ولادة الحكومة… رواية متفائلة وأخرى جوهرها التشاؤم الكليّ

ولادة الحكومة… رواية متفائلة وأخرى جوهرها التشاؤم الكليّ
ولادة الحكومة… رواية متفائلة وأخرى جوهرها التشاؤم الكليّ

في غياب الخبر اليقين، تأرجحت التقديرات لِما سيؤول اليه الملف الحكومي، وسط تأكيدات لبعض المعنيين بملف التأليف انّ الامور قد بلغت خواتيمها بدفعٍ قوي هذه المرة من الفرنسيين الذي كانوا حاضرين على الدوام في هذا الملف، وبشراكة مباشرة وبزخم اكبر هذه المرة من الاميركيين، حيث كانت خطوط مفتوحة في كل الاتجاهات. وبحسب تقدير هؤلاء المعنيين فإن اليومين المقبلين حاسمان على هذا الصعيد، حيث ما زال هناك بعض «الروتوش» على التفاهم، يفترض ان يُنجز خلال ساعات قليلة، تولد الحكومة بعدها بشكل رسمي قبل نهاية الاسبوع الجاري، وإنّ يومي الاربعاء والخميس حاسمان على هذا الصعيد.

ولكن في موازاة هذه الرواية المتفائلة، تبرز رواية مناقضة جوهرها التشاؤم الكلّي، حيث يؤكد اصحاب هذه الرواية انهم ليسوا مطمئنين من اكتمال المشهد الايجابي، فحتى الآن ليس هناك ما يؤكد وجود إرادة جدية بتأليف الحكومة. واذا ما عدنا الى الخطاب المتبادل بين المعنيين بالملف الحكومي، يتبيّن بما لا يقبل أدنى شك أن النيات السياسية المرتبطة بعملية التأليف ليست سليمة، فضلاً عن الدخول الفرنسي او الاميركي الذي سبق له ان غاص عميقاً في ملف التأليف، من دون ان تبرز اي استجابة له، فما الذي تبدل اليوم؟

ويبني هؤلاء روايتهم المتشائمة على ان الرئيسين الشريكين في تأليف الحكومة، وعلى رغم حرصهما المتبادل على لغة التخاطب الهادىء بينهما منذ تكليف ميقاتي قبل خمسة اسابيع، وتجنّبهما الدّخول في سجال مباشر، علماً أن الامور كادت ان تفلت من أيديهما لو لم يتداركا ويحتويا ما سمّيت «حرب البيانات» الأخيرة وما تضمّنته من اتهامات بالتعطيل، إلّا انّهما، على ما يقول المطلّعون، ليسا مطمئنّين لبعضهما البعض، والمسألة ليست بنت ساعتها، بل هي تعود إلى البدايات، فالفريق الرئاسي يعتبر نفسه أنّه تجرّع تكليف ميقاتي رغم إرادته، وهو بالتالي حَذِرٌ منه من البداية باعتبار ميقاتي يشكل امتداداً للخصوم، وعلى وجه التحديد الذين يتمركزون في نادي رؤساء الحكومات السابقين وميقاتي عضو في هذا النادي، فلم يسمّه في الإستشارات الملزمة، وقبل يوم واحد من تلك الاستشارات تبلّغ ميقاتي صراحة من رئيس التيّار الوطني بأنّ تكتله النيابي لن يسمّيه ولن يمنح حكومته الثقة.

يضاف الى ذلك الكلام الرئاسي المباشر الذي قيل خلال تلك الاستشارات على مسمع بعض النواب الحلفاء للعهد، وعكسَ عدم ارتياح لتكليف ميقاتي وحرفيّته «الحمدلله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه».

ويجزم اصحاب الرواية المتشائمة ان كل الطروحات التي تمّ تبادلها بين الرئيسين في لقاءاتهما الـ13، جرى التداول فيها في جوّ من الحذر المتبادل، الذي لم يمكّنهما من بلوغ مساحة مشتركة تُبنى عليها حكومة متوازنة بلا ثلث معطّل لأي طرف. بل أبقاهما في حال دوران في متاهة تارة حول الحقائب الوزارية، وتارة ثانية حول الاسماء المقترحة للتوزير، وتارة ثالثة حول الوزيرين المسيحيين واصرار الرئيس على تسميتهما، وكذلك الأمر بالنسبة الى العقدة الاساس المتمثلة بالثلث المعطّل الذي يقول الرئيس عون انه لا يطالب به، فيما كلّ الآخرين يجزمون بإصراره عليه، بدليل أنّ كل الطروحات الرئاسية تؤدي الى الثلث المعطّل واكثر.

تخلص الرواية المتشائمة الى الاشارة الى أنّ قرار الإقلاع بحكومة ليس ناضجا حتى الآن، ويُخشى الا ينضج هذا القرار، ذلك أنّ ثمة معوقات كثيرة ما زالت تعترض مسار التأليف. فمن جهة، الرئيسان عون وميقاتي لا يريحان بعضهما بعضاً، فلكلّ منهما رؤيته وسقفه الذي لا ينزل تحته. ومن جهة ثانية، الآخرون لا يريحان رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف، ويتبدّى ذلك في مداخلات سياسية كثيرة دخلت على خط التأليف، وبعضها حاول، وفي الخفاء، إرباك الرئيس المكلف والتشويش على دوره ومساعيه لتأليف الحكومة، أما بعضها الآخر فجاء على شكل طروحات ومطالب مبالَغ فيها، بحيث أنّ أطرافاً أصرّت على حقائب معيّنة، وأطرافاً أخرى أصرّت على أسماء لوزراء بعضهم من طائفة واحدة ومن منطقة واحدة، بما استفزّ الفريق الرئاسي.

وتتقاطع تلك الرواية مع قلق تُبديه مراجع مسؤولة مما تعتبرها مؤشرات غير مطمئنة، يخشى ان تلفح ارتدادتها ملف التأليف، بدءاً من التوتر السياسي المتفاقم على أكثر من خط داخلي. وتندرج في هذا السياق المواقف المتصاعدة للتيار الوطني الحر وتلويحه باتخاذ خطوات تصعيدية، ومن ضمنها الاستقالة من مجلس النواب، وكان باسيل قد ألمح الى ذلك في الجلسة الاخيرة لمجلس النواب، معلناً اننا لا نستطيع ان نكون مكتوفي الايدي امام ما يجري.

وتندرج في هذا السياق ايضاً الاستحقاقات المنتظرة في ايلول، خصوصاً لناحية رفع الدعم عن المحروقات وغير ذلك من السلع، وما قد يترتّب على ذلك من تداعيات وتحرّكات لا سقف لها في الشارع، تُنذر بانفجار اجتماعي وفوضى، والأجهزة الأمنية على اختلافها يدها على قلبها وتخشى من انفلات الأمور الى حدّ يستحيل احتواؤه، فكيف يمكن أن تتشكّل حكومة في هذه الأجواء؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى