جهنم اقتصادية تنتظر اللبنانيين

جهنم اقتصادية تنتظر اللبنانيين
جهنم اقتصادية تنتظر اللبنانيين

كتبت القبس الكويتية:

خطف بلدة «عين قانا» الجنوبية، الغامض، الاهتمام من الملف الحكومي وذكَّر اللبنانيين بالرعب الذي تملكهم إثر انفجار مرفأ في أغسطس الماضي، الذي، على ما يبدو سيتكرر بصور أخرى في مناطق عدة. فالأسوأ ليس سياسياً فحسب في بلد اعتاد الأزمات السياسية منذ نشأته. ما يقلق اللبنانيين أكثر هو الأسوأ الاقتصادي وكذلك الأسوأ الأمني الذي بلغ ذروته بانفجار مرفأ بيروت وتكرر أمس في صورة مصغرة في بلدة عين قانا.

في السياسة فقد أفضت اطلالة رئيس الجمهورية التلفزيونية الى كسر المراوحة السلبية في موضوع تشكيل الحكومة لاسيما مع تحذيره بأن البلد ذاهب إلى «جهنم»، وفسرت مصادر مقربة منه فردت أنّ كلمة «جهنم» قصد بها الانهيار. فكان الرئيس الأسبق للحكومة اول المتنازلين لمصلحة تأليف الحكومة ومنع الانزلاق اكثر، قائلا في بيان انه امام خطر فقدان لآخر المكابح أمام انيهاره، مع ما يعني ذلك  من خطر اندلاع فوضى سياسية واقتصادية ومعيشية وامنية مع الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار، ومعه في التضخم، واسعار الخبز والمحروقات وبداية فقدان الادوية، قررت مساعدة الرئيس مصطفى اديب على ايجاد مخرج بتسمية وزير مالية مستقل من الطائفة الشيعية، يختاره هو، شأنه شأن سائر الوزراء على قاعدة الكفاءة والنزاهة وعدم الانتماء الحزبي، من دون أن يعني هذا القرار في اي حل من الاحوال اعترافا بحصرية وزارة المالية بالطائفة الشيعية أو باي طائفة من الطوائف. وقال انه يجب أن يكون واضحا أن هذا القرار هو لمرة واحدة ولا يشكل عرفا في المستقبل. راميا المسؤولية على عاتق الممانعين لتشكيل الحكومة قائلا انه أتخذ قرارا بتجرع السم منفردا مع علمه المسبق بأن هذا القرار قد يصفه البعض بأنه بمثابة انتحار سياسي. وقد رأت مصادر في مبادرة الحريري خطوة إلى الأمام على امل ان يتم التواصل باتجاه رئيس الجمهورية الذي هو شريك بعملية التأليف.  اما مصادر قالت انه في حال كانت مبادرة الحريري ستسهم بالحل فلا مشكلة لدينا معها وما يهمنا تشكيل حكومة مهمة منتجة تنفذ الاصلاحات.

وما ان طرح الحريري مبادرته حتى استؤنفت حركة اتصالات نشطة لاختيار اسماء الوزراء ومحاولة تقديم تشكيلة اديب اليوم في بعبدا للتشكيلة اذا لم يطرأ

طارئ وعلى ان تولد الحكومة سريعا.

وكانت مصادر مقرّبة من الحزب التقدمي الاشتراكي كشفت في وقت سابق ان هناك مبادرة جديدة، يضطلع بها السفير الفرنسي في لبنان برونو فوشيه «الذي توجه إلى في الساعات الماضية لعقد لقاءات مع خلية الأزمة»، للبحث عن مخرج قد يكون عبر اختيار شخصية شيعية تحظى بموافقة المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي لحقيبة  المالية.  وفي الاطار قال مصدر دبلوماسي فرنسي ان باريس امتنعت عن وضع  موعد نهائي جديد لكنها منحت الساسة المزيد من الوقت شريطة أن يعملوا على تلبية مطلب فرنسي بتشكيل حكومة اختصاصيين لتنفيذ الإصلاحات. 

جهنم الاقتصادية

جاسم عجاقة
جاسم عجاقة

وفي خضم التأزُّم الاقتصادي الذي ينعكس حكماً على الأوضاع الاقتصادية المتردية، حذر خبراء اقتصاديون من أن عدم تشكيل الحكومة سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الوضع الاقتصادي، لناحية زيادة نسبة الفقر والبطالة وانتشار الفوضى الاجتماعية، فشحُّ الدولار سيؤدي حتماً إلى رفع الدعوم عن سلع غذائية أساسية وعائلات كثيرة لن تستطيع تأمين قوتها اليومي، ما يضع البلاد في قلب مجاعة قاتلة.

الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة حذَّر في حديث خاص لـ القبس من كارثة اقتصادية عندما يأتي وقت رفع الدعم عن المحروقات والطحين والدواء لنبلغ الدرك الأسفل من جهنم. وهو ما أكده الرئيس عون عرضياً في مؤتمره الإثنين، عندما سئل عن رأيه حول موضوع نفاد احتياطي مصرف لبنان بعد شهرين، ليرد «بيكونوا خلصوا المصاريات».

يتخوف عجاقة من تداعيات المراوحة الحكومية على يوميات المواطن، ويشدد على أن عدم إيجاد مخرج للأزمة السياسية سيؤدي إلى مشكلة اجتماعية خطيرة وإلى فوضى امنية. فعدم تشكيل حكومة او حتى لو استطاعت الأطراف السياسية تشكيل حكومة غير قادرة على تحقيق الإصلاحات، فالنتيجة واحدة: لا دولار واحداً سيدخل الى لبنان، لا من ولا من أوروبا ولا من دول الخليج، فهذه الدول تربط فتح أبواب المساعدات باتفاق الحكومة اللبنانيية على برنامج مع صندوق النقد الدولي.

وتابع عجاقة: «من دون أموال صندوق النقد الدولي، لبنان ذاهب حتما الى رفع الدعم. لأن مصرف لبنان لم يعد باستطاعته تأمين دولارات على سعر الصرف الرسمي 1515 ليرة لبنانية او حتى على سعر الـ3900 ليرة. فالمواد الأساسية كالمحروقات والقمح والأدوية تستورد على سعر 1515، في حين يتم دعم السلة الغذائية (300 سلعة) على 3900. ووفق عجاقة الموعد المفترض لإلغاء الدعم يتزامن مع موعد الانتخابات الأميركية.

ويضيف الخبير الاقتصادي: رفع الدعم يعني تلقائيا رفع الأسعار 4 أو 5 مرات اكثر لتوازي سعر الدولار في السوق السوداء. يعني ذلك ان عددا كبيرا من اللبنانيين لن يكون بمقدورهم شراء المواد الغذائية والسلع الأساسية، أولا بسبب رفع الدعم عنها قريباً، وثانيا بسبب ارتفاع سعر الدولار الذي سينعكس مباشرة على أسعار السلع. هذا الامر سيزيد الفقراء فقرا، كما أن عددا كبيرا من العائلات لن يمكنها ان تكفي نفسها.

ويرى عجاقة أنه من البديهي ان يتسبب الفقر والبطالة والجوع في ازدياد السرقات واعمال السلب، وشهدنا خلال الأيام الماضية في وضح النهار صيدليات وسواها. المعادلة معروفة في هذه مثل هذه الاحوال «عندما يدب الجوع بين الناس، فإنهم يخرجون عن السيطرة». اليوم يتم تنظيم الفوضى عبر التجييش الطائفي. أما فوضى الجوع والاقتتال على لقمة العيش، فيصعب تنظيمها. واعلن عجاقة خشيته من أن يصبح لبنان على شاكلة البرازيل من هذه الناحية، أي انه لا يصبح المواطن قادراً على الخروج من منزله بعد السادسة مساء خوفا من العصابات، خصوصاً في ضواحي واحزمة الفقر.

الحلول ليست معدومة

هل الحلول معدومة لتجنب مثل هذا السيناريو؟ يقول الخبير الاقتصادي: ان هناك حلولا داخلية ليست مثالية وانما قادرة على تأمين بعض الأساسيات. هاجس اللبناني هو عدم وصوله الى مرحلة لا يستطيع فيها توفير طعامه. في هذا الاطار يقترح عجاقة على الدولة تشجيع الزراعة وتسهيل الصناعة وتحديدا الغذائية، ويقترح مثلا تكليف زراعة الأراضي الجرداء. ويذكر عجاقة أن لبنان كان يسمى قديما «مزرعة أوروبا» المزرعة التي توفر الغذاء والطعام. اما الحلول الخارجية المتوجهة انظارنا صوبها، يختم الخبير الاقتصادي كلامه لـ القبس، فهي حلول سياسية مرتبطة بالصراع الإيراني - الأميركي. حل خارجي يؤمن ضخ الدولارات هو حل سياسي نحن لسنا مؤهلين له.

انفجار الجنوب

أما في ما يخص انفجار عين قانا، فتضاربت المعلومات حول أسبابه. وكالة رويترز ذكرت أنه وقع في مستودع أسلحة لحزب الله بسبب خطأ فني. فيما أشارت معلومات أخرى إلى نقل جثتين متفحمتين من مكان الانفجار واحتراق عشرات السيارات في المكان، موضحة أن يمنع الأهالي من الخروج من منازلهم ويسمح فقط للهيئة الصحية بالحضور إلى المكان.

وكما حصل في الدقائق الأولى لانفجار مرفأ بيروت، حيث تم تركيز الإعلام على اشتعال مفرقعات نارية، تحدثت وسائل إعلامية عن اندلاع حريق في محطة وقود، غير أن عدداً من سكان عين قانا أكدوا أن لا محطة محروقات في البلدة، مرجحين أن يكون الانفجار ناجماً عن عمل أمني ما.

وقال أحد سكان البلدة «إنه مركز للحزب على شكل منزل»، مشيراً إلى أن عناصر من الحزب فرضوا طوقاً أمنياً على المكان الذي هرعت إليه سيارات الإسعاف. وقال «اهتزت القرية بنا تماماً»، مشيراً إلى تضرر مبان في محيطه.

مصدر قريب من «حزب الله» أكد لوكالة فرانس برس أنّ المكان الذي وقع فيه الانفجار «يتبع له»، متحدثاً عن «حادث عرضي»، نافياً ما تردد عن استهداف أحد قياديه المدعو علي سمير الرز، ومؤكداً أن الانفجار وقع في مركز تجميع مخلفات حرب يوليو 2006.

العميد المتقاعد والنائب عن حزب القوات وهبه قاطيشا طالب بقيام خبير متفجرات بزيارة موقع الانفجار وكشف ما حصل، مضيفاً أنه وفق المعطيات يتبين أن المبنى عبارة عن كمّ كبير من الذخائر كافٍ لتدمير المبنى وما حوله. بدوره، قال مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي صالح حديفة، إن طبيعة انفجار عين قانا توحي بأن الاتجاه هو رسالة أمنية بالسياق الحاصل على المستوى المحلي والإقليمي إلّا أن المواطن هو الذي يدفع الثمن دائماً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى