صفحة جديدة بين بيروت ودمشق.. عودة العلاقات الرسمية من الباب الاقتصادي

صفحة جديدة بين بيروت ودمشق.. عودة العلاقات الرسمية من الباب الاقتصادي
صفحة جديدة بين بيروت ودمشق.. عودة العلاقات الرسمية من الباب الاقتصادي

في خطوة هي الأولى من نوعها منذ عشر سنوات، زار وفد لبناني رسمي وضم في عداده: وزيرة الدفاع والخارجية زينة عكر، وزير المال غازي وزني، وزير الطاقة ريمون غجر، والمدير العام للأمن العام . وعقد الوفد محادثات رسمية في مقر وزارة الخارجية السورية مع وفد رسمي ترأسه وزير الخارجية فيصل المقداد، تركزت على مسألة استجرار الغاز والكهرباء من والأردن عبر سورية الى ، ولم يتطرق إلى مواضيع أخرى مع أن هناك مواضيع كثيرة ملحة وذات اهتمام مشترك مثل ملف النازحين السوريين في لبنان ومسألة التهريب عبر الحدود.

من الناحية السياسية، أهمية هذه الزيارة تكمن في أنها كسرت حالا من القطيعة اللبنانية استمرت عشر سنوات. وفي خلال هذه الفترة من التوقف والجمود على مستوى العلاقات الرسمية، كانت الاتصالات والزيارات مقتصرة على وزراء لحزب الله و«أمل» وطلال ارسلان وسليمان فرنجية، زاروا دمشق بصفة فردية وليس من ضمن مهمة رسمية، وكان اللواء عباس إبراهيم لعب دورا أساسيا في الإبقاء على خيط العلاقة قائما من خلال عملية التعاون الأمني في ملفات ذات اهتمام مشترك واتصالات واظب عليها مع كبار المسؤولين، وفي مقدمهم الرئيس ، إضافة إلى مدير المخابرات العامة اللواء علي مملوك، وأبدى المسؤولون السوريون تقديرا لدور اللواء إبراهيم وأبدوا كل استعداد للتعاون والتسهيل وتلبية مطالبه، ولكنهم كانوا دوما يشددون على نقل العلاقة والاتصالات من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، ومن النطاق الخاص الضيق إلى النطاق الرسمي الواسع.

أهمية هذه الزيارة تكمن في أنها حققت هذا الانتقال، من الباب الاقتصادي. وهذه الزيارة لم تكن لتتم لولا عاملين دفعا إليها: الأول هو الحاجة اللبنانية الماسة إلى الغاز والكهرباء من مصر والأردن وعبر سورية. وهذا لم يكن ليحصل لولا الكلام والتنسيق مع دمشق التي أرادت أو اشترطت زيارة حكومية وطلبا رسميا.

والثاني والأهم هو الموافقة الأميركية الصريحة والضوء الأخضر الذي أعطي لهذه الزيارة التي اخترقت «قانون قيصر» وتمت «برعاية أو بتغطية أميركية»، بعدما أبدى الأميركيون اهتماما بإيجاد بدائل عن سفن الوقود الإيرانية التي لم يصل أي منها بعد إلى لبنان.

ثمة أولوية مطلقة دفعت واشنطن لتعديل موقفها من مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية. وهذه الأولوية الملحة هي بمنح لبنان بعضا من الأوكسيجين، لاسيما أن الأسابيع الماضية شهدت ما يشبه الاحتضار للبنان وكادت الدولة أن تتوقف عن التنفس في ظل فقدان الكهرباء بالكامل وتوقف كهرباء المولدات بشكل كبير. وهكذا، فإن الموافقة الأميركية على زيارة أول وفد رسمي لبناني رفيع المستوى منذ أكثر من عشر سنوات إلى سورية للبحث في موضوع استقدام الغاز المصري واستجرار الكهرباء من عبر الأراضي السورية، وضعت استثناء لتطبيق «قانون قيصر». هذه الموافقة جاءت واضحة عندما طلب أحد الوزراء المعنيين بالموضوع سماع الموافقة الأميركية مباشرة وشخصيا من السفيرة الأميركية دورثي شيّا. وكان جواب شيا أن بلادها موافقة تماما على حصول هذه الزيارة.

في الأهمية الاقتصادية، هذه الزيارة التي حصلت بعد أسبوعين على إعلان رئاسة الجمهورية تبلغها موافقة واشنطن على مساعدة لبنان لاستجرار الطاقة الكهربائية والغاز من مصر والأردن. وبعدما رحب الجانب السوري بالطلب اللبناني، اتفق الجانبان على متابعة الأمور الفنية عبر فريق فني مشترك. ومن المنتظر أن تشهد العاصمة الأردنية غدا اجتماعا، للوزراء المعنيين من سورية والأردن ومصر ولبنان، لتوقيع مذكرة تفاهم بشأن نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسورية، كما لتوقيع مذكرة أردنية ـ سورية ـ لبنانية لاستجرار الكهرباء من الأردن إلى لبنان.

ويبدو أن عمان نجحت، بحسب مراقبين، في كسر الحصار المفروض على سورية تحت ضغط الاستجابة لأزمة الطاقة التي يشهدها لبنان، في وقت يتوافر فيه الفائض من إنتاج الطاقة الكهربائية في الأردن، وتوفر البنية التحتية شبه الجاهزة لعبور الغاز المصري من الأردن وسورية وصولا إلى لبنان.

وما إن أعلنت دمشق الموافقة على طلب الجانب اللبناني المساعدة في تمرير الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية، وأكدت استعدادها لتلبية ذلك، حتى أعلنت مصادر أردنية عن موعد عقد الاجتماع الرباعي. وكانت الديبلوماسية الأردنية حملت ملف الطاقة اللبناني في زيارتين وصفتا بالمهمتين، إلى واشنطن وموسكو، ولقاء العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بالرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الشهرين الماضيين. وكشفت مصادر سياسية رفيعة عن لقاءات لم يتم الإعلان عنها مع قيادات سياسية لبنانية انعقدت في القصر الملكي في عمان، وفي وقت يسعى عبدالله الثاني لتقديم المساعدة المطلوبة تجاه دعم مؤسسات الدولة والجيش في لبنان، للحفاظ على أمنه واستقراره ووحدته، وضمان سرعة تقديم المساعدات في مجالات الطاقة، بعد استعداد أردني لتزويد لبنان بالغاز المصري والكهرباء الأردنية، على أن تجهيز خطوط شبكات نقل الكهرباء يحتاج لأشهر لاستكمال مراحلها، ما يتطلب دعما فوريا لجهود فرض الحماية لنقاط محطات الطاقة داخل الحدود السورية، بحسب ما تحدثت مصادر أردنية.

الخطة التي أعلن عنها تساهم في مساعدة لبنان عن طريق توفير كميات من الغاز المصري إلى الأردن، تمكنه من إنتاج كميات إضافية من الكهرباء لوضعها على الشبكة التي تربط الأردن لبنان عبر سورية، كما سيتم تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسورية وصولا إلى شمال لبنان. ولابد من التذكير بأن الغاز المصري وصل إلى لبنان في العام 2008 عبر خليج العقبة مرورا بسورية، يومها استمرت عملية استجرار الغاز حوالى 9 أشهر. وتتجه الأنظار إلى حظوظ نجاح هذه الخطوة وتبعاتها التي تساهم في حل جزء من أزمة الكهرباء التي تعصف بلبنان توازيا مع وصول النفط العراقي المطابق لمواصفات معامل الكهرباء في لبنان في الأيام المقبلة. ونجاح الخطة الأميركية قد يساعد لبنان على إنتاج ما يمكن أن يصل إلى 2500 ميغاواط في معامل الكهرباء الحالية من خلال استخدام الغاز المصري، إضافة إلى ما يقارب 1000 ميغاواط من الكهرباء يتم استجرارها من الأردن بعد توسيع الشبكة، مما يعطي حاجة لبنان كاملة من الكهرباء، مع أخذ النتائج المرتقبة لتغذية المعامل بالنفط العراقي خلال المرحلة المقبلة في الاعتبار.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى