أدوية أم مخدرات؟ شركات الأدوية الأميركية تنشر الإدمان

استغلت شركات الأدوية الأميركية الضخمة آلام الناس من أجل تحقيق أرباح خيالية، فلم تلتفت إلى تسببها بإدمانهم عقاقير الأفيون ومن بعده الهيروين

أعلنت إدارة دونالد حالة الطوارئ بخصوص الإدمان على المسكنات من مشتقات الأفيون والتي زادت أربعة أضعاف في العقدين الأخيرين، وزادت معها على المستوى نفسه وبالنسبة عينها أرباح شركات الأدوية. وكانت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها التابعة لوزارة الصحة الأميركية، قد أعلنت بعد دراسات عديدة أجريت برعايتها أو تحت تكليفها، أنّ الإدمان على العقاقير المسكنة من مشتقات الأفيون في قد تسبب بوفاة نحو 183 ألف أميركي منذ عام 1999، نتيجة جرعات زائدة. أما في العام 2015 وحده، فقد توفي أكثر من 15 ألف أميركي نتيجة جرعات زائدة من تلك العقاقير المسكنة.

عام 2014 كان هناك حوالى مليوني مدمن أميركي أو ممن استخدم العقاقير المسكنة من مشتقات الأفيون. كذلك، فإنّ واحداً من كلّ أربعة أشخاص وصف لهم أطباء مسكناتٍ عانوا من مشاكل إدمان. في العادة، يصف الأطباء هذا النوع من المسكنات بعد العمليات الجراحية أو الآلام الشديدة ويفترض أخذها لفترات قصيرة. وتستقبل مراكز الطوارئ في الولايات المتحدة يومياً حوالى ألف شخص يصلون إليها بسبب سوء استخدام أدوية مسكنة من مشتقات الأفيون.

واحد من الأسباب الرئيسية في الإفراط في استخدام مسكنات الألم ومشتقات الأفيون هو أنّ شركات الأدوية قامت بتسويقها على أنّها لا تؤدي إلى الإدمان، لكن تبين عكس ذلك. وكان الأمر متأخراً لكثيرين إذ أسرف الأطباء في وصفها وعلى وجه التحديد لأولئك الذين يعانون من آلام مزمنة. بدأ كثيرون خصوصاً الشباب باللجوء إلى استخدام الهيروين بدلاً من المسكنات المشتقة من الأفيون مما أدى إلى إضافة وباء آخر وهو وباء الهيروين الذي يذهب ضحيته الآلاف سنوياً في الولايات المتحدة. ويعود ذلك، أي اتجاه كثيرين لاستخدام الهيروين بدل مسكنات الآلام، لأسباب عديدة من بينها أنّ سعر تلك الأدوية باهظ، كما بدأت السلطات الأميركية أخيراً التشديد على الأطباء ومراقبة الكميات التي يقومون بوصفها للمرضى.

لكن كيف وصل الوضع إلى هذا الحد؟ تقول غابي لـ"العربي الجديد"، وهي عاملة اجتماعية تعمل في عيادة طبية في مع والدها الطبيب الذي يعالج ويستقبل مدمنين على المسكنات والهيروين، إنّها تذكر جيداً عندما كانت طفلة كيف ذهبت العائلة مع والدها إلى رحلات وأقامت في فنادق فاخرة لمؤتمرات على حساب شركات الأدوية التي كانت تروج لمنتجاتها بشراسة. وهذا ما تؤكده تحقيقات عديدة حول الموضوع، إذ قامت شركات الأدوية بالترويج لتلك المسكنات التي كان من المفترض أن تستخدم لحالات الألم الشديد ليصبح استخدامها لحالات الألم غير المستعصية ومن دون حساب لأنّ تلك الشركات روجت لها على أنّها لا تؤدي إلى الإدمان. وتضرب هذه المشكلة في عمق المجتمع الأميركي، ولا يقتصر الإدمان على العقاقير والموت بسبب الجرعات الزائدة المميتة على طبقة أو خلفية من دون غيرها، بل إنّ كثيرين ممن أصيبوا بالإدمان هم من الشباب البيض.

تفيد دراسات وتحقيقات عديدة، من بينها دراسة طويلة ومعمقة صادرة عام 2009 في المجلة الأميركية للصحة العامة أنّ شركات مثل "بورديو" (Purdue) للأدوية عقدت أكثر من 40 مؤتمراً، ودعت آلاف الأطباء والعاملين بالمجال الصحي من صيادلة وممرضين بين الأعوام 1996 و2011، وقامت بالترويج لمنتجها "أوكسيكونتين" على أنّه لا يؤدي إلى الإدمان، في الوقت الذي كانت تدرك فيه عكس ذلك. عام 2001 وحده أنفقت الشركة 200 مليون دولار أميركي على الدعاية لهذا المنتج، ووصلت أرباحها منه إلى مليارات الدولارات على حساب صحة أناس كلّ ما رغبوا فيه هو التخفيف من آلامهم ليتحول العديد منهم إلى مدمنين.


اقــرأ أيضاً

أما في ما يخص الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأميركية، فقد شعر العديد من المختصين في مجال معالجة الإدمان بخيبة أمل كبيرة بسبب إطلاق ترامب شعارات من دون الحديث عن التفاصيل في كيفية رغبته بعلاج هذا الوباء. تقول غابي إنّ خطة الرئيس ترامب ليست أكثر من فقاعة، فمن ناحية يعلن حالة الطوارئ، لكنّه لا يرصد أيّ أموال إضافية لدعم حالة الطوارئ هذه "كيف يمكن أن نحارب وباءً يحصد الآلاف سنوياً ونواجه شركات الأدوية ذات الميزانيات الضخمة إذا لم تقم الحكومة باتخاذ خطوات مركزية، بما فيها خطوات قانونية، لمحاسبة تلك الشركات على كذبها؟". تضيف: "لا يمكن وقف هذا الوباء عن طريق إعلان حالة الطوارئ فقط، من دون أن يشمل الإعلان دعماً إضافياً. وعلى العكس فالإدارة الأميركية الحالية تشن حرباً على المساعدات الصحية الخاصة بالفقراء وتحاول تقليصها وهي أصلاً غير كافية".

يشير مختصون في هذا السياق إلى أنّ إعلان حالة الطوارئ يسمح لوزير الصحة بأخذ مبالغ من الميزانية المخصصة للطوارئ في صندوق الطوارئ، لكنّ ذلك الصندوق شبه فارغ، وفيه فقط 57 ألف دولار. كذلك، فإنّ حالة الطوارئ تنتهي بعد مرور تسعين يوماً من إعلانها مما يعني أنّه يجب تجديدها. لكنّ الأهم هو عدم رصد أموال لصندوق شبه فارغ لا فرق بين وجوده وعدم وجوده.

ووُجهت إدارة ترامب بانتقادات كذلك بسبب عدم إعلانها حالة طوارئ قومية، مما كان سيعني أنّه يمكن رصد أموال إضافية لها. لكنّ منتقدي سياسات ترامب يشككون وبشكل جدي بنيّة إدارته اتخاذ أيّ خطوات جذرية لحلّ وباء يُقدّر أن مكافحته قد تكلف ستة مليارات دولار بحسب تصريحات إعلامية للمسؤول عن مكافحة الإدمان في جامعة "براندايز" الأميركية. الإحصائيات الرسمية أيضاً تقدم صورة قاتمة حول سرعة انتشار وباء المسكنات المشتقة من الأفيون. فمعدل الوفيات بسبب الجرعات الزائدة المميتة أصبح الأعلى في الولايات المتحدة مقارنة بتلك التي تحدث بسبب وباء عنف السلاح أو حوادث السيارات. بعض الخبراء في المجال الصحي يقولون إنّه إذا استمر هذا الوضع فإنّه سيسبق وباء الإيدز في سرعة الانتشار وعدد الوفيات.

وبحسب آخر الاستطلاعات فإنّ حوالى 97 مليون أميركي تناولوا تلك العقاقير، و12 مليوناً منهم حصلوا عليها من دون أيّ وصفة طبية. من المتوقع أن ترتفع خطورة هذا الوباء في ظل إدارة أميركية تعلن حالة طوارىء صحية كنوع من الاستعراض الإعلامي من دون تخصيص الأموال في هذا السبيل أو وضع خطط واضحة لمكافحة الوباء.

أكثر المسكنات ضرراً
أكثر مسكنات الآلام تسبباً بالموت في جرعات زائدة في الولايات المتحدة هي ميثادون (Methadone) وأوكسيكودون مثل أوكسي كونتين (OxyContin) وهيدروكودون مثل فيكودين (Vicodin)، بحسب مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، التابعة لوزارة الصحة. وقد سجلت أعلى نسبة وفاة بجرعات زائدة من المسكنات وسط الشريحة العمرية من 25 عاماً إلى 54.


اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى