مَعِن عبدالحميد كرامي: “هذا أبي”

مَعِن عبدالحميد كرامي: “هذا أبي”
مَعِن عبدالحميد كرامي: “هذا أبي”

كتبت مرلين وهبة في صحيفة “الجمهورية”:

 

كانت ليلة عيد الاستقلال، فتعالت أصوات المفرقعات والأسهم النارية، ففتح رجل الإستقلال عبد الحميد كرامي عينيه للوداع الأخير، فسارعت العائلة الى معايدته “كل عام وأنت بخير”، فكانت آخر كلماته “وصيتي أن تحافظوا على الاستقلال”. وأسلم الروح.

“في عيد الاستقلال غاب بطل الاستقلال”، هكذا صدرت عناوين الصحف صباحاً.

لطالما حاولت استمالته بالحسنى، فرفض. وحاولت قمعه بالقوة، فما لان. نفته واعتقلته مراراً، فما تراخى. ظلّ كما هو وقَبِل التحدّي.

 

شمعون يُلبس كرامي بزّة غربيّة

عنه يتحدّث إبنه البكر معن، ويقول لـ”الجمهورية”: “نحن نعتبر والدنا “المعلّم”، وهو الذي هدانا الى الدرب المستقيم، نؤمن بالعرب والعروبة، ووحدة أرض وبالتفاهم الكامل بين مختلف الناس. والدي كان بعيداً من التعصّب الطائفي. مسلم سنّي متعصّب لدينه وليس ضد الأديان الأخرى. كان مفتياً، وأرادت “بعثة كرين” الفرنسية منعه من حكم لبنان على طريقته وعلى اعطاء رأيه في “حرّية واستقلال لبنان” لأنّهم أرادوا انتداب لبنان، فأقالوه.

ونسأل معن كرامي عن “سالفة” يخصّ بها “الجمهورية” فروى، أنّه “حين اقتادوه من “مرياطة” الى سجن كان في ثياب النوم، فتأثّر الرئيس كميل شمعون لمشهد الزعيم عبد الحميد كرامي الّذي شعر بالبرد مساء فسأله: “هل تسمح بأن أكسيك ببزّة غربية وهي بزّتي؟”، وافق الرئيس كرامي. وكانت المرّة الأولى التي يخلع فيها العمامة ويرتدي اللباس الفرنجي.

“بنعمة الاستقلال خلعنا اللفة والشروال”

بعد تحريره من قلعة راشيا، قصد عبد الحميد كرامي بيت صائب سلام، فجاءته الحشود البيروتية للترحيب به، فخرج الى الشرفة ولم تتعرّف اليه الجماهير، فأخذ صائب بك عمامة شيخ كان بقربه ووضعها على رأس كرامي، فعلا التصفيق والهتاف.

وكثرت التعليقات على تلك السالفة بعد خروج عبد الحميد من سجن راشيا، كما توالت الاحتفالات، ومنها في ، أحياها الشاعر “الزعني”، غنّى فيها “إبن الكرامي له علامة إبن الزعامة أين العمامة”. فردّ عليه عبد الحميد ضاحكاً: “بنعمة الاستقلال خلعنا اللفة والشروال”.

“بعدها، أقام أبي استقبالاً كبيراً لكميل شمعون في وقال: “جئت الى راشيا عرياناً فكساني أخي وصديقي كميل شمعون”.

 

“أطلق الرصاص”

كما يروي معن كرامي، أنّ “المعارضة اتفقت على الاجتماع في منزل رشيد جنبلاط عام 1947، فاستدعى رئيس الجمهورية الحكومة وطلب قمع الاجتماع. لكن المعارضة أصرّت على كسر الطوق، وكان التحدّي عند قدوم عبد الحميد، فمن يمنعه ؟! تقدّم ومعه الفرد نقاش ونهاد ارسلان وآخرون، وما أن وصلوا إلى أمام دارة جنبلاط حتى تصدّت لهم دورية من الدرك، على رأسها ضابط من آل الدويهي اتخذ وضعية المواجهة وخُرطِشت البنادق وقال الضابط لعبد الحميد: “يا دولة الأفندي عندي أوامر صريحة بأن أمنع وصولكم، وتلك وظيفتي”. ردّ عبد الحميد: “سندخل وافعل ما تشاء”. شهر رجال الدرك بنادقهم المحشوة، ففتح عبد الحميد صدره وقال للضابط: “تفضل أطلق الرصاص”. فدمعت عينا الدويهي وقال لعبد الحميد: “يا دولة الرئيس لا تهدم رزق أولادي، أنت تعرف معزّتك. الأمر ليس بيدي”. نظر عبد الحميد الى زملائه وتأمّل وجه الضابط مليّاً، ثم طلب من رفاقه العودة قائلاً: “لا نريد ان نخرب بيت هذا الضابط”.

في ذكرى مماته الذي يصادف ذكرى الاستقلال، يقول معن كرامي لوالده: “ضيعان تعبك يا عبد الحميد كرامي. ضيعان التضحيات التي قدّمتها في سبيل استقلال لبنان، لأنهم باعوه بأبخس الأثمان. وأقول لك يا والدي، لقد باعوا كرامة لبنان وحرّيته ولم يتركوا لنا شيئاً مما تركتموه لنا، ولم يحفظوا وصيّتك يوم مماتك، يوم الاستقلال”.

ويتابع: “حافظنا في منزلنا على إرثه، وهو يقيم معنا ونستذكره يومياً. هو المعلّم وليس الوالد فقط، لن نتغيّر وسنبقى على وصاياه”.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى