بلاد العرب أكفاني

بلاد العرب أكفاني
بلاد العرب أكفاني

كتبت ميسا جيوسي:

أيام قليلة مرت على غمامة السواد التي غطت سماء جالبة معها عاصفة الدم والدمارى الهائل، ناثرة رائحة الموت في كل زوايا المكان. وقلوب العالم المحب للبنان وشعبه في كل مكان شاخصة حزنا على ما حدث. لم يستفق من الصدمة بعد، وكذلك العالم المحب له من هول المشهد وكم الصور ومقاطع الفيديو التي غمرت وسائل التواصل الاجتماعي ألما وحزنا. كلها لحظات مرعبة، لا يمكن وصفها بأقل من ذلك، فقد شبهها الكثيرون بانفجار المفاعل النووي المشهور في تشيرنوبل في العام 1986 شمال أوكرانيا وأودى حينها بحياة 200 موظف. لكن الفرق هنا جلي، فالمرفأ ليس مفاعلا نوويا، لكنه موقع حيوي يمد بيروت ولبنان بما يتجاوز عن 70% من وارداتها وصادراتها. وفيه صوامع للقمح، ومخازن للأدوية والمعدات الطبية التي هم بأمس الحاجة إليها في وسط جائحة كورونا.

كل المشاهد كانت مريعه بلا استثناء، لكن أكثرها بلاغة كانت لذلك الرجل الذي يصرخ الله اكبر وهو يحاول إيجاد ملاذ لطفله في غرفة المعيشة هربا من الموت العاصف بلا هوادة، ولسان حاله يقول: اعذرني يا حبيبي فالموت في أوطاننا قهرا يفرض علينا لحظة ولادتنا. والموت في بيروت لا يستأذن فهو الحاضر في المشهد حضور الهواء في الفراغ. لينتهي هذا المشهد باختباء الأب وطفله تحت طاولة تتوسط الغرفة، ولا أحد يدري أن نجيا أم لرحمة الخالق انتقلا؟ كذا هو حال الشعوب العربية، تحمل أوطانها في أحضانها وتحاول الهرب بها ومنها ولها بلا ملاذ إلى للموت والجوع والدمار. يتيهون في عواصم العالم ينعون أوطانا لهم لم تتسع لأحلامهم ولم يجدوا بها للراحة من سبيل.

لبنان بلد منذ النشأة منهك، بلد أريد له منذ إعلان استقلاله أن لا يستقل، بلد قسم على أساس العرق واللون والدين والطائفة والمذهب والإنتماء. وأريد له أن يخلق ميتا بما زرع فيه المستعمر من فرقة تبناها أبناؤه كغيرهم دستورا يحكم بقسوة فيغرق به اللبنانيون في مآس متكررة جذورها المحاصصة والمنازعة على الحكم والمناصب.

ولبنان اليوم هو المرآة التي تعكس قبح الحال العربي، فالبلاد العربية بأسرها انعكاس لما حدث بوضوح وفجاجة في بيروت، فالشرق العربي يترنح تحت وطأة المحاصصة والمقامرة بمصائر الشعوب والأوطان على حساب مكاسب ضيقة لفئات مارقة على أوطانها. فسيل الدماء اليوم في لبنان اليوم ليس ببعيد عن ذلك الذي في ، والعراق، أو ليبيا، أو أو حتى في المحتلة، فلم يشفع وجود الاحتلال المقيت للشعب الفلسطيني فتمزقت قيادته السياسية بإنقسام في المحصلة أصاب الفلسطينيين وعدالة قضيتهم بمقتل، وهنا فالمفارقة اختلاف التداعيات وتشابه المخرجات حد التطابق بين بيروت وعواصم عربية كثيرة.

ولعل قائل سيقول، العرب هنا ليسو استثناءـ فالنزاع على السلطة ومقدراتها هو تاريخيا ملاصق لقيام الدول أيا كانت، والاتفاق مع هذه الجزئية لا يعني أن المصالح الضيقة تتجاوز مساحات الوطن. فقد تتصف بعض الطبقات السياسية بالفساد في أهم وأكبر الدول الديمقراطية لكن المسائلة تكن لها بالمرصاد ويحاسب المذنبون بحق شعوبهم أيما حساب.

اليوم، والوطن العربي يترنح تحت ضربات متتالية موجعة تتربص بما تبقى فيه من دول قائمة وتمزق بقايا ما سقط منها، لابد من وقفة هامة وجادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتفادي انهيار ما زال متماسكا إلى حد ما. فإن للشعوب العربية المتعبة الحق في العيش في بلاد نظيفة من الفساد، بعيدة عن المحاصصات وتقاسم الغائم من لحوم الشعوب المنهكة. إلى أن نصل إلى هذا الحلم، ستظل بلاد العرب أكفاني.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى