“كورونا” والأزمات الاقتصادية تهدّد العام الدراسي في لبنان

“كورونا” والأزمات الاقتصادية تهدّد العام الدراسي في لبنان
“كورونا” والأزمات الاقتصادية تهدّد العام الدراسي في لبنان

مع اقتراب موعد العام الدراسي المقرر الشهر المقبل، يعيش أولياء الأمور في حالة من القلق، فتجربة التعليم أونلاين التي فرضها انتشار وباء العام الماضي لم تكن سهلة، ولكنّها قد تكون نعيماً، مقارنة بما قد تكون الحال عليه هذا العام حسب ما يؤكد أهالي التلامذة.

«واجهتنا الكثير من الصعوبات العام الماضي، عملية التعليم أونلاين لم تكن سهلة» تقول ميريام، وهي أم لتلميذين أحدهما في مرحلة التعليم الأولى والآخر في المرحلة الثانية، مضيفة في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ أول الصعوبات كمنت في القدرة على توفير أجهزة لوحية (تابلت) أو أي جهاز لولديها حتى يتمكنا من إكمال دراستهما عن بعد، ولا سيما في ظلّ انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار والذي جعل سعر أي جهاز (هاتف أو حاسوب محمول أو جهاز لوحي) أكثر من راتب زوجها لشهرين وهو موظف في شركة خاصة، مما أجبر ولديها إلى مشاركة جهاز واحد بداية العام الدراسي.

وكانت منظمة «سايف ذا تشيلدرن» (أنقذوا الأطفال) قالت في تقرير سابق إنّ الفقر في لبنان يشكّل عائقاً حاداً أمام حصول الأطفال على التعليم، إذ إنّ العديد من الأسر لا تتمكن من توفير تجهيزات التعلم أو عليها أن تعتمد على الأطفال لتوفير الدخل، محذرة من أنّ أكثر من 1.2 مليون طفل باتوا خارج أسوار مدارسهم في لبنان منذ بدء أزمة «كورونا» العام الماضي.
وأشارت إلى أن الأطفال الضعفاء يواجهون خطراً حقيقياً من عدم العودة إطلاقاً إلى المدرسة، إذ إنّ جائحة «كورونا» والتراجع الاقتصادي الذي يشهده لبنان يشكلان معاً ظروفاً تعني أن الأطفال الذين ابتعدوا عن مدارسهم بسبب القيود المفروضة قد لا يعودون إليها أبداً.

لم يقتصر الأمر على الماديات، إذ تقول ميريام إنّه يصعب على طفل لم يتجاوز السادسة من العمر التركيز واكتساب المهارات اللازمة من خلال شاشة صغيرة، مما فرض عليها في الكثير من الأحيان الجلوس جنبه ومساعدته، وتقول: «أنا لا أعمل خارج المنزل ولكن بالتأكيد الأمهات العاملات واجهن صعوبات أكثر».

تتحدّث ميريام عن الانقطاع المتكرر للتغذية الكهربائية، وبالتالي شبكة الإنترنت، مما كان يمنع ولديها من متابعة الدروس في الكثير من الأيام، ولكنّ هذا الأمر كان مقدوراً عليه العام الماضي، إذ كان استثناءً، على حد قولها، بينما بات اليوم حالة يومية، فتغذية كهرباء الدولة تنقطع لساعات قد تصل إلى 24 بينما تغذية المولدات (الشبكة البديلة) تشهد تقنيناً مرتفعاً بسبب أزمة المازوت، مما يجعل التعليم عن بعد شبه مستحيل هذا العام، رغم ارتفاع إصابات «كورونا» بشكل كبير مؤخراً.
ويشهد لبنان منذ شهر ارتفاعاً بأعداد إصابات كورونا اليومية، مما دفع المعنيين إلى التحذير من سيناريو كارثي، ولا سيما في ظل الأزمة الصحية التي تشهدها البلاد المتمثلة بنقص المستلزمات الطبية والأدوية والطاقم التمريضي بعد هجرة مئات الممرضات.
يرى نقيب المعلّمين في المدارس الخاصّة رودولف عبّود أنّه لا يمكن الحكم على تجربة العام الماضي فيما خصّ التعليم عن بعد بشكل عام، إذ إنّ الأمر اختلف من مدرسة إلى أخرى ومن تلميذ إلى آخر حسب قدرات هذا التلميذ والإمكانيات المادية للعائلة وأمور أخرى، فالتجربة كانت جيدة في عدد لا بأس به من المدارس إلّا أنّه وانطلاقاً من الأزمات التي يعيشها لبنان حالياً يبدو خيار التعليم عن بعد غير ممكن هذا العام، فأزمة الكهرباء وأزمة شح المازوت تتفاقمان، وحتى في حال تأمين المازوت لن يكون بإمكان عدد كبير من العائلات دفع تكلفة اشتراك المولد، ولا سيما في ظلّ رفع الدعم عن المحروقات.

ويعاني لبنان من أزمة كهرباء بسبب عجز الدولة عن استيراد الفيول اللازم لتوليد الطاقة، كما يعاني من أزمة شح بالمازوت، الذي لا يتوفر حالياً إلا بالسوق السوداء وبأسعار مرتفعة جداً تصل إلى أكثر من 3 أضعاف سعره المحدد من قبل الدولة، مما دفع أصحاب المولدات إلى التوقف عن العمل في عدد من المناطق.
ويرى عبود أنّ عودة التلامذة إلى المدارس حضورياً تبدو أيضاً مسألة صعبة جداً حتى لو تحسّن الوضع الصحي وتمت السيطرة على وباء كورونا، فشح مادة البنزين وارتفاع سعرها يدفع إلى السؤال عن إمكانية وصول التلامذة والأساتذة إلى المدارس، هذا فضلاً عن إمكانية توفير المدارس المازوت للتغذية الكهربائية.

ويشير عبود إلى مشكلة أخرى وهي عدم وجود العدد الكافي من الأساتذة، فخلال العامين الماضيين ترك مئات المعلمين والمعلمات العمل، إما بهدف الهجرة إلى الخارج أو لأنّ الراتب لم يعد يكفي حتى لتأمين أدنى مقومات الحياة.

وكان مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في أشار مؤخراً إلى أنّ رواتب المعلمين كانت مقبولة قبل الأزمة، إذ كانت تُضاهي معدَّلات الدول متوسِّطة الدخل وبعض الدول المتقدِّمة اقتصادياً، إذ كانت تقدَّر قبل الأزمة بـ1556 دولاراً سنوياً للصفوف الأساسية ويصل إلى و2428 دولاراً للصفوف المتوسطة والثانوية، أمَّا مع الانهيار الحالي لقيمة الليرة اللبنانية فقد هبطت قيمة الرواتب إلى مستويات منخفضة لتتراوح بين 120 و150 دولاراً شهريّاً، بما سيجعل المعلمين غير قادرين على تأمين معيشتهم وتغطية انتقالهم إلى العمل، خصوصاً مع ارتفاع سعر البنزين المتصاعد الذي يُتوقَّع أن يرتفع أكثر خلال الأشهر القادمة.
ويلفت عبود إلى أنّ اجتماعات متلاحقة ستُعقَد في الأيام المقبلة في وزارة التربية لإيجاد المخارج المناسبة للصعوبات التي تقف بوجه العام الدراسي الذي يبدو حتى اللحظة مهدداً إن كان عن بعد أو حضورياً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى