دور الجاذبية الصغرى في تعطيل الخلايا السرطانية

إلى جانب التعرض للإشعاعات الشمسية والأشعة الكونية، يحمل السفر إلى الفضاء العديد من المخاطر المحتملة. منها التعرض للجاذبية الصغرى microgravity، وما لذلك من آثار على وظائف الجسم البشري.

وفقًا لسكوت كيلي Scott Kelly، المهندس ورائد الفضاء المتقاعد، لا تقتصر هذه التأثيرات على ضمور العضلات والعظام، بل تشمل تدهور وظائف أعضاء الجسم، والنظر، وقد تطال الجينات.

لكن قد تحمل الجاذبية الصغرى عددًا من الفوائد المحتملة أيضًا، وهو مجال بحث الدكتور جوشوا تشوا Joshua Choi، محاضر الهندسة الطبية الحيوية biomedical engineering بجامعة التكنولوجيا بسيدني: تأثيرات الجاذبية الصغرى على خلايا الجسم البشري.

سيسافر تشوا مع فريقه إلى محطة الفضاء الدولية (ISS) لإجراء تجربة جديدة لعلاج اعتمادًا على الجاذبية الصغرى.

يقول تشوا إن حديثًا دار بينه وبين العالم الكبير ستيفن هوكينج هو ما ألهمه موضوع هذا البحث، إذ قال هوكينج: «لا شيء يهزم الجاذبية»، وعندما أُصيب صديق لتشوا بالسرطان لاحقًا، تساءل عن تأثير انعدام الجاذبية على الخلايا السرطانية.

يبدأ السرطان بانقسام متسارع للخلايا دون آلية للتحكم في معدل هذا الانقسام، فتنمو الخلايا لتشكل ورمًا، ثم تتواصل فيما بينها لتنتشر إلى أعضاء أخرى من الجسم، كالرئتين والكبد والمخ والبنكرياس.

من أكبر المشكلات التي تواجه أبحاث السرطان هي عدم معرفة النقطة الزمنية التي يحدث عندها هذا التحول على وجه الدقة. لكن هذه العملية تشمل آليات من طريقها تشعر الخلايا وتتواصل لتنمو مشكلةً ورمًا سرطانيًّا.

يعي باحثو الهندسة الطبية الحيوية أن الطريقة المحتملة لأن تشعر الخلايا السرطانية ببعضها هي من طريق قوى ميكانيكية، التي تتضح في وجود قوى الجاذبية. حفزت هذه الفكرة تشوا للعمل على دراسة تحييد دور الجاذبية في انقسام الخلايا السرطانية وتكاثرها وقدرتها على الانتشار.

لدى تشوا خبرة في مجال الأبحاث الطبية الفضائية، إذ شارك إبان عمله في جامعة هارفارد في مشروع تطوير علاج لهشاشة العظام، الذي تضمن تجارب أُجريت على محطة الفضاء الدولية.

يقول تشوا: «دفعني عملي السابق على دراسة تأثير بيئة الفضاء على بيولوجيا الخلايا وتطور المرض أن أتساءل: لماذا لا نطبق نفس الآلية لتشمل دراسة الخلايا والأمراض الأخرى؟».

بدأ تشوا بالفعل مع فريقه البحثي اختبارات تأثير الجاذبية الصغرى على الخلايا السرطانية في مختبرهم. صمم أحد أعضاء فريق تشوا جهازًا مصممًا لاحتواء الأنسجة مع جهاز طرد مركزي صغير بداخله. تُجمَع الخلايا السرطانية من أنواع مختلفة داخل مجموعة من الأوعية المخصصة في جهاز الطرد المركزي، وبدورانه تتعرض الخلايا لحالة الجاذبية الصغرى.

أوضح تشوا أن النتائج مشجعة: «أوضحت التجارب على 4 أنواع مختلفة من السرطان (المبيض والثدي والأنف والرئة) أن 80-90% من الخلايا عُطلَت عندما تعرضت للجاذبية الصغرى، ويعني تعطيلها أنها ماتت أو تناثرت لأنها لم تستطع التماسك، وهذه الأنواع الأربعة هي من أصعب أنواع السرطان في القضاء عليها».

من المثير للاهتمام إن هذا هو أثر تغيير قوى الجاذبية فقط، دون استخدام أي عقاقير أو أدوية. لقد جعلت ظروف الجاذبية الصغرى الخلايا السرطانية غير قادرة على التواصل أو الشعور ببعضها.

تتضمن الخطوة التالية إرسال فريق البحث نموذج مُصمَّم خصيصًا إلى محطة الفضاء الدولية على متن أحد صواريخ شركة سبايس إكس SpaceX. سيقضى تشوا وزملاؤه 7 أيام في مراقبة التطورات، ورصد نمو الخلايا عبر بث مباشر للبيانات إلى مختبرهم على الأرض.

عند اكتمال التجربة ستُجمَّد الخلايا، وتُرسَل مجددًا إلى الأرض لفحص ما طرأ عليها من تغيرات. إذا تطابقت نتائج التجربة الفضائية مع نتائج المختبر، يعني هذا إننا قد توصلنا إلى تقنية جديدة لعلاج السرطان باستخدام الجاذبية الصغرى لتعطيل آلية تواصل الخلايا السرطانية فيما بينها.

قد لا تمثل هذه الطريقة علاجًا مستقلًّا بذاته، لكنها قد تستخدم لتعزيز العلاجات الموجودة بالفعل كالأدوية والعلاج الكيماوي، وهو ما قد ينجح في إبطاء نمو الخلايا السرطانية والحد من انتشارها.

ستُستخدم نتائج هذا البحث أيضًا في دراسة آثار الجاذبية الصغرى والتعرض للإشعاع على رواد الفضاء، الذين يضطرون لقضاء أشهر في ظروف مماثلة، وهو ما قد يعرضهم لخطر الإصابة بالسرطان.

تمثل هذه الأبحاث الواعدة التي تُجرى في الفضاء وثبةً كبيرة في المجال، وقد تحمل لنا فوائد جمة تجاريًّا وطبيًّا.

اقرأ أيضًا:

الجرعات المنخفضة من الإشعاع تؤهب لظهور خلايا سرطانية

هل تقتل الأشعة الكونية رواد الفضاء بالسرطان ؟ ما هي مخاطر الإشعاع الكوني ؟

ترجمة: أحمد عياد

تدقيق: سلمى توفيق

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى