الذي بنيناه على الإختبارات الماضية وعلى حاجة البلاد التي احببناها ووددنا خدمتها.

“فجعلنا دائماً المحل الأسمى في الدروس للغة الفرنسية مع اتباع الانسقة الجديدة والاعتناء خصوصاً بما يهم التجارة. اما بشأن اللغة العربية فقد تجاسرنا على ان نبدل بعض كتب تعليمها بغيرها من المؤلفات الأكثر وضوحاً واعظم فائدة واخف وطأة على العقل والذاكرة.

“وقد قررنا تدريس احدى اللغات الحية اجبارياً. التركية أو الانكليزية. وقد احتفظنا بوقت كافٍ لتدريس الرياضيات والعلوم التجارية وسنعتني بهذه الأخيرة جل الاعتناء لأننا قد تحققنا اهمية التجارة في بلادٍ كانت موطن الفينيقيين وكل شخص منها فيه المزايا الحسنة للعمل والنبوغ. ولم نهمل التعليم الديني ولا ريب لانه قاعدة التهذيب واساس العلوم ويعم نفعه الدارين.

“وقد اصلحنا ترتيب ساعات العمل بقصد ان لا يضيع الوقت الثمين سدى وبنوع ان لا تذهب اوقات الدرس الطويلة بصبر الدارسين.

“فهذا بالايجاز ما أوتي لنا امامه واني عالم بانه لم يزل علينا العمل الكثير لتحقيق الإصلاحات المطلوبة التي تقتضيها حالة بلادنا العزيزة. غير اننا نقول اننا حاولنا السير والنهوض. واني اعتقد بان كل من يحب الشبيبة ورقيها لا يحجم عن درس حاجاتنا هذه والاسباب الضارة والنافعة ويتحفنا بما يتوصل اليه جدّه وبحثه للعمل بكل ما هو نافع وحسن.”

ويقول مؤرّخ المطران شبلي ابن شقيقيه المحامي والمؤرخ ميشال شبلي انه، “وازاء هذه الإصلاحات في التعليم كان قد وطد النفس على الإصلاحات المادية في بناء مدرسة الحكمة فقابل عند سفره الاخير الى اوربا عدة من المهندسين واخذ منهم الرسوم العديدة والآراء الحديثة عن طريقة البناء بالتفصيل الوافي حتى انه لما عاد باشر في العمل باصلاح الرتاج الخارجي الكبير. ولكن الحرب العالمية حالت دون اتمام ذلك.”

ثالثاً: الاصلاح الاداري والديني

رسم المطران شبلي خطّة عمله فور تسلّمه اسقفية بيروت وعهد بانفاذ اصلاحات ادارية ودينية تجسدت بخطوات يمكن ايجازها كما يلي:

فعلى المستوى الإداري، اوجب على الكهنة الاعتناء بقضايا الاحوال الشخصية العائدة لهم من قيود الولادة والوفيات وعقود الزواج كما واقتناء السجلات المحكمة التجليد لضبط الاحوال الشخصية وامر بطبع تلك السجلات واوجب على الكهنة حفظها بموجب منشور صدر بهذا الخصوص قال فيه :

“ويلزم ان تبالغوا في الاحتفاظ بهذه السجلات سواء كانت من أوضاعكم أو من أوضاع سلفائكم وتحفظوها حفظاً بليغاً في خزانة خصوصية داخل الكنسية مع كل الحجج وصكوك الهبة والوقف واوامر الزيارة والمناشير الصادرة منا او من السيد البطريرك الخ.. ولا نسمح بان يتخذ كل من الكهنة المعينين في رعية واحدة سجلات خصوصية وحيث ما يوجد مثل هذه السجلات نأمر بتوحيدها مع حفظ القديمة منها في خزانة الكنيسة على ما مرّ.”

كما أصدر مناشير عديدة نذكر منها:

– منشور صدر عام 1912 خاص بالانتباه لموانع الزواج واجراء المناديات تلافياً لدعاوى فسخ الزاوج.

– منشور عام 1908 موجّه الى الشعب اللبناني في ما يتعلق بمهاجرة بنيه من لبنان الى الخارج بقصد العيش وما ينجم عن ذلك من الاخطار الادبية والاجتماعية والروحية.

– منشور رعائي عام 1909 الى كهنة ابرشية بيروت المارونية وضّح فيه شرف المهمة المقدسة المنوطة بالكاهن واضعاً القواعد وموجباً على الكهنة التمشي بها.

– منشور عام 1910 عن السيد المسيح.

– منشور عام 1912 عن كنيسة المسيح.

– منشور عام 1913 بمناسبة اعياد اليوبيل القسطنطيني.

ولا بد من الإشارة هنا الى احدى ابرز المآثر الدينية والثقافية التي اطلقها المطران شبلي برعايته اصدار مجلّة “الرسالة” ابتداء من اول تموز 1913 – وقد صدر منها 13 عدداً آخرها العدد الاول من السنة الثانية المؤرخ في تموز 1914. وقد برّر اصدار هذه المجلّة الاولى من نوعها في ابراشيتنا المارونية بكتاب توجّ به العدد الاول قال فيه:

“وبعده طالما تاقت النفس الى وجود نشرة كهنوتية تكون رابطة ولاء بين خدمة المذبح ابناء الكنيسة الكاثولكية المقدسة وتنفتح روح الغيرة الرسولية في قلوب الذين وكل اليهم فادي النفوس امر النفوس وخلاصها. واليوم اتتنا بشارة تحقيق هذه الامنية وصدور “الرسالة” موجهة الى الكهنة مخصصة لخدمتهم الروحية والادبية. فكان فرحنا بها جزيلاً.

“في قداس هذا الصباح تلونا من الانجيل فصلاً ترتعد له كل مرة فرائضنا جزعاً. وسمعنا المعلم الالهي يقول لتلاميذه وللذين يخلفونهم: انتم ملح الارض. انتم نور العالم. فاعتبرنا هذه الصدفة عنايةً من الله واردنا ان تكون هذه الآية شعاراً للمجلة الجديدة فتساعد على حفظ الملح من الفساد وترفع سُرَج الروح المقدس على المنائر لتنير العالم وتهدي الضالين.

“ولذلك نرغب من المجلة الجديدة ومن الذين تآلفوا على القيام بها ان لا يقصروا عملهم على نشر التعليم بل ليستنهضوا همم الكهنة اخوتهم بالرب ويرسموا امام عيونهم في كل فرصة غاية الكهنوت المسيحي ويوقظوا فيهم النعمة التي نالوها بوضع اليد ويذكروهم بالفضائل المطلوبة في حالتهم وبالواجبات المقدسة التي القيت على عواتقهم مبينين لهم ان نير الرب طيب وحمله خفيف.

“يجب ان يحثوهم على الزهد بخيرات الارض قانعين بالقوت والكسوة على مثال رسول الامم الى ان يمحى من الافكار والقلوب اعتبار الكهنوت حرفة للمعاش ويرسخ في عقول الكهنة ان محبة الفقر لاجل المسيح من اشرف الفضائل واسماها، طالبين منهم الا يجعلوا تجندهم لله على شكل الجندية القديمة المأجورة. والا يتوخوا من حالتهم المقدسة الكسب الذميم والثروة.

“ونرغب منكم ايها الابناء الاحباء ان تناضلوا عن حقايق الدين الازلية بثبات وجرأة ولا تحيدوا عن التعليم الصحيح تعليم الكنيسة المقدسة فلا يزعزعكم تيار الاهواء المضلة ولا تهولكم جلبة الاخصام متجنبين في الجدل والمدافعة المماحكات الفارغة والشخصيات الجارحة متحفظين بشرف اقلامكم كما يحتفظ الجندي بشرف سيفه فلا يستخدمه الا في سبيل الحق والعدل ولا يسلمه الا مسلماً الروح. هذه المبادىء اذا تمسكتم بها تنيلكم الغاية المطلوبة وتبلغكم المرام فيصبح عملكم عملاً رسولياً وتكون رسالتكم شبيهة بالحبة الحقيرة فتنمو وتصير شجرة عظيمة يستريح في ظلها من اعياه تعب الطريق وتعشش في اغصانها طيور السماء ولا يدركها كسواها الخريف العاجل ولا تتناثر اوراقها بل تستمر زاهرة نضرة في ربيع النفوس الدائم الى ما شاء الله.

هذه التمنيات وهذه الادعية يشاركني فيها جميع السادة الاحبار السامي قدرهم. فسيروا الى الامام على بركة الله وبركتهم.

بيروت في 3 تموز سنة 1913.”

رابعاً: التحدّي السياسي

تجسّد التحدّي السياسي بإمتداد مطرانية بيروت المارونية بين مساحة تابعة لولاية بيروت العثمانية يحكمها والي معيّن مباشرة من الإدارة المركزية في السلطنة العثمانية ومتصرفيّة جبل لبنان الذي يديرها متصرّف خاضع لبروتوكول 1861 المعدّل عام 1864 الذي قضى بحماية الدول الكبرى في حينه لهذا النظام وبتعيين متصرّف لمدّة خمس سنوات قابلة للتجديد باتفاق الكلمة بين الدول السبع الكبرى ومن بينها السلطنة العثمانية.

وكان على المطران شبلي – كما سبق للمطران الدبس – أخذ الاعتبار في مواقفه ومداخلاته هذا التباين في المؤسستين أي مؤسسة الولاية من جهة ومؤسسة متصرفية جبل لبنان من جهة ثانية – علماً ان المطران شبلي دخل مطرانية بيروت عند صدور الدستور عام 1908 وقد تركت لنا الوثائق والدراسات خلاصة منهجية تصرّف المطران شبلي بين المجاملة السياسية والمسالمة كما تقتضيه الظروف السياسية ورفع الصوت وتأكيد المواقف المبدئية الخاصة بالقضية اللبنانية من خلال طلب الاصلاح وتحقيق الاماني من الدولة العثمانية ومعاضدة فرنسا والمحافظة على ما دعاه صراحة في تقرير رفع عشية نقتطف منه ما يلي :

“ان لبنان منذ 50 سنة لم يشاهد على رأس حكومته حاكماً وطنيًّا بل موظفين عثمانيين يتتابعون مسيحيين اسماً ولكنّهم اتراكاً بعقليتهم ومصالحهم.

“وهؤلاء الحكام الذين كان يهمهم قبل كل شيء ان يحوزوا على رضى الاستانة عند عودتهم اليها بعد نهاية مدتهم والذين كانوا يجهلون البلاد والذين لم يكن عندهم عطف على رعيتهم فهؤلاء الحكّام كان جل مقصدهم ان يرموا على اقدام الحكومة العثمانية القطع التي انتزعوها من جسم الاستقلال اللبناني.

“وهكذا فان الحكم مدة خمسين سنة على هذا النمط جعل ذلك الاستقلال في خطر ونجم عنه النتائج التالية:

“1- إقفال المواني اللبنانية

“2- تدمير التجارة والصناعة اللبنانية

“3- التنازل عن قسم من البقاع الذي هو اهراء لبنان والتنازل عن عدّة قرى في شمالي لبنان بدون رضى الدول

“4- رفض الباب العالي بدون حق ان يسدد عجز الميزانية اللبنانية

“5- استيلاء الحكومة العثمانية على الجمارك والبوسطة

“6- زيادة الضرائب الامر المخالف للنظام وارادة الدول والذي لم تستفد منه قط المشاريع العمومية في لبنان

“7- عدم اعتبار صلاحية المجلس الاداري

“8- العمل في لبنان بدون موافقة الدول الحامية بالقوانين العثمانية المخالفة استقلال لبنان

“9- تعديل التنظيم القضائي بدون رضى الدول وربطه بالاستانة مما يسبب اضاعة الوقت والنفقات.

ان الحكومة الدستورية المستحوذة على منذ 3 سنوات دلّت بعلاقاتها مع لبنان عن تعصّب كامن وعن تطوح في القومية مصدره جمعية الاتحاد والترقي.”

ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 ودخول السلطنة العثمانية الى جانب والنمسا ودخول العثماني الى متصرفيّة جبل لبنان خلافاً لبروتوكول 1861 المعدّل عام 1864، وجد المطران شبلي نفسه في مقدمة المفاوضين مع جمال باشا في امور متعددة ان رعائية او سياسية وخاصة في مسألة حمل البطريرك الماروني الى طلب الفرمان السلطاني خلافاً لما اعتمده السلاطين السابقين منذ الفتح العثماني عام 1516 للشرق الادنى. وقد تفاقم وضع المطران شبلي مع جمال باشا لدرجة حمل هذا الأخير الى نفيه في 7 نيسان 1916 الى اضنة حيث توفّاه الله في 20 آذار 1917.

ومع مراجعة حياة هذا الحبر المقدام، وعند وضع خلاصة لكلامي هذا، عادت بي الذاكرة الى كلام احد كبار خطباء القرن السابع عشر في فرنسا مع  BossuetوBourdaloue، الا وهو المطرانEsprit Fléchier الذي رثى احدى شخصيات تلك الأيام بعبارات رأيتها تنطبق على المثلث الرحمات المطران بطرس شبلي:

“Grand dans l’adversité par son courage, dans la prospérité par sa modestie, dans les difficultés par sa prudence, dans les périls par sa valeur, dans la religion par sa piété.”

وتحدّث الدكتور كريستيان الحلو عن الظروف التاريخية التي رافقت حياة المطران بطرس شبلي، فقال:

تزامنت حياة المطران شبلي مع وجود نظام المتصرفيّة في جبل لبنان من جهة، ومع يقظة سياسية عربية دعت إلى التحرّر من الحكم العثماني من جهة أخرى.

بعد فترة الحروب الأهلية التي عرفها لبنان بين سنتي 1840 و1860، بخاصة بعد فتنة 1860، شكّل فؤاد باشا، وزير الخارجية العثماني، لجنة دولية مهمّتها معاقبة المسؤولين عن الفتنة والمشاركين فيها، والتعويض عن الخسائر، وتقديم اقتراحات لإصلاح نظام الحكم في جبل لبنان.

وفي 9 حزيران 1860 وقّعت كل من فرنسا وبريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا وتركيا، في اسطنبول، على نظام جديد للحكم في لبنان عُرف ببروتوكول سنة 1861. وبعد فترة تجريبية أُدخلت عليه بعض التعديلات في 16 أيلول 1874 وظلّ معمولاً به حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. أنهى هذا النظام فترة من الفوضى والعنف لم يستطع اللبنانيون محو آثارهما حتى اليوم.

بموجب هذا النظام أيضًا سُلِخت عن جبل لبنان مناطق مهمة مثل سهل البقاع والمدن الساحلية التي أصبحت تحت الحكم العثماني المباشر. وقُسِّمت المتصرفية إلى سبعة أقضية يترأس كلًّا منها قائمقام.

من ناحية أخرى لم يُسمح للجيش التركي بدخول أراضي المتصرفية، وأُعفي سكانها من الخدمة العسكرية الإجبارية ومن دفع الخراج إلى الباب العالي.

بين سنتي 1861 و1915 حكم جبل لبنان ثمانية متصرفين أوّلهم داود باشا وكان أرمنيًّا. فاحتج الزعيم الشمالي يوسف كرم على كون حاكم البلاد غير لبناني، وعلى الصلاحيات المطلقة التي كان يتمتع بها. فأعلن العصيان وخاض بعض المناوشات مع جيش المتصرّف الذي ألقى القبض عليه وأرسله إلى اسطنبول. عاد يوسف كرم إلى لبنان سنة 1864 ليكمل معارضته، لكن تدخّل فرنسا أدّى إلى نفيه إلى الجزائر. كما عارض الاقطاعيون الدروز نظام المتصرفية من حيث حجم الضرائب المفروضة على العشب.

غرق المتصرّفون، باستثناء داود باشا، في الفساد فكان همّهم جمع المال ونيل رضى الدولة العثمانية.

وُلد المطران شبلي أيام حكم المتصرف الثاني نصري فرنكو باشا الذي عُيِّن سنة 1868 خلفًا لداود باشا الذي كان قد استقال من منصبه. عند بدء ولاية فرانكو باشا أصدر السلطان قانونًا يقضي بمراقبة الطباعة والنشر، ما أدّى إلى تأسيس مطابع وصحف عديدة في جبل لبنان حيث لم يكن لقانونه أثر.

وفي سنة 1873 عُيِّن رستم باشا خلفًا لفرنكو فبدأ عهده بالسعي للحدّ من نفوذ الإلكيروس الماروني الذي تزايد بعد أن فقد الإقطاع الماروني سلطته. وفي أيامه أصدر الباب العالي تعليمات توقف بموجبها المتصرّف عن طلب سد العجز في خزينة المتصرّفية من خزينة الدولة العثمانية. فاضطر رستم باشا إلى خفض رواتب الموظفين إلى النصف، ما أدّى إلى تفشي الرشوة في الإدارات الرسمية.

عُيِّن واصا باشا خلفًا لرستم فعرفت البلاد في أيامه موجة مهمة من الهجرة. أمّا الفساد في الحكم فقد وصل إلى ذروته أيام مظّفر باشا (1902 – 1907) إذ استغلّ هو وعائلته البلاد والعباد. وبعد ثورة “الاتحاديين” في تركيا سنة 1908 بدأ الشعب بالمطالبة بالإصلاح وبلغت موجة التململ أوجها أيام آخر متصرّف أوهانس باشا.

انطلقت شرارة اليقظة السياسية في الشرق في القرن التاسع عشر على يد لبنانيين مثل إبراهيم اليازجي الذي قال سنة 1868 :

“تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب  فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب”.

وهذا النوع من الكلام هو دعوة صريحة للثورة على الحكم العثماني. كما أصدر بطرس البستاني في سنة 1870 مجلة “الجنان” وكان شعارها “حب الوطن من الإيمان”.

ففي ذلك الوقت أصبح للحرية معنى جديد فيه من القوة والإقدام والفرح ما لم يعرفه من قبل، والشعور بالروح القومية أتى نتيجة انتشار أفكار الثورة الفرنسية ومبادئ الحكم الجديدة التي أوجدتها. وقد عرفت الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نوعين من الحركات التحررية: الأول عرفته المجتمعات العربية التي شكلت أكثرية سكان الامبراطورية العثمانية، وكانت مساحتها قد تقلّصت كثيرًا بفعل الاستعمار الأوروبي، وأصبحت تقتصر فقط على آسيا الصغرى والولايات العربية، فبدأ العرب يطالبون بحكم ذاتي يحفظ حقوقهم وخصوصياتهم، والثاني في المجتمع العثماني الذي عرف تأسيس جمعيات سياسية على يد نخب مثقفة أرادت التخلص من الحكم العثماني المطلق وإبداله بنظام ديمقراطي علماني يؤمّن الحقوق والحريات للمواطنين الأتراك.

وفي السنة التي انتخب فيه الخوري بطرس شبلي مطرانًا على بيروت، أي سنة 1908، عرفت الدولة العثمانية ثورة قام بها أعضاء “جمعية الاتحاد والترقي” ضد السلطان عبد الحميد الثاني في اسطنبول لإرغامه على وضع دستور سنة 1876 موضع التنفيذ للشروع بحياة برلمانية تنقل الدولة العثمانية إلى العصر الحديث. سعى عبد الحميد للقضاء على هذه الحركة العصرية فعزله “الاتّحاديون” سنة 1909 وأعلنوا أخاه محمد رشاد سلطانًا مكانه.

استبشر العرب خيرًا بهذه الثورة لكن “الاتحاديين”، وبعد تسلّمهم الحكم، اعتمدوا سياسة ارتكزت على العلمنة والمركزية والعنصرية ما أدّى إلى اصطدامهم بتوجّهات العرب التحررية، إذ إن الحكم التركي الجديد تحوّل إلى دكتاتورية أسوأ من حكم عبد الحميد. فازدادت الدعوة القومية العربية حدّة وانتشارًا بعد سنة 1908 للوقوف بوجه القومية العنصرية التركية، فتأسّست جمعيات سياسية سرّية في الولايات العربية وفي الخارج لمقاومة سياسة التتريك التي اتّبعها الاتّحاديون، وأخذت تعمل، بمساعدة الدول الأوروبية، لاستقلال العرب عن الدولة العثمانية.

ومن أهم مظاهر المقاومة العربية لسياسة التتريك، انعقاد أوّل مؤتمر عربي في باريس في حزيران سنة 1913، أبرز وجود العرب كمجموعة مستقلة داخل الامبراطورية العثمانية. وقد اشترك فيه عدد كبير من المثقفين والأحرار العرب أطلّوا على العالم بمطالب إصلاحية وكان للبنانيين دور مهمّ في أعماله.

في الحرب العالمية الأولى، وفي أواخر سنة 1914 انحازت تركيا إلى ألمانيا ودخل الجيش الرابع التركي إلى لبنان بقيادة جمال باشا الذي ألغى امتيازات متصرفيّة الجبل ففرض التجنيد الإجباري وصادر المواد الغذائية للجيش. وفي صيف سنة 1915 عيّن علي منيف حاكمًا على متصرفية جبل لبنان مكان أوهانس باشا، آخر متصرف، الذي أرغم على الاستقالة، وحلّ مجلس الإدارة، فأصبح جبل لبنان تحت الحكم العثماني المباشر. وفي عاليه أسّس جمال باشا مجلسًا عرفيًّا أدان عددًا كبيرًا من اللبنانيين والسوريين الذي اتّهموا بالخيانة العظمى، بخاصة بعد أن استولى الأتراك، في قنصلية فرنسا ببيروت، على وثائق فيها أسماء للبنانيين استعملها جمال باشا لإدانة أصحابها بالتآمر على تركيا مع دولة عدوّة، فسجن ونفى وأعدم الكثيرين.

مع بدء الحكم العثماني في الشرق في أوائل القرن السادس عشر، فرض السلطان العثماني على رؤساء الطوائف طلب الفرمان أي الإذن لإدارة شؤون رعيتهم، فكان في الظاهر نوعًا من الاستقلال الذاتي للطوائف غير الإسلامية، وعمليًّا وضع هذه الطوائف ورؤسائها تحت سلطة السلطان الخليفة.

عند وصول جمال باشا إلى دمشق أوفد البطريرك الماروني الياس الحويك وفدًا للسلام عليه ضمّ ثلاثة مطارنة منهم المطران شبلي. قابلوا “السفّاح” في 11 كانون الأوّل 1914. وفي اليوم التالي طلب جمال باشا حضور المطران شبلي وأبلغه بأن على البطريرك والمطارنة الموارنة طلب الفرمان. وكان بطاركة الموارنة الوحيدين من بين رؤساء الطوائف في الشرق الذين لم يطلبوا الفرمان منذ قيام الحكم العثماني. فكتب المطران شبلي إلى البطريرك الذي أجابه : “إنّنا لم نغيّر شيئًا مما ورثناه عن السلف”.

استعمل جمال باشا قضية طلب الفرمان لإذلال البطريرك والإكليروس وللتحكم باللبنانيين وإخضاعهم، بخاصة أن أكثرية هؤلاء الساحقة كانت تعارض الحكم العثماني وتسعى للتخلص منه.

وفي 8 كانون الثاني سنة 1915 اجتمع المطارنة بالبطريرك وقرروا طلب الفرمان مخافة تفاقم القضية وانتقام الباشا من الشعب.

ولما وصل الفرمان إلى بيروت أوعز واليها عزمي باشا إلى البطريرك أن يحضر بنفسه لتسلّمه، لكن البطريرك لم يحضر فتسلّم الفرمان المطران شبلي وحمله إلى البطريرك في 29 نيسان 1915.

وكانت تلك السنة 1915 صعبة جدًّا إذ اشتدّ الحصار البحريّ الذي كان الحلفاء قد ضربوه على أراضي الدولة العثمانية، وأتى الجراد على ما تبقى من محاصيل فارتفعت الأسعار واشتدّ الفقر وتفشّت الأمراض، فمات ربع سكان المتصرفية. حاول البطريرك رهن أرزاق البطريركية ولم يتمكن من ذلك فأمر الأديار بالمساعدة وفتح الصرح البطريركي أبوابه لإطعام الجائعين.

لم تكن سنة 1916 بأحسن من سابقتها فاشتدّ ضغط جمال باشا على اللبنانيين وبخاصة الأحرار منهم الذين صدرت بحقهم أحكام بالنفي والإعدام، وعلى رأسهم الخوري يوسف الحايك والشيخان فريد وفيليب الخازن، وكان للمطران شبلي علاقة وثيقة بهم. ولم يطل الوقت حتى أصدر الوالي عزمي باشا أمرًا بنفي المطران شبلي إلى أضنه في تشرين الثاني 1916 وما لبث أن توفيّ فيها في شهر آذار من السنة التالية.

جسّد المطران شبلي الروح التحررية التي اجتاحت المجتمعات الشرقية في القرن التاسع عشر، كما جسّد روح نظام المتصرّفية المضمون دوليًّا فكان خير صديق لفرنسا، إحدى الدول الضامنة، حامية الموارنة في خضم صراعات الدول على التركة العثمانية، وقد تسبّب ذلك في نفيه ووفاته، فالتحق بقوافل القديسين. ولا شك في أنّه مارس القداسة بالوسائل البشرية التي كانت بين يديه أي النضال لأجل كرامة قومه وحريتهم، فخاضه بفعل محبة، ويوم هُزم أمام البغض والحقد بقي قديسًا بين الأبطال وبطلاً بين القديسين.

وقد أدار الندوة أمين عام جامعة الحكمة الدكتور أنطوان سعد، الذي قال في المطران شبلي:

المطران بطرس شبلي في جامعة الحكمة، يطل عليها بعد مئة عام على غيابه، مستطلعاً ما آلت اليه غرسة الدبس، ومطلعاً على ما أكملته فيها همَّة المطر، وقد جعلتها شجرة وارفة الظلال، وافرة الغلال، طاعنة في الانتماء الى التاريخ والى المستقبل، حاملة على غرار المطران الشهيد شهادات في الوطنية وفي سيادة الفكر وكرامة الانسان.

ومن شرفة الجامعة هذه يحيي المطران الزائر أبرشيته البيروتية المترامية الأطراف، ساحلاً وجبلاً، وتقر عيناه بما قام به خلفاؤه، على مدى قرن من الزمن، في خدمة النفوس وتنمية العقول، وفي إعلاء دارها واغناء دورها في قلب الوطن الواحد، هذا الوطن الذي كتب لمطارنة عاصمته أن يكونوا طليعة المدافعين عنه والعاملين على تحصين وحدته ومنعة مواطنيه.

وبطرفة عين المحب، يرمق ابن دفون أهل ضيعته الساكنة، الرافلة بقرميدها الأحمر وبيوتها المنثورة فوق تلك الهضاب-هضابنا – والدامعة اليوم على غياب غير بعيد لكبيرين منها: المطران الأنيس، ايقونة القداسة المشعة لأجيال طويلة، والمونسنيور المرجع طوبيا، رجل الالتزام والاتزان، وهما يلتحقان بكاهنين سبقاهما هما المونسنيور عبد الله طوبيا رجل الإرادة والإدارة، والخوري حنا ابي عاد رجل المواقف لكل المواقع.

ومن دفون ومنطقة الشحار التي تختصر بطبيعة ناسها وطيبتهم معنى لبنان وحقيقته، يسلم المطران بطرس على أهل وطنه الجامع، وقد مات بعيداً عن هواه الاَّ أنه حمله في قلبه والرئتين… وحين أغمض عينيه تحت سماء بعيدة انفتحتا على سماء أخرى جديدة لطالما حلم ببلوغها، وعاش من أجلها ونفي ومات… إنَّها سماء لبنان المتحرر والمتجدد والناهد باستمرار نحو الأفضل والأجمل والأكمل.

مع المطران بطرس شبلي وقبله الخوري يوسف الحايك، وتلك الكوكبة الساطعة من شهداء 6 أيار، أصبح الوطن الصغير بفضل بطريركه الكبير” لبنان الكبير“، وبالزخم الذي قدمه شهداؤنا بلغ لبنان، بعد ربع قرن على استشهادهم، استقلاله، وقد كان المطران الغائب حاضراً في تحقيقه من خلال الروح الوطنية التي بثها في حياته ومماته، وكذلك من خلال من كان معاونه في الأبرشية ورفيقه في المنفى وخلفه على كرسي بيروت صاحب المواقف النبوية والمدويَّة المطران اغناطيوس مبارك.

وبين دفون المولد والنشأة سنة 1871 وأضنه المنفى والغياب سنة 1917 تقصر مساحة العمر وتتسع مساحات العطاء. وقد ملأها المطران الشهيد علماً وتعليماً ومواقف جريئة، صلبة ومتجردة، أبيةٌ وسخيَّة وقد بلغت قمتها مع بذل الذات في سبيل شعب وقضية… من أجل وطن كان ونريده أبداً سراجاً مضيئاً على منارات الأمم وخميراً في عجين هذا العالم يمدُّ الجائعين بأرغفة المحبة والسلام.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بيت الزكاة والخيرات تصدر بيان حول تحرك بعض مستخدمين في البيت بإحتجاج علني

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة