حكومةُ ميقاتي لها وعليها… وفرصتُها ضيّقة جدًا

حكومةُ ميقاتي لها وعليها… وفرصتُها ضيّقة جدًا
حكومةُ ميقاتي لها وعليها… وفرصتُها ضيّقة جدًا

كتب أحمد الزعبي في “اللواء”:

كل شيء يَشي بأن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تريد الإنجاز، بالرغم من كل الثغرات والاختلالات التي رافقت ولادتها، وبعض الوجوه التي ضمّتها.. تريد الإنجاز لإدراك رئيسها أولاً بأن الوضع في تجاوز القعر وبأن مهمته «انتحاريّة»، وهو ما كرره في أكثر من إطلالة بعد تشكيل الحكومة، راسماً خارطة طريق منطقيّة وطموحة لإحداث خرق في جدار الانسداد، ومن ثمّ لأن المكابرة وعَراضات استقبال الصهاريج بالقذائف والزغاريد قد تفيد في اللعبة السياسية الآنيّة والضيّقة، لكنها كارثية على المستوى الوطني.

ببنود رشيقة، لم تغيّب الحوار مع صندوق النقد والإصلاحات والانتخابات باعتبارها أولويات ملحّة، سيمرّ البيان الوزاري المقتضب في مجلس النواب اليوم، لتنال الحكومة سريعاً الثقة وتنطلق في رحلة محفوفة بكل المخاطر والتحديات، وأولها أن الثقة النيابية المضمونة لا تُعفي من طلب ثقة الشعب الذي ملأ الساحات والشوارع على مدى سنتين، وتردّد صداه في عواصم الاغتراب طلباً للتغيير وتحرير القرار الوطني ومراعاة أولويات أخرى لا يمكن لأي حكومة أن تتخطاها

فرصٌ وتحديات

أغلب الظنّ أن الحكومة تعرف الهاوية التي يتخبط فيها لبنان وشعبه، وأن أمامها تحديات الرغيف والدواء والبنزين والمياه والتعليم والبطالة، ونفق العتمة وطوابير العار، وتحدّي تحرير البلد من وحوش المافيا ومليشيا السلاح، وتدرك بالتالي أن تقاطع المصالح الدولية والإقليمية ليس بديلاً عن العمل الجادّ، هكذا يكون التنويه والترحيب الدولي المقرون بالتزام معايير الشفافية والاستقلالية في عمل الحكومة تحصيل حاصل، ويكون تالياً التحدي الأهم أمام الحكومة هو فكّ عزلة لبنان العربية، (مع الأخ الأكبر بحسب الرئيس ميقاتي لـ CNN)، وعدم اللجوء إلى أدبيات التضليل التي تشتهر بها السياسة اللبنانية، والصمت العربي تجاه الحكومة الوليدة معبّرٌ جداً ويغني عن كثير من الكلام. عليها أن تثبت أنها ليست حكومة التناغم الفرنسي – الإيراني بغطاء أميركي (فالودّ بين الكبار لا يدوم، وليس ثابتاً، وأزمة الغواصات بين وأميركا خير دليل)، بل حكومة احترام الشرعيّتين الدولية والعربية فعلاً لا كلاماً وشعارات.

تأسيساً على ما سبق، أمام حكومة ميقاتي تحديات كبيرة وصعبة، لكن ذلك لا يمنع من أن ثمة فرصاً ونقاط قوة يمكنها توظيفها في سياق استعادة ثقة الشعب والعالم، لذلك هي أمام الامتحان الأصعب مقارنة بالواقع الكارثي والأزمة المستفحلة، وقياساً على التوقعات والانجازات المطلوبة منها، باختصار هي أمام فرصة ضيقة للغاية لإحداث خرق، ولو ضئيل، في جدار البؤس والفشل.

في سجلّ فرص الحكومة؛ نوايا رئيسها الحَسنة وإرادته النجاح، لكن ذلك وحده لا يكفي من دون إرادة العمل والحيادية ومواجهة كيدية وشعبوية البعض، ومواجهة الجوع القديم للنهب عند أطراف سياسية عديدة.. النية شيء والانجاز شيء آخر، والأهم قرار ميقاتي بصونِ الموقع والمقام وإستعادة فاعليته الدستورية والوطنية والمؤسساتية.. وهذه أمور لا تُمنح من هذا أو ذاك، بل تؤخذ أخذاً بالأداء والصلابة والاستقامة والالتزام بالدستور والاستماع لمطالب الناس الذين هم مصدر الشرعية وسقف المشروعية.

للمرة الأَلف، إن أداء حكومات ما بعد العام 2005، أي منذ الخروج النظري للوصاية السورية، سواء حكومات تحالف 14 و8 آذار، وحكومات الوحدة الوطنية، والتوافق الوطني، والثلث المعطل، والسوبر وزير وحكومات صهر الجمهورية.. وإلى اليوم، كلها فاشلة وجلبت الخراب والإفلاس والعزلة على البلد لعدم احترامها متطلبات العمل الديموقراطي والنظام الجمهوري البرلماني لناحية الفصل بين السلطات، وعدم احترام التزامات الإصلاح ومحاربة الفساد، وبيع الكثير الكثير من الأكاذيب للعالمين العربي والدولي، وبالتالي الحكومة الحالية –أو رئيسها تحديداً – أمام تحدّي إعادة إحياء تقاليد الحكم بطريقة دستورية ومؤسساتية بطريقة سليمة، أقله فيما يتصل بصلاحياته الدستورية كرئيس للسلطة التنفيذية، ومسؤوليته في صياغة سياسات الحكومة والإشراف على تنفيذها وعدم السماح بالمسّ بها. والكلام هنا ليس تكراراً للنواح على موقع أو صلاحيات (لا تُسترجع بالتغزّل بالدستور والشراكة)، بل لأن عبثية التهميش والاستفراد والكيدية، وادّعاء انتصارات كاذبة، وتغوّل السلاح على الدولة، كلها أحدثت خللاً خطيراً في التوازن الوطني، ولا يمكن القبول بأن تكون مهمة رئاسة الحكومة الإشراف على بطاقات تمويلية للشعب وإعلان لبنان بلداً جائعاً ومنهوباً ومفلساً!!

العدالة أساس لا تَرف

ما سبق ليس تزكية مسبقة لحكومة شابتها منذ لحظة ولادتها إشكاليات كثيرة، وليس تكبيراً للحجر عليها، ذلك أن هذه الحكومة وإن ضمّت قلّة من ذوي الخبرة والترفّع كوزيري الصحة والتربية، لكنها ضمت متسلّقين وتنابل وبليدي الذهن، كما أن المحاصصة الحزبية، سيئة الصيت، شوّهتها وقد بلغت ذروتها بالأشكال التي صدمت اللبنانيين منذ أول دررٍ فاحت من أفواههم.

أما وقد وضعت الحكومة في أولوياتها معالجة الأزمة الحياتية ومحاورة صندوق النقد والإصلاح والتمهيد للانتخابات، ثمّة أسئلة ضرورية تتأسّس على هول الأزمة القائمة؛ كيف ستتعاطى مع ملفي مرفأ وتفجير التليل في ؟ وهل تدرك ان العدالة أساس في الاستقرار ولا تموت بتقادم الزمن؟ وما مصير ودائع المواطنين والأموال المنهوبة؟ وهل ستجري الانتخابات على أساس قانون منطقي، أم القانون المسخ الذي صُمّمَ لإنجاح فاشل واحد؟ وهل تتوقع دعماً عربياً ودولياً من دون نأي بالنفس وبرامج إصلاحية ومحاربة الفساد بشكل حقيقي وفاعل، وليس مجرد كلام طنان فارغ كالذي دَأبت عليه الحكومات منذ سtنين؟ وهل يستقيم أنّ تطلب الحكومة مساعدة الدول الشقيقة والصديقة في ظلّ السياسة العدائية التي ينتهجها «» تجاه دول الخليج العربي ولا سيما المملكة العربية ؟! هكذا، ومن دون فرقٍ ملموس ستكون هذه الحكومة تكراراً لسابقتها أو سابقاتها وستؤكد للمرة الألف أن الطبقة السياسية لم ولن تتعلم شيئاً ولا تريد تغيير ذهنية الحكم القائمة على معايير الفساد والانتهاب لا إدارة الشأن العام بشفافية ونزاهة.

بُعيد ولادتها، أوصى الرئيس عون الوزراء الجدد بالإقلال من الكلام، ويبدو أنه كان محقاً في ذلك، وهو طمأن اللبنانيين بالأمس، أن السنة الأخيرة من عهده ستكون سنة الإصلاحات!! لندعَ الإصلاح إلى السلطات المختصة من حكومة ومجلس نيابي، الشيء المهم أنها السنة الأخيرة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى