هل حانت ساعة المواجهة؟

هل حانت ساعة المواجهة؟
هل حانت ساعة المواجهة؟

كتب احمد الأيوبي في “اللواء”:

 

شنّ رئيس وزير الخارجية سلسلة غاراتٍ على مضارب السراي الحكومي، مستخدماً سلاح العسكريين المتقاعدين في اختراق أمن الرئاسة الثالثة ومحاولة إقتحام مقرها والتهديد العلني بطرد ساكنها وتوجيه الشتائم المباشرة إليه، ومتنقلاً كحصان طروادة من داخل الأسوار، ضارباً مسار العمل الحكومي، عبر طرح ورقة بديلة للموازنة بعد 13 جلسة من النقاشات الشاملة.

وليكتمل الغزو يتم ترحيل الموازنة إلى قصر بعبدا لتكريس القرار المتخذ بمنع صدور أي قرار ذي أهمية عن الحكومة، إلا في جلسة يترأسها رئيس الجمهورية، بينما تتراجع صورة الرئيس بشكلٍ متسارع، ليتخذ وضعية الصمت بدعوى تمرير المرحلة.

لم يترك جبران باسيل وسيلة إلا واستخدمها للنيل من صورة الحريري بشكلٍ علنيّ وفاضح، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان مرحلة ما قبل للانتخابات التي ترافقت مع سيطرة موجة واسعة من الإحباط في الأوساط الإسلامية، والتي يبدو أنها ستعود مع هذا الأداء السياسي المثير للقلق الشديد، خاصة بعد تجربة التعيينات السابقة في القضاء والإدارة، وتلك المنتظرة في المرحلة المقبلة.

والاعتراض السني على التطاول على الصلاحيات ليس جديداً، بل هو مرتبط بالتسوية وما سبقها وما تلاها من محاولة فرض أعرافٍ لا تطيح بمقام الرئاسة الثالثة فقط بل تستهدف بكلّيته. وهذا ما دأب الرئيس تمام سلام على التحذير منه، فكانت كلمته الجديّة، من المرّات القليلة منذ خروجه من رئاسة الحكومة، وذلك خلال جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة الحالية. حينها حذّر سلام من «خطيئة» ممارسة قوى سياسية «تريد إعادة الساعة الوطنية إلى الوراء، عبر اختراع مفاهيم وقواعد تخلّ بالنظام السياسي في البلاد»، معتبراً أن «ثمة قوى تعبث بخفّة شديدة بالقواعد الدستورية، وتجازف بلا وجل بركائز البنيان الوطني»، محذراً من أنّ «البلاد لا تحتمل هذا القدر من الاستئثار والاستكبار».

تكرار المشهد الطاغي لجبران على صلاحيات الرئاسة الثالثة دفع بالرئيس نجيب ميقاتي أيضاً إلى التحذير الشديد اللهجة «من العودة إلى فرض أعرافٍ تضرب الدستور». ورغم لجوئه إلى التلميح بدل التصريح المباشر، إلا أنّ ميقاتي حذّر من التمادي في محاولة التعدي على الصلاحيات الدستورية والإخلال بالتوازنات القائمة والاستقواء بالتعطيل  لتحقيق مكاسب وبطولات وهمية منبهاً من خطورة إستفزاز الشارع أو دفعه للشعور بالغبن لأن ذلك لن يكون في مصلحة أحد.

وأمام استعصاء الوصول إلى وقف هذا التدهور، كانت دعوة النائب إلى إحياء المقاومة السياسية في مواجهة الإحتلال المتنقل بين الطوائف ومجموعة مسيحية أصابتها لوثة التطرف بحيث باتت تهدّد الصيغة اللبنانية وعيشها المشترك باسم الحقوق، بينما هي تعتدي ليل نهار على حقوق جميع اللبنانيين من خلال ضرب الدستور.

المشنوق، المتباطئ في الذهاب نحو المواجهة وبدء معركةٍ جديدة في حياته السياسية، لم يعد يرى، كما مجمل اللبنانيين المؤمنين بوطنهم، سوى الاستمرار «في المقاومة السياسية»، على ثغور ، وفي وديان السياسة وعلى جبال «الاحتلال السياسي»، كما جاء في كلمته التي رثا خلالها البطريرك صفير مذكّراً بالمفتي الشهيد حسن خالد ودوه الاعتراضي ودرسه «في قول كلمة: لا».

مسار مقلق

لم ينسَ اللبنانيون بعد كيف تمّ تعيين سليم جريصاتي، محامي المتهمين باغتيال الشهيد رفيق الحريري، وزيراً للعدل، وكيف تم تسليم رقاب القضاة اللبنانيين في المحكمة الدولية إلى جبران باسيل بحجة أن المواقع التي يشغلونها هي للمسيحيين. وواقع الحال هو أن هؤلاء القضاة لم يخاطروا بأمنهم وبمستقبلهم المهني لأنهم مسيحيون، بل لأنهم من الشرفاء الذين قرروا حمل قضية الشهيد رفيق الحريري، لكنهم تحوّلوا إلى ضحايا التسوية الرئاسية التي أطاحت بهم.

ولا يمكن تجاهل كارثة قانون الإنتخاب الذي أعطى خصوم الحريري أغلبية برلمانية سمحت لـ«» بالإمساك بمفاصل اللعبة السياسية، وكانت موافقة الحريري عليه بمثابة إطلاق الرصاصة على الرأس.

ولم ينسَ اللبنانيون بعد كيف اجتاح جبران باسيل مؤسسات الدولة، فعيّن المئات من أتباعه في كهرباء لبنان وقاديشا وفي مصفاة النفط المعطلة بطرابلس، آتياً بهم من البترون على حساب أبناء المدينة المحاصرة والباحثة عن بصيص وظيفة..

وقفة مع الحريري

وقف الرئيس سعد الحريري في الإفطار المركزي لتيار المستقبل متحدثاً حول نقاط عدة ، أهمها:

– تجربة الشهيد رفيق الحريري في الحكم وإدارة الإقتصاد والأعمال، ولكن المفارقة المؤسفة هي أنه مع إستذكار إرث الراحل الكبير، فإن شركة «سعودي أوجيه» وهي درّة أعمال الشهيد، في طريقها للاندثار.

– دعا الحريري إلى التواضع وإلى التخلص مما أسماه «آفة أن كل شخص يريد أن يكون زعيما. ليس هناك زعامة. القصة ليست قصة زعامة، القصة قصة بلد».

في الواقع، الحملة الإنتخابية والسياسية لتيار المستقبل كان أساسها تثبيت زعامة الحريري وإقصاء كل معارضيه، سواء بالصدام قبل الانتخابات، أو بالتسويات بعدها.

كما فهم الكثيرون أن هذا الكلام موجه إلى القيادات في ، التي يمارس معظمها إستعلاء وتكبراً مشهوداً على الناس.

– دعا الحريري إلى العمل الجماعي، بينما لم يعد في فريقه سوى من لا يعرف للنصيحة باباً وكل دأبه التزلّف و«تبييض الوجه» وتجاهل واجب تقديم الرأي الصواب والتحذير من مخاطر القرارات الخاطئة، حتى خلت الساحة لشياطين الصفقات وأصحاب الدسائس والفتن.

سعد الذي يشبه جبران

في هذا الخطاب، بدا أن سعد الحريري صار يشبه جبران باسيل الذي يتحدث عكس الواقع، بحيث يأتي كلامه مناقضاً لحقيقة الوضع القائم ، وهي استراتيجية يبدو أنها تتمدّد.

أفاض سعد الحريري بالحديث عن رفيق الحريري الذي «لم يعمل وحيدا، بل هناك الكثير من أصدقائه اليوم هنا، هذا نهاد وذاك محمد وعمتي بهية وريا ومحمد السماك وفؤاد السنيورة والمفتي، جميعهم كانوا يعملون مع رفيق الحريري، الذي لم يكن شخصا يعمل وحده، بل كان يعمل كفريق..».

وواقع الحال أن كل فريق رفيق الحريري أصبح خارج دائرة التعاون مع سعد الحريري، ابتداء من ثم مجموعة العشرين التي تضم أهم النخب السنية، ونهاد المشنوق الذي طالما نافح عن سعد في أحلك الأوقات والظروف، حتى أن باسم السبع لم يستطع الصمود فغادر على أسفٍ وانكسار، ولو لم تفرض انتخابات الفرعية الأخيرة في طرابلس نفسها لكان أشرف ريفي لا يزال «عدواً» لدوداً.

تحت شعار تمرير المرحلة يغرق الرئيس الحريري في الصمت والغياب، فيتحرّك بعض نوابه للتطبيل، لكن ما يفوتهم في هذا السياق أن المشاركة في الحكم هي سلسلة متواصلة من الاستحقاقات، ينتهي أحدها ليبدأ الآخر ، فهل سنبقى أسرى لشعار تمرير المرحلة طالما الرئيس الحريري في الحكم؟!

متى المواجهة؟

أعلن جبران باسيل من البقاع، بوضوح تام أنه يشنّ حرباً سياسية مفتوحة ضد إتفاق الطائف ضد السنَّة في لبنان، عندما قال امام 20 ناشطاً سنياً خارج دائرة تيّار «المستقبل»: «إن السنيَّة السياسية أتت على جثة المارونية وسلبتها كل حقوقها ومكتسباتها، ونحن نريد إستعادتها منهم بشكل كامل».

هل يُمكن بعد خروج هذا الكلام إلى العلن أن يبقى الرئيس سعد الحريري أسير هذا التحالف المهين لكرامة أهل السنَّة. تحالف بات يهدّد وجودهم ومستقبلهم، وينذر بكارثة وطنية كبرى لا يمكن تجنبها إلا بالعودة إلى مواطن القوة والانخراط في مواجهة وطنية مفتوحة تستقطب أهل الطائف ومرجعياته المؤسِّسة، من دار الفتوى إلى بكركي، ورجالاته وقواه وأحزابه السيادية، لكنها لن تكون مجدية إذا لم يلتئم البيت السنـّي برجالاته وقواه الحية، وتحديداً أولئك الحراس الدائمين لمقام رئاسة الحكومة، والذين هم دائمو الحضور في اللحظات المصيرية. وهذا ما يفعله وتمام سلام ونجيب ميقاتي ونهاد المشنوق ومجموعة العشرين وكثيرون يشكّلون الحصانة والحماية للتوازن الوطني الضامن للسلم والحامي للوحدة.

فمتى نذهب إلى المواجهة، أو المقاومة السياسية لعلّها توقف مسلسل التنازلات والهزائم الذي يبدو كأنه لن ينتهي، ومقاومة سياسية لا بدّ منها، بشكل جماعي، أو حتّى فرادى.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى