مخاوف من تغييرات راديكالية تترافق مع الأزمة اللبنانية الخانقة

مخاوف من تغييرات راديكالية تترافق مع الأزمة اللبنانية الخانقة
مخاوف من تغييرات راديكالية تترافق مع الأزمة اللبنانية الخانقة

كتب  ناصر زيدان في صحيفة الأنباء:

أدت الأزمة اللبنانية الخانقة، الناتجة عن الاختلال الذي أصاب المؤسسات الدستورية والبنى السياسية، إلى حدوث اختلال غير مسبوق في القطاعات المالية والاقتصادية والصحية والأمنية والقضائية، وقد انقلبت حياة اللبنانيين برمتها رأسا على عقب.

لكن، أخطر ما يثير المخاوف هو التساؤلات الوجودية، أو استخدام العبارات والمفاهيم التي تتعلق بمصير الوطن، وهي مقاربات سبق وأن أثيرت بمناسبات مشؤومة مضت، وقد جاءت هذه المخاوف على لسان مرجعيات دولية ومحلية وازنة، آخرها البطريرك بشارة الراعي الذي قال في رسالة الفصح: إننا أمام مخطط يهدف إلى تغيير بكيانه وبنظامه وبصيغته.

ووسط المأساة المعيشية الصعبة، بدأ المواطنون يطرحون في مجالسهم، وعبر مواقع التواصل أفكارا وهواجس جديدة تتعلق بمصيرهم وبمستقبلهم، ويعبر هؤلاء عن خوفهم على الوطن، وعلى وحدته وعلى عروبته وعلى نهائيته ككيان كما جاء في الدستور.

والهواجس تتكاثر بمناسبة الإخفاق الذي يتكرر عند كل استحقاق دستوري، سواء كان انتخاب رئيس جديد للجمهورية أو تأليف حكومة، أو حتى إجراء انتخابات نيابية عامة أو فرعية.

ورغم التبريرات التي تصدر عن هذه الجهة المعنية أو تلك، فإن غالبية الرأي العام يرى أن تعطيل تشكيل الحكومة وراءه نوايا غير معلنة، وهو ليس خلافا على الحصص، أو إخفاقا في تفسير الدستور، إنما حلقة من مسلسل التعطيل الذي أصاب الدولة منذ سنوات، وأدى إلى استنزاف مؤسساتها الرئيسية، وفتح المجال أكثر لقوى الأمر الواقع التي تحمل سلاح خارج إطار الدولة لكي تزيد من حجم تأثيرها في جميع المجالات.

وما حصل في مطار مساء الأول من ابريل من خلال منح موافقة بهبوط طائرة لشركة تخضع لعقوبات دولية، وهي محملة بمواد غير مرخص لها كما قال شهود عيان، دليل آخر على قوة تأثير هذه الجهات.
والمخاوف من حدوث تغييرات راديكالية تتسلل إلى المكونات الطائفية والحزبية المختلفة، ومنهم من بدأ يشك في قدرة الدولة بوضعها الراهن على حمايتهم واحتضانهم، وتنازلات بعض الزعماء من أجل إنقاذ الدولة لا تلقى الاحترام المطلوب.

واستحضار الطروحات الراديكالية تنطوي على خطورة في لبنان، لأن التاريخ يحمل الكثير من الصور القاتمة التي حصلت بسبب إثارة المخاوف، وغالبا كانت الفتن تحصل بتشجيع من قوى خارجية تحمل مشاريع مشبوهة في السر، وتعلن عن رغبة بمساعدة اللبنانيين في العلن، وقد دفع اللبنانيون أثمانا غالية من جراء استقواء بعضهم على بعضهم الآخر بدعم خارجي.

وفكرة حياد لبنان كملتقى لكل التوجهات والرؤى انطلقت من رحم مآس حصلت سابقا جراء انزلاقات غير محسوبة النتائج، وقد فشلت كل محاولات احتواء البلد في السابق لصالح مشاريع خارجية، وانتهى الأمر بكل الأحداث إلى حلول على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».

يبدو واضحا أن لبنان اليوم فقد دوره التاريخي كملتقى، وكصدى للقضايا العروبية والتحريرية والإنسانية وكساحة مفتوحة للإبداع وللإعلام وللنشاط التجاري والاستثماري.

وتحاول بعض الجهات النافذة استغلال اللحظة السياسية القاتمة للتسويق لمشاريع غريبة، تزيد من صعوبة الموقف.

فالأفكار التقسيمية التي تطرح بخلفيات فيدرالية، أو مناطقية، كما الكتابات التي تصدر عن بعض المرتبطين بقوى الممانعة، ويتعمد أصحابها تشويه الوقائع التاريخية منذ بداية تأسيس الكيان اللبناني، إضافة للمقاربات الغريبة التي تتناول موضوع تحالف الأقليات، كذلك التي تتحدث عن المشرقية بفهمها الالتفافي على العروبة، كلها مواضيع خلافية، وتنذر بالشؤم، وتبدو كأنها مدعومة من جهات إقليمية ودولية بهدف رسم حدود جديدة للخارطة الجيوسياسية للمنطقة.

مقومات صمود الفكرة اللبنانية المرتبطة جذريا بالعروبة المنفتحة، كبيرة جدا، والعواصف السياسية والمعيشية القاسية لا تقوى بالغالب على شجرة الأرز الراسخة.

وإرادة اللبنانيين بالعيش المشترك قوية، والقدرة على تجاوز الأزمة الخانقة متوافرة، وهي تحتاج لعودة الضالين عن أفكارهم غير القابلة للتطبيق، وعلى تغيير سلوك الإدارة القائمة.

والحيوية الشعبية التي وقع بعضها في فخ التعميم الأعمى وتجاهل التاريخ، بل تشويه، مطالبة بالمزيد من التركيز على سلوك الطرق التي تؤدي إلى الحفاظ على لبنان وانتشاله من براثن الفتنة والجوع والهلاك

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى