أبعد من مرسوم الأقدمية

أبعد من مرسوم الأقدمية
أبعد من مرسوم الأقدمية

في هذه المرحلة أحوج ما يكون إلى وقف المشاحنات السياسية بين كل مكوناته، ولا سيما بين أرباب السلطة أنفسهم، بعدما بلغ الاشتباك بين الرئاستين الأولى والثانية على خلفية مرسوم الاقدمية آخر مداه وهو الدخول في نزاع حول الذي لولا وجوده، لما زال اللبنانيون ينعمون بوطن واحد، ولا بدولة واحدة.

فأمام هذا اللبنان استحقاقات مهمة جداً  أوّلها مؤتمر روما لمساعدة جيشه وقواه الأمنية والثاني مؤتمر الرابع لمساعدته كي يتخطى مصاعبه الاقتصادية التي جاءت نتيجة خلافات سياسية وتشابك المصالح الذاتية على حساب المصلحة الوطنية، والثالث مؤتمر بروكسل لمساعدته على تحمل أعباء النازحين السوريين الذين باتوا يشكلون خطراً كبيراً عليه، ووضع خطة العودة بالاتفاق مع المنظمة الدولية والمنظمات الإنسانية، وكل هذه الاستحقاقات مهددة في حال استمر هذا الكباش بين أرباب السلطة أنفسهم وعاد الاستقرار السياسي الى ما يجب أن يكون عليه من هدوء وتعاون بين السلطات المعنية بالعمل يداً واحدة، بمعزل عن الخلافات القائمة حالياً والتي لا يوجد لها أي مبرر الا التخريب على هذا البلد ودفعه إلى المجهول بعد تخلي العالم عنه وتركه لمصيره.

وحتى الآن، لا يبدو ان أرباب السلطة في وارد التخلي عن طموحاتهم الشخصية وإعطاء الأولوية، كل الأولوية، للعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة، بمواجهة كل الاستحقاقات والتعاون الإيجابي على إنجاحها، فالهوّة بين الرئاستين الأولى والثانية تزداد اتساعاً حتى انها أصبحت عصيّة على الردم بفعل تخطي الكباش بينهما مسألة التوقيع على مرسوم الأقدمية واتخاذها منحى أخطر يتعلق بالنظام وبصيغة الحكم في البلاد، حيث اعتبر رئيس مجلس النواب ان ما يطبّق اليوم في لبنان هو اللاطائف واللادستور، فيما يتمسك رئيس الجمهورية بما يعتبره من صلاحياته ويتهم الأوّل بأنه افتعل أزمة مرسوم الاقدمية ليطرح على الطاولة إعادة النظر في اتفاق الطائف، وكلاهما يعرف ان الدخول في هذا المأزق ليس كما الخروج منه لأن الوصول إلى هذا الاتفاق كلف اللبنانيين أكثر من 150 ألف قتيل وآلاف المعوقين، إضافة إلى مئات الآلاف من القوى المنتجة الشابة التي هربت من نيران الحروب الأهلية بحثاً عن مكان آمن يحترم الإنسان وحقه الكامل في حيّاة حرة كريمة، لا يصنف فيها الإنسان على أساس دينه أو طائفته أو مذهبه.

وإذا كان هذا الكباش بين الرئاستين الأولى والثانية، حول الطائف ودستوره، قد وضع البلاد امام خيارات صعبة، فمن أولى واجبات الرئاستين ان تُبادرا إلى إعادة النظر في مواقفهما التصعيدية والافساح في المجال امام القوى الخيّرة لإيجاد المخرج المناسب لهذه الأزمة المفتعلة قبل فوات الأوان وفقدان الدعم الذي تستعد الدول الكبرى والصغرى لتقديمه إلى لبنان في حال كان ينعم بالاستقرار السياسي، وفي حال لا يكون مصير هذا الدعم الذي هو بأمس الحاجة إليه لتجاوز صعوباته الاقتصادية والاجتماعية هباءً منثوراً، الا إذا كان هناك توافق بين الرئاستين الأولى والثانية على إعادة النظر في اتفاق الطائف ولو أدى ذلك إلى الدخول في المجهول الذي كان فيه قبل التوصّل إلى هذا الاتفاق الذي اوقف الحرب الأهلية، وإعادة وضع لبنان على الخريطة الدولية كنموذج في التنوع، والتعدد ضمن الوحدة، فهل يصبح مثل هذا التمني حقيقة أم ان الأزمة مستمرة وكل فريق يتمترس وراء حساباته الطائفية على حساب المصلحة الوطنية التي يجب ان لا تعلو عليها أية مصالح أخرى؟

المصد: اللواء

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى