حقيقة أم حلم؟

حقيقة أم حلم؟
حقيقة أم حلم؟

ليس الهدف مما أكتب استهداف أحد أو النيل من أحد آخر أو التجريح بأحد ثالث ممن هم الآن في السلطة أو ممن سبقوهم إليها واستمتعوا بمغانمها، بقدر ما أردت توصيف الواقع الذي نعيشه في بقعة جغرافية لم ترقَ بعد إلى الدولة ومنطق الدولة وحكم الدولة.

أقول بأن هدفي هو أن أنقل بدقة وصدق ما يقوله المفكر والتاجر والعامل والمزارع في هذه الدولة وفي السلطة الحاكمة منذ تأسيس الجمهورية حتى تاريخه لعلني أنجح في التعبير الدقيق عن رأي هؤلاء جميعاً في الواقع الذي يعيشونه.

إعتاد اللبنانيون جميعاً أن يعيشوا في ظل دولة لا يولي الحكام فيها أي اهتمام بأحوالهم وشؤون حياتهم اليومية بل يتسابقون في ما بينهم على اغتنام الفرص للحصول على المغانم والمكاسب على اختلافها، مستفيدين في ذلك من اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي لإلهاء الشعب عن حقوقه الطبيعية المشروعة، والإكتفاء فقط بالإشادة بمواقف أهل السلطة والإستتباع لهم كلٌّ حسب انتمائه الطائفي والمذهبي بمعزل عن الحالة المزرية التي يعيشونها في ظل هذه الأحكام وهؤلاء الحاكمين إلى أن تحوّلت الدولة بفعل إصرار هؤلاء الحكام على البقاء في السلطة إلى ما يشبه الدولة أو إلى عدّة دويلات يتقاسم صانعوها المغانم في ما بينهم، وأكثر من ذلك حتى انعدم وجود الدولة كمؤسسات تعمل كلٌّ في إطارها بشكل منتظم ومسؤول بما يؤدي إلى انتظام هذه المؤسسات، وتفعيل عملها بما يُعزّز وجود الدولة بكل ما تعنيه الكلمة، وما يؤمّن الانتظام العام تحت سقفها الواحد، الأمر الذي أدى حتماً الى الواقع الذي يعيشه اللبناني في ظل ما يسمى الدولة، وهو مهما حاولنا التعمية واقع مرير بلغ حدود انعدام وجود الدولة وكثُرَ في كل الأندية الإقليمية والدولية الكلام الصريح عن الدولة الفاشلة، وهذا الكلام صحيح بنسبة كبيرة ما دام أرباب السلطة لا يُعيرون أي اهتمام بكيفية بناء الدولة العادلة والقادرة على تأمين كل فرص الحياة الكريمة لأبنائها، لأنهم مشغولون بأمور أخرى كثيرة لا علاقة لها بالشعب ومصيره، ولا حتى بكيفية بناء الدولة العادلة والقادرة وتقويتها.

ولست هنا في صدد الإنتقاص من السلطة الحالية لأنها في نظري ونظر الكثيرين تشكّل امتداداً طبيعياً للذين سبقوهم في التربع على عرش السلطة وفي استغلال وجودهم في هذا الموقع لإملاء جيوبهم بالقرش الحرام الذي يفترض أن يصرف في خدمة الشعب وفي توفير كل فرص الحياة اللائقة له، كما يصرف في خدمة قيام دولة نظيفة من الفاسدين والمفسدين، وفي قيام مؤسسات تحافظ على الدولة، وعلى انتظام العمل فيها وعلى تنقيتها من المحسوبيات والأزلام، وعلى رفع يد أرباب السلطة عنها لكي تتمكن من الرقابة الصارمة والدقيقة على أموال الدولة، وقطع يد سارقيها إلى أي جهة سياسية أو حزبية ينتمون، وعلى تعزيز حياة الرقابة وإعطائها دورها في تفعيل عمل المؤسسات من خلال اختيار موظفين أكفاء غير تابعين لهذا المتنفّذ أو ذاك ممن يتربعون على عرش السلطة.

عندما قيل أن البلاد بحاجة إلى رئيس قوي، لأنه بهذه الصفة يستطيع أن يُعيد بناء الدولة القادرة والعادلة، دولة القانون والمؤسسات هلّل اللبنانيون رغم أن الجسور في ما بينهم كانت مقطوعة حينذاك بمجيء هذا الرئيس القوي، لأنهم جميعاً توّاقون إلى قيام تلك الدولة التي يحلمون بها أو إنهم فقدوا الأمل بغيابها وانتظروا بفارغ الصبر حتى يبدأ الرئيس القوي رحلة العودة إلى دولة المؤسسات وليس البقاء على دولة المحاصصات والتنفيعات وما شابه ذلك، وها قد مضى على هذا الانتظار قرابة السنة ولم يلمسوا أية جدية في العمل على استرجاع الدولة من خاطفيها، بل وجدوا أن هؤلاء الخاطفين ما زالوا في مواقفهم وازدادوا نفوذاً أو قوة، فيما الدولة تزداد انحداراً وضعفاً في مؤسساتها ولا سيما الرقابية منها التي أنشأها الرئيس الراحل فؤاد شهاب والتي كان ينشدها المعلم كمال ، بل غيابا تاماً إذا ما نظرنا إلى الآلية المعتمدة حالياً لتعيين كبار الموظفين وحتى العاديين منهم، وإذا ما نظرنا إلى الطريقة التي يتعامل بها أرباب السلطة المتحكمون مع هذه المؤسسات والتي لم يسلم منها حتى القضاء الذي يعتبر بالنسبة إلى الدستور المكتوب السلطة الثالثة المستقلة أو أحد السلطات الثلاث، فإلى أين يريد أن يذهب هؤلاء الذين يتربعون على السلطة، وهل ثمة نية أو بصيص أمل ضئيل جداً في أن يستعيدوا الوعي ويكفوا عن سرقة أموال النّاس وأكثر من ذلك أن ينزلوا عن عروشهم ويتركوا لهذا الشعب الصابر حرية اختيار ممثليه القادرين على إعادة بناء تلك الدولة الموعودة.

المصدر: اللواء

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى سياسةُ هزِّ الشجرة وعدمِ قَطفِ الثمَرة

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة