اختبارات التقصّي الجيني ما قبل الولادة؛ الفوائد والمخاطر

اختبارات التقصّي الجيني ما قبل الولادة؛ الفوائد والمخاطر
اختبارات التقصّي الجيني ما قبل الولادة؛ الفوائد والمخاطر

بإمكان الجينات أن تؤثّر على لون العيون والشعر عند الطفل، لكن بإمكانها أيضًا أن تؤثّر في تطوّر تشوّهات ولادية معيّنة أو شذوذات جينية. لذلك تُجرى العديد من اختبارات التقصّي الجيني للنساء بشكل روتيني خلال الثلث الأول والثاني من الحمل من أجل تقييم خطر حدوث هذه المشاكل عند الجنين.

يمكن لاختبارات التقصّي أن تحدّد فيما إذا كان الجنين مرجّحًا أو غير مرجّح لأن تحدث لديه تشوّهات ولادية أو شذوذات جينية، والتي قد تكون موروثة.

إنّ نتائج الفحص إلى جانب عوامل الخطر الأخرى، مثل عمر الأم والخلفية العِرقيّة للوالدين والتاريخ العائلي للشذوذات الجينية، كلّ ذلك يُستخدم لمعرفة احتمالات ولادة جنين بشذوذات جينية معينة، مثل متلازمة داون، والتليف الكيسي، وداء تاي ساكس (مرض وراثي نادر يؤدّي إلى فقدان السمع والبصر وضعف عضلي وضعف عقلي)، أو فقر الدم المنجليّ.

تؤثّر التشوهات الولادية على طفلٍ واحدٍ من أصل 33 طفلًا -حوالي 3% من كلّ الأطفال- المولودين في الولايات المتّحدة الأمريكية كلّ عام، وذلك وفقا لمراكز التحكّم بالأمراض ومنعهاCenters For Disease Control And Prevention (CDC).

قد تحدث التشوّهات الولادية خلال أيّ مرحلة من مراحل الحمل، لكنّ أغلبَها يحصل خلال الثلث الأول من الحمل، عندما تكون أعضاء الجنين في مرحلة التشكل، وذلك وفقا لـ CDC.

تقول  الدكتورة «آندريا غرينر Andrea greiner» أخصّائية الطب الجنيني والأمومي في مستشفى آيوا الجامعي University of Iowa Hospitals and Clinics: «تُقدّم اختبارات التقصّي لكلّ النساء الحوامل، وعادةً ما تُناقش في أوّل زيارة قبل الولادة، وهي ليست لازمة وإنّما اختيارية».

وتضيف غرينر أنّ أغلب النساء يُجرينَ اختبارات التقصّي الجيني قبل الولادة لمعرفة الأخطار الممكنة قبل ولادة الطفل، وأنّ النساء تفضل معرفة المعلومات حول الطفل خلال الحمل لا بعد الولادة، من أجل أن يكون لديهنّ متّسعٌ من الوقت للتخطيط واتّخاذ القرارات أو اكتساب المزيد من المعرفة.

إيجابيات وسلبيات الفحص الجيني

في حديثها لموقع لايف ساينس؛ قالت غرينر: «تريد كلّ امرأة أن تؤمن وتصدّق أنّ حملها طبيعيّ وغير معقّد، وإذا اختارت الحامل إجراء الفحص الجيني، فهناك إمكانيّة أن تكون نتائج الفحص غير طبيعية، لذلك من الضروري أن نفكّر كيف ستؤثّر عليها هذه الأخبار».

لكن هذه الفحوص لا تُجرى دائمًا عند الحامل قبل الولادة، ففي بعض الحالات، يمكن أن تُجرى قبل الحمل. على سبيل المثال، ينطوي الفحص الجيني ما قبل الحمل على ما يُدعى باختبارات الحامل-Carrier Tests الذي يحدّد ما إذا الأب أو الأم يحملان جينًا معيّنًا يتسبّب في شذوذات جينية قد تسري وتصبح موروثة في العائلة، مثل التليف الكيسي وفقر الدم المنجلي، والتي يمكن أن تُمرَّر للجنين عندما يقرّر الوالدان الإنجاب.

وتضيف غرينر: «هناك فكرة خاطئة وشائعة بين النساء الحوامل وهي أنّ السبب الوحيد الذي قد يدفع المرأة الحامل لأن تقوم بفحص جيني أو اختبار تشخيصيّ هو فقط في حال أنّها ستُجهض بسبب النتائج الإيجابية للفحوصات، لكنّ الأمر ليس كذلك».

إنّ قرار إجراء الفحص الجيني أو عدمه عائدٌ للمرأة الحامل نفسها، فقد تسبّب النتائج الإيجابية قلقًا ومشاعر متضاربةً لديها.

وإحدى السلبيات الأخرى لاختبارات التقصّي الجيني هي أنّها يمكن أن تعطي إيجابيّةً كاذبة؛ ومعنى ذلك هو أنّ التشخيص قد يكون خاطئًا ويقود الوالدين إلى الاعتقاد أنّ الجنين مصابٌ بشذوذات جينية مع أنّه طبيعيّ.

وهناك أيضًا احتماليّة أنّ الفحص لن يكشف الشذوذات الصبغية أو العيوب الولادية في حال وجود أحدها بالفعل.

ولذلك ينبغي على النساء الحوامل عدم اتّخاذ قرار إنهاء الحمل بناءً على إيجابية الفحص لوحده من دون اللجوء إلى الاختبار التشخيصي لتأكيد التشخيص أو نفيه.

مقارنة بين اختبارات التقصي والتشخيص

تختلف اختبارات التقصّي الجيني عن الاختبارات التشخيصية.

تقول غرينر إنّ الفحوص الجينية تقيس مرحلة خطر الأمراض الجينية عند الجنين، إنّها تُقيِّم درجة خطر أو فرصة حدوث تشوّهات ولادية معيّنة لدى الجنين، ولكن ليس بإمكانها الجزم بوجود المشكلة من عدم وجودها، وذلك وفقا للكلية الأمريكية لأطباء التوليد وأمراض النساء-American College of Obstetricians and Gynecologists.

تُجرى اختبارات التقصّي خلال الثلث الأول من الحمل عادةً بين الأسبوعين العاشر والثالث عشر. هناك اختبار فحص شائع يقيس مستوى موادّ معيّنة في دم الأم لتقييم خطر متلازمة داون وشذوذات صبغية أخرى.

ويدعى أحد الاختبارات الأخرى خلال الثلث الأول من الحمل «الشفافية القفويّة-Nuchal Translucency» والذي تُستخدم فيه الأمواج فوق الصوتية لفحص المنطقة الخلفيّة من عنق الجنين لتحرّي أيّ زيادة أو سماكة في السائل الموجود في هذه المنطقة، والذي قد يشير إلى خطرٍ مُحتَملٍ لحدوث متلازمة داون.

هناك اختبار تقصّي جديد يُدعى اختبار الحمض النووي الجنيني المتحرر من الخلايا-Cell-Free Fetal DNA Testing، ويُجرى عادةً في الأسبوع العاشر من الحمل ويستخدم الحمض النووي من دم الأم لتحرّي متلازمة داون.

وهذا الاختبار غير مشمول ضمن برامج التأمين الصحي، و يُجرى فقط للنساء الحوامل اللاتي لديهن خطر مرتفع لحدوث شذوذات صبغية، حسب ما قالته غرينر لموقع لايف ساينس Live Science.

و تضيف غرينر: «التقنيّة ما زالت جديدة جدًّا، وعلى المرضى أن يتوخَّوا الحذر»، لكن من الضروري أن تعلمَ النساء أنّ اختبار الحمض النووي الجنيني المتحرّر من الخلايا لا يُعدّ بديلًا عن اختبارات التشخيص في حال أظهر نتائج إيجابية.

و يمكن أن تُجرى بعض اختبارات التقصّي الجنينية خلال الثلث الثاني للحمل، ويدعى أحدُها «الفحص الرباعيّ-Quad Screen»، والذي يقيس مستوى موادّ معينة في دم الأم ويمكن أن يكشف عن بعض الشذوذات الجينية، كمتلازمة داون.

يمكن أن يساعد الفحص الرباعي بكشف عيوب الأنبوب العصبيّ أيضًا، وهي عيوب خَلْقيّة على مستوى الدماغ والنخاع الشوكيّ، مثل انشقاق العمود الفقري أو ما يدعى بالسنسنة المشقوقة-Spina Bifida.

هناك كشف ثانٍ بالأمواج فوق الصوتية، يُجرى عادةً بين الأسبوع 18 و22 من الحمل، يمكن أن يتحرّى الشذوذات البنيوية في تطور الجنين، مثل الشفة المشقوقة أو العيوب القلبية، و بإمكانه أيضًا التقصّي عن الشذوذات الجينية، كمتلازمة داون.

لا تُعتبر اختبارات التقصي مؤذيةً للأم أو الجنين أبدًا، لكن لا تُعتبر نتائجها الإيجابية تشخيصًا مؤكّدًا. إذا أُخبِرتِ الحامل بأنّ نتيجة اختبارات التقصّي كانت إيجابية، فعليها مناقشة خياراتها مع مقدّم الرعاية الخاصّ بها، وتشمل هذه الخيارات رغبتها بإجراء أحد الاختبارات التشخيصية التي تملك دقّةً ومصداقيّةً أكبر من الفحوص الجينية لوحدها.

في الحقيقة، بإمكان الاختبارات التشخيصية كشف العديد من الحالات الجينية التي تحدث بسبب عيوب في أحد الجينات أو الصبغيّات. وعن طريق هذه الاختبارات، يمكن للوالدين المُحتَمَلين معرفة فيما إذا كان لدى جنينهم شذوذٌ جينيٌّ معيّن من عدمه. وقد تنطوي بعض الاختبارات التشخيصية على أخطارٍ كوجود خطر ضئيل لخسارة محصول الحمل.

اثنان من الاختبارات التشخيصية الشائعة

يُعدّ كلا الاختبارين التشخيصيين -فحص الزغابات المشيمية وبزل السائل الأَمْنَيوسيّ- من الاختبارات الغازية-Invasive، ويشملان استخلاص خلايا من الجنين وتحليلها تحت المجهر.

و يُحدّد علماء الجينات بعد ذلك فيما إذا كان هناك صبغيّات أكثر أو أقلّ بكثير من اللازم لدى الجنين، أو فيما إذا كانت الصبغيّات متضرّرةً ويمكن أن ينتجَ عنها مشاكل جينية.

فحص الزغابات المشيميّة-Chorionic Villus Sampling (CVS)

يتمّ خلال الثلث الأول من الحمل عادةً بين الأسبوعين 10 و12.

يشمل هذا الاختبار التشخيصيّ أخذ عيّنة صغيرة من خلايا المشيمة. يحوي نسيج المشيمة نفس المادة الوراثية التي يملكها الجنين، ويمكن أن نفحصها للتحرّي عن الشذوذات الصبغية والمشاكل الجينية أخرى.

ولكن في جميع الأحوال، فإنّ هذا الاختبار لا يستطيع تحديد عيوب الأنبوب العصبي، مثل السنسنة المشقوقة، والتي يمكن الكشف عنها عن طريق بزل السائل الأمنيوسيّ.

كيف يتمّ هذا الاختبار؟ يعتمد ذلك على مكان توضُّع المشيمة وتُستخدَم الأمواج فوق الصوتية للتوجيه، إذ يتمّ إدخال أنبوب صغير إمّا عن طريق بطن الأم أو عن طريق المهبل، وبعدها تُسحَب عيّنة صغيرة من خلايا المشيمة.

المخاطر الممكنة: ينطوي فحص الزغابات المشيمية على خطر حدوث الإجهاض بنسبةٍ أكبر بقليل من بزل السائل الأمنيوسي. ووفقًا لعيادة مايو Mayo Clinic، فإنّ نسبة حدوث الإجهاض في فحص الزغابات المشيمية هي 1%.

بزل السائل الأمنيوسي-Amniocentesis تقول غرينر: «إنّ بزل السائل الأمنيوسي يُعتبَر المعيار الذهبيّ للاختبار الجيني الوالدي».

كيف يتمّ هذا الاختبار؟ عن طريق إدخال إبرة طويلة ورفيعة إلى داخل بطن الأم للحصول على عيّنة من السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين. يتمّ هذا الإجراء عادةً بين الأسبوعين 15 و20 من الحمل. يحوي السائل الأمنيوسي خلايا من الجنين تحتوي على معلومات وراثية عن هذا الطفل الذي لم يُولَد بعد.

المخاطر الممكنة: تقول غرينر إنّ لبزل السائل الأمنيوسي نسبة أقلّ لخطر حدوث الإجهاض مقارنة مع فحص الزغابات المشيميّة، إذ لا تتعدّى النسبة هنا 1/400.

إيجابيات وسلبيات اختبارات التشخيص الجينية

قالت غرينر إنّها تلقّت سؤالًا من بعض المرضى لديها وهو أنّه لماذا عليهم القيام بالاختبارات الجينية الوالدية، لأنّه في حال كون النتيجة إيجابيةً فإنّه ليس بالإمكان علاج المشكلة الجنينية التي كُشِفت عند الجنين أو تغييرها.

وكان جوابها أنّه لا أحدَ يحبّ المفاجآت. أن يعرفَ الوالدان اللذان ينتظران مولودَهم سلفًا أنّ نتيجة الاختبار إيجابيّة سيساعدهم على التخطيط وتحضير أنفسهم وتحضير البيت أيضًا لاستقبال المولود الذي قد تكون لديه احتياجات خاصّة.

قالت غرينر إنّه على النساء أن يسألنَ أنفسهنَّ فيما إذا كانت النتيجة الإيجابية للاختبار التشخيصيّ ستسبّب لهنَّ القلق في حال اخترْنَ الاستمرار بالحمل، أو إذا كانت هذه النتائج الجينية ستشعرهنَّ بالطمأنينة في حال قرّرنَ إنهاء الحمل كنتيجة للتشخيص.


ترجمة: عمر اسماعيل

تدقيق: اسماعيل اليازجي

تحرير: أحمد عزب

المصدر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى