الآباء أمام معضلة إدمان الأبناء على الأجهزة الرقمية

الآباء أمام معضلة إدمان الأبناء على الأجهزة الرقمية
الآباء أمام معضلة إدمان الأبناء على الأجهزة الرقمية

تبرز مشكلة الاستخدام المفرط للتقنية الرقمية، من ضمن قائمة طويلة من المعوقات والمشاكل التي تطبع الحياة اليومية وتشكل العلاقة بين الوالدين وأبنائهم، مع ما تسببه من تداعيات على الصحة النفسية والعقلية والجسدية، حيث لا يمكن تلافيها ولا يمكن أيضاً التعامل معها بحزم. صار واضحا بشكل جلي وللجميع بأن الإدمان أو الاستخدام المفرط لأجهزة التقنية الرقمية من قبل الطفل، يرتبط بالسمنة والسلوك العدواني واضطرابات النوم، ومشاكل الانتباه وربما الضعف في الأداء الأكاديمي.

تعد محاولة إبعاد الطفل عن الأجهزة الرقمية أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، كما هو معروف، خاصة وأن اكتساب مهارات الكمبيوتر أصبح أمرا مهما ومطلوبا ومن أهم أدوات العمل المعرفي، والعديد من الآباء والأمهات يحرصون على تعليم أبنائهم مهارات القراءة والكتابة البرمجية لمواكبة التطورات في هذا الجانب أسوة بأقرانهم.

ما العمل إذن؟ وكيف يُخرج الأهل أنفسهم وأطفالهم من هذا المأزق من دون خسائر؟ أفضل إجابة لهذا النوع من الأسئلة، يقول لا هذا ولا ذاك؛ إذ إن التفاعل مع التقنية مطلوب ومفيد أيضا شرط عدم الإفراط إلى حد الاستخدام المدمر.

وفي أحدث توصياتها في ما يتعلق بالأطفال ووسائط الإعلام، تقدم الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال مجموعة من الاقتراحات لأولياء الأمور في سبيل وضع خطة واضحة لاستخدام هذه الوسائط، تهدف إلى قيامهم بمراجعة تفصيلية للمنتجات الرقمية كافة من أفلام، وتطبيقات وألعاب تعليمية وغيرها.

 وتتيح لهم تقييم أثرها على نمو الطفل، من نواحي عدة؛ انفعالياً، عقلياً، جسدياً ونفسياً.

لكن، ماذا لو لم يمتلك الأهل مثل هذا الوقت لتطبيق النصيحة الرقمية أو إنهم لا يمتلكون هذا النوع من المهارات التقنية لفعل ذلك؟

يؤكد أستاذ الإعلام المجتمعي في كلية الإعلام في جامعة ميشيغان كينتارو توياما؛ وصاحب مؤلف “حماية التغيير الاجتماعي من عبودية التقنية”، على أن القيام بهذه الخطوة من قبل الوالدين لا يعد أمرًا عسيراً.

ومن خلال خبرته البحثية في هذا المجال، يعقد توياما مقارنة طريفة بين الأجهزة الرقمية المتنوعة التي يتعرض لها الأطفال وبين مائدة طعام مليئة بأنواع مختلفة من الطعام، يوجد في أحد جوانبها الأطعمة الصحية المغذية الغنية بالبروتين والخضراوات والفواكه، فيما يحتوي الطرف الآخر على الحلويات والدهنيات والتوابل والحوادق التي تتميز بمذاقها اللذيذ لكنها غير صحية.

وقد تحتوي المائدة على الكحول التي لا ينبغي أن يستهلكها الأطفال على الإطلاق. هذا الأمر ينطبق تماماً على مائدة أخرى افتراضية مليئة بمنتجات التقنية الرقمية، بعضها مفيد وضروري لاستهلاك الطفل، فيما بعضها أضراره أكثر من فوائده ولا يشكل استخدامه أي فائدة تذكر سوى تضييع للوقت، أما المجموعة الأخيرة فهي المنتجات التي تشبه الكحول؛ وهي التي لا ينبغي للطفل استخدامها في المطلق مهما كانت الأسباب والظروف.

ولهذا، فإن منع الطفل من استهلاك بعض من منتجات المائدة الرقمية قد يحرمه من فرص التغذية الذهنية والنفسية الجيدة، كما أن تركه وحيدا يختار ما يحلو له من هذه المائدة لا يعد أمرا سليما أيضاً، خاصة إذا كان القيام بهذا السلوك بصورة يومية ودون إشراف من الكبار.

يختلف الآباء حول المستويات والمدى المناسب للاستخدام الرقمي لأطفالهم في ما يتعلق بالترفيه، بعضهم قد يحظر استخدام هذه البرامج لأيام عديدة في الأسبوع بينما لا يجد بعضهم أي حرج من استخدام الطفل لهذا النوع من الألعاب لساعات طويلة، وهذا الأمر يشبه كثيرا منع الأطفال من تناول المواد التي تحتوي على السكريات عموماً، في الوقت الذي يسمح فيه الآخرون لأبنائهم بتناول المثلجات كل يوم.

من ناحية أخرى، معظم العائلات تحرص على وضع قواعد يومية خاصة في ما يتعلق بأوقات وأماكن تناول الطعام، هذا الأمر ينبغي أن يطبق أيضا على الاستخدام اليومي للوسائط الرقمية. يرى كينتارو توياما، بأن الطفل إذا بدأ بالتصرف بطرق تبدو خارجة عن القواعد، فإن هذا حقا يكون مدعاة للقلق؛ فالعادات الغريبة غير السوية المرتبطة باستخدام الأجهزة الرقمية متشابهة تماماً مع العادات الغذائية غير السوية، وهي تستحق الاهتمام والتقصي من قبل الوالدين.

هناك سلوك عاطفي مرتبط بالأجهزة يعد خطرا على الصحة العقلية والجسدية للطفل مثل السلوك العاطفي المرتبط بالطعام، سواء كان من خلال الإفراط أو الحرمان، ويمكن أن يكون الإدمان على تطبيق رقمي معين أو لعبة أو منصة اجتماعية واحدة فقط مؤشراً أو علامة على شيء ما! وقد لا يكون كذلك، وهذا يعتمد فقط على الدور الذي يلعبه الأهل في التحقق من الوجهة التي يختارها الطفل.

يحتاج الأطفال الصغار إلى مراقبة مستمرة قدر الإمكان بسبب صعوبة تعاملهم مع التقنية، في حين يمنح الأطفال الأكبر سناً حرية أكبر والمزيد من الاستقلالية، لكن المراقبة والتوجيه من الأمور المطلوبة باستمرار فحتى الشخص الناضج يمكنه أن ينزلق إلى عادات سيئة يصعب تقويمها في المستقبل. من هذا المنطلق، يحتاج الأهل إلى مواصلة التجريب والتحقق للحفاظ على توازن جيد من استخدام أبنائهم للتقنية.

وكلما وصل الأطفال إلى مستوى جديد من النضج كلما صار في الإمكان منحهم المزيد من الاستقلالية، لكنهم إن ذهبوا في وقت ما إلى أبعد من الحدود المتفق عليها، فيفضل العودة إلى القواعد الأساسية لمرحلة سابقة.

بشكل عام، يعد تحقيق هدف التوازن أمرا غير يسير وفي النهاية لا توجد صيغة سحرية لكيفية تعامل أولياء الأمور مع مستجدات التقنية، لتحييد تأثيراتها السلبية على مسار حياة أبنائهم. كل ما يحتاجه الأبناء القليل من الاهتمام والكثير من الحب.

المصدر : صحيفة العرب

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى