هل ستتقاطع واشنطن والضاحية ضد باريس؟

هل ستتقاطع واشنطن والضاحية ضد باريس؟
هل ستتقاطع واشنطن والضاحية ضد باريس؟

كتب شارل جبور في صحيفة “الجمهورية”:

ليس تفصيلا ان يتولى الرئيس الفرنسي شخصيا الاتصال بمروحة من السياسيين كان التقاهم في زيارته الأخيرة إلى ، ما يعني ان تحوّل إلى أولوية فرنسية ليس فقط من الباب الإنساني، إنما السياسي تحديدا في محاولة لإخراج لبنان من أزمته.

لم تقتصر اتصالات الرئيس ماكرون على السياسيين اللبنانيين، إنما تواصل مع عواصم القرار المؤثرة، بشكل أو بآخر، على المسرحين الشرق أوسطي واللبناني، بدءا من واشنطن، مرورا بموسكو، وصولا إلى وطهران والقاهرة وغيرهم، ومن الواضح ان ماكرون يتعامل مع الملف اللبناني باعتباره مفوضا من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمة اللبنانية ومن بابها الحكومي على أثر استقالة حكومة الرئيس حسان دياب وانطلاق عملية التشاور لتأليف حكومة جديدة.

وسيكون الرئيس الفرنسي أمام اختبار مهم وهو مدى قدرته على رعاية تأليف حكومة تستجيب لشروط المجتمع الدولي في الإصلاح، خلافا لحكومة دياب التي لم يتمكن رئيسها من زيارة اي عاصمة عربية وغربية، وإذا كان ماكرون يدرك استحالة تأليف حكومة ضد “” لا سيما انه لم ينطلق أساسا من السقف الأميركي الرافض اي حوار مع الحزب بدليل دعوته الى اللقاء الحواري في “قصر الصنوبر”، إلا ان اي حكومة بتوازنات حكومة دياب سيكون مصيرها الفشل، وبالتالي هل سينجح بجر الحزب إلى مزيد من التنازلات؟

واي متابعة لمسار “حزب الله” منذ 17 تشرين الأول تظهر ان الحزب في قتال تراجعي، من رفضه استقالة حكومة الرئيس وتمسكه بحكومة سياسية، إلى قبوله بحكومة تكنو-سياسية معلنة، وصولا إلى موافقته على حكومة تكنو-سياسية غير معلنة، ومع استقالة حكومة دياب التي شكّل عمودها الفقري مع العهد يكون قد خرج من هذه المواجهة خاسرا، وبالتالي لا يستطيع العودة إلى ما قبل حكومة دياب ولا إلى حدود الحكومة المستقيلة، إنما عليه ان يقدِّم المزيد من التنازلات وإلا لن تتشكل الحكومة العتيدة.

وفي سياق التشاطر السياسي حاول فريق العهد ان يرفع سقف شروطه بالحديث عن حكومة أقطاب وحكومة وحدة وطنية في محاولة لإيهام الفرنسي بان قبوله بنسخة مكررة عن الحكومة المستقيلة يرتقي بحد ذاته إلى التنازل الكبير، لأن أكثر ما يقلق هذا الفريق انتزاع وزارة الطاقة منه، هذه الوزارة التي خصصها ماكرون بحديثه عنها في أكثر من لقاء، فيما اي انجاز كهربائي سيطيح بما تبقى من سمعة للعهد.

وفي موازاة خشية فريق العهد على مواقعه السلطوية، فإن فريق الحزب يخشى على دوره وتقليص هذا الدور من باب المعابر الشرعية وغير الشرعية، فيما تتقاطع خشية الطرفين، ومن يدور في فلكهما، من حكومة حيادية وإصلاحية حقيقية باشراف دولي تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، إذ لا يوجد ما يفسِّر رفض فريق 8 آذار للإصلاحات على رغم الانهيار المتدحرج، سوى ان هذا الفريق لا يريد أي إصلاح يؤدي إلى خلخلة معادلة تبادل الخدمات بين السلاح والفساد، ويعتقد بان الشعب اللبناني يستطيع التأقلم مع الأزمة المالية على غرار الشعوب السورية والعراقية والإيرانية وغيرها، وبالتالي لن يتنازل من حسابه و”كيسه”، ومن يريد مساعدة لبنان، بالنسبة إلى الحزب، فعليه مساعدته من دون شروط.

ويتحرّك الرئيس الفرنسي أساسا ضمن سقف الحد الأدنى، اي البحث عن تسوية تعيد بيروت إلى خريطة العالم عن طريق اعتماد نهج مختلف في إدارة الدولة بشقيها الإصلاحي والعلاقة مع الخارج، فيما سقف الحد الأقصى لا يبدو ان في وارد حتى اللحظة اعتماده وهو رفض رعاية اي تسوية لا تؤدي إلى تسليم “حزب الله” سلاحه للدولة وتخليه عن دوره الخارجي وإعلان حياد لبنان، وما دون ذلك ترك لبنان يتخبّط بأزماته.

وهناك من يقول ان اي تسوية ما دون الحد الأقصى تعيد مد “حزب الله” بالأوكسيجين، فيما مشروع إمساكه بالدولة اللبنانية شارف على نهاياته مع تحولها إلى دولة فاشلة واقترابها من السقوط المدوي وترك لبنان في الفوضى بانتظار ان تستوي “الطبخة” الإقليمية فيعاد تأسيس لبنان على قواعد جديدة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل سينجح الرئيس الفرنسي بالتوفيق بين السقوف الثلاثة: الحد الأقصى والأدنى وسقف العهد والحزب بإبقاء القديم على قدمه؟ وهل يتنازل فريق السلطة أمام الضغط الدولي وتحديدا الفرنسي؟ وهل يتراجع مقابل وقف الانهيار، أم يفضِّل عدم التنازل ولو تواصل الانهيار؟

وسيحاول فريق العهد والحزب ان يبتز الرئيس الفرنسي من مدخلين أساسيين: المدخل الأول، حاجة لموطئ قدم سياسي في الشرق الأوسط على غرار موسكو في ، ما يعني ان نجاحها في إخراج تسوية لبنانية تحت عنوان “باريس 1” يحوِّل رعايتها للملف اللبناني إلى دائمة ويجعلها لاعبا أساسيا على المسرح الشرق أوسطي وجزءا لا يتجزأ من تسوياته المقبلة، وبالتالي لن يمنحها فريق السلطة هذه الورقة إلا بعد ان يتثبّت بانها لن تتبنى وجهة النظر الأميركية حياله، علما انه ليس من مصلحة طهران ان تضع نفسها في مواجهة مع الجميع.

المدخل الثاني، يخوض ماكرون سباقا مع الوقت من أجل الوصول إلى تسوية حكومية بسرعة قياسية قبل زيارته التالية إلى بيروت والمحددة في 1 أيلول المقبل، ولن يمنحه فريق العهد والحزب هذه الورقة لتتويج زيارته باحتفالية تشكيل الحكومة إلا في حال التزم بشروطه في التأليف، الأمر الذي لن يحصل كون باريس لن تكون في موقع المظلل للفريق الذي أوصل لبنان إلى الانهيار.

ولكن بالمقابل لا مصلحة للثتائي العهد والحزب في تفويت فرصة الاهتمام الدولي والمبادرة الفرنسية، لأنه ليس من مصلحة الفريق الأول ان تنهار الدولة نهائيا في عهده، وليس من مصلحة الثاني ان يخسر نهائيا غطاء هذه الدولة، وبالتالي سيحاولان قدر المستطاع القبول بالتنازلات التي لا تمس جوهريا بسياسات العهد السلطوية، ولا تؤثر بنيويا على دور الحزب ومشروعه، بخاصة ان أولوية الأخير شراء الوقت حتى الانتخابات الأميركية، ولا مشكلة لديه باستمرار الفراغ الحكومي حتى ذاك التاريخ إذا كان لا يؤدي إلى تفكك الدولة.

فأولوية “حزب الله” الحفاظ على الستاتيكو الحالي إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، ولولا زلزال 4 آب وارتداداته الشعبية والسياسية لكان تمسّك بحكومة دياب إلى نهاية العام الحالي، ولم يقدِّم التنازل الحكومي إلا لتلافي تعطيل مجلس النواب والانتخابات المبكرة، ولن يجد نفسه مضطرا تقديم اي تنازل يؤثِّر على دوره سوى في حال نجحت باريس بالاتفاق مع طهران على فصل لبنان عن ، ولا يبدو ان هذا الأمر ممكنا، كما لا يبدو ان فرض الشروط على الحزب ممكنا، ولا يبدو ان عرقنة الحلّ اللبناني بتكليف نموذج الكاظمي متاحا، ولا يبدو ايضا ان باريس في وارد القبول والتسليم بشروط الحزب الحكومية، وبالتالي هل يمكن الوصول إلى تسوية منتصف الطريق بما يبقي لبنان ضمن مساحة الاستقرار بانتظار تبلور التسوية الإقليمية، اي حكومة أفضل بشروطها وتركيبتها وبرنامجها من حكومة دياب، ولكن لا ترتقي إلى حكومة مواجهة مع العهد والحزب؟

وماذا عن الدور الأميركي؟ صحيح ان واشنطن فوضت بدورها باريس بغية الدفع باتجاه تسوية لبنانية، ولكن هل يمكن ان توافق على تسوية تعيد الروح لـ”حزب الله”؟ وهل ستدخل على خط تعطيل اي حلّ حكومي من أجل إبقاء الحزب محاصرا؟ وهل ستسمح برفع الحظر عن الدولة الذي يؤدي تلقائيا إلى رفع الحظر عن الحزب بطريقة غير مباشرة؟ وماذا عن الرياض وهل ستُبقي مقاطعتها لكل شخصية تدخل السراي الحكومي إذا لم تلتزم مواجهة الحزب؟

ويبقى السؤال الأهم: هل تتقاطع شروط واشنطن برفض قيام اي حكومة تخدم سياسات “حزب الله”، مع شروط الحزب برفض اي حكومة تؤثِّر على سلاحه وحلفائه ضمن منظومة الفساد والسلاح، بما يؤدي إلى إسقاط المبادرة الفرنسية؟

فالثابت لغاية اللحظة ان فريق السلطة ليس بوارد التنازل ولا القيام بأي إصلاحات وهو غير عابئ بالانهيار وغيره، كما ان الثابت أيضا ان واشنطن ليست في وارد التساهل مع هذا الفريق تحت اي عنوان، وبالتالي إلى اي حد ستتمكن باريس من رعاية تأليف حكومة يوافق عليها الحزب ولا تعارضها واشنطن؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى