فلسطين | بالنسبة لإسرائيل.. "السلام" دائماً وأبداً يعني تجنب قيام دولة فلسطينية مهما كانت هزيلة

فلسطين | بالنسبة لإسرائيل.. "السلام" دائماً وأبداً يعني تجنب قيام دولة فلسطينية مهما كانت هزيلة
فلسطين | بالنسبة لإسرائيل.. "السلام" دائماً وأبداً يعني تجنب قيام دولة فلسطينية مهما كانت هزيلة

(تحليل إخباري)

واشنطن– سعيد عريقات- يُناقَش على نطاق واسع في الوقت الحاضر كيف أن صفقة "السلام" (التطبيع) بين وإسرائيل هي تهميش للفلسطينيين، وهي صفقة تهدف في المقام الأول إلى كسب ودّ وإسرائيل لأغراض أمنية واقتصادية. الرمز المفترض لـ"تعليق" الضم المخطط له مشكوك فيه، وقد صرح بوضوح، بعد أقل من ساعة من إعلان التطبيع، أنه لا يعني بأي حال التراجع عن خطة الضم.

ورفض الفلسطينيون فوراً استخدام ورقة الضم المزمع من قبل الإمارات، فذلك مجرد ورقة توت.

ولكن كيف كان الأمر مع "اتفاقيات السلام السابقة" التي كان من المفترض أن تعمل بطريقة ما على دفع القضية الفلسطينية إلى الأمام؟ تحدث الرئيس المصري أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي عام 1977، قبل معاهدة السلام لعام 1978 قائلاً: "لم آت إلى هنا من أجل اتفاقية منفصلة بين وإسرائيل. هذا ليس جزءاً من سياسة مصر. المشكلة ليست في مصر وإسرائيل. وأي سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، أو بين أي دولة مواجهة عربية وإسرائيل لن يحقق السلام الدائم العادل في المنطقة بأسرها. بدلاً من ذلك، حتى لو تم تحقيق السلام بين جميع دول المواجهة وإسرائيل، في غياب حل عادل للمشكلة الفلسطينية، فلن يكون هناك ذلك السلام الدائم والعادل الذي يصر عليه العالم بأسره اليوم".

كلمات بقوة الرعد، ولكن النتيجة كانت ولا تزال "سلاماً منفصلاً" وفق المعادلة الكيسنجرية.

في كانون الأول من ذلك العام (1977)، أي بأسابيع قليلة بعد زيارة السادات وخطابه أمام الكنيست الإسرائيلي، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي عندئذ مناحيم بيغن خطاباً أمام الكنيست أعلن فيه ما سمي "خطة الحكم الذاتي" المفترضة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع في أعقاب السلام المقترح، حيث لطالما كان "الحكم الذاتي" النموذج الذي لن تقبل بأكثر منه ، في أحسن الأحوال، للفلسطينيين. بينما المجتمع الدولي قد يسميه "دولة" فلسطينية محتملة، فإن هذا لم يكن أبدًا النموذج الفعلي الذي ستسمح به إسرائيل.

أوضح خطاب بيغن المذكور أنه "مع إحلال السلام، سنقترح تقديم استقلال إداري للسكان العرب في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة) وقطاع غزة... سيتم إلغاء إدارة الحكم العسكري في "يهودا والسامرة" وقطاع غزة"، ومضى ملمحاً أنه سيمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً، "رغم أنهم لا يستحقون ذلك"، مشبهاً إياهم بالنازيين. وقال بيغن: "نحن لا نحلم حتى بإمكانية الانسحاب من "يهودا والسامرة" وغزة حتى لو أعطينا كأساً مذهباً، والتخلي عن تلك المناطق لسيطرة المنظمة القاتلة التي تسمى منظمة التحرير الفلسطينية... هذه هي أخطر منظمة قتل في التاريخ، باستثناء المنظمات النازية المسلحة".

بالتالي، يمضي بيغن بالقول: "ومن المعروف أن من يرغب في اتفاق معنا يجب أن يقبل إعلاننا عن انتشار الإسرائيلي في "يهودا والسامرة" وغزة. وستكون هناك أيضًا ترتيبات أمنية أُخرى، حتى نتمكن من منح جميع السكان، يهودًا وعربًا على حد سواء، في أرض إسرائيل حياة آمنة، أي الأمن للجميع... لنا حق ومطالبة بالسيادة على هؤلاء في مناطق أرض إسرائيل. هذه أرضنا، وهي ملك للأُمة اليهودية بحق. نحن نرغب في اتفاق وسلام".

وكان يعلم بيغن أن هناك تناقضًا بين السلام والحكم الذاتي، وأوضح ذلك قائلاً: "نحن نعلم أن هناك مطلبين آخرين على الأقل للسيادة على هذه المناطق. إذا كانت هناك رغبة مشتركة للتوصل إلى اتفاق وتعزيز السلام، فما هو السبيل؟". يقترح بيغن على الفور ترك قضية الحكم الذاتي الفلسطيني "مفتوحة"، مشدداً على أنه يجب أن يكتفي "العرب" بـ"الحكم الذاتي الإداري" في أحسن الأحوال، وأن يهود "أرض إسرائيل"، أي بما في ذلك المستوطنون في الأراضي المحتلة، سيكون لديهم "أمن حقيقي".

ويمضي بيغن : "وفي حال بقيت هذه المطالب المتناقضة، وإذا لم يكن هناك رد على مسار التصادم بينهما، فسيكون الاتفاق بين الطرفين مستحيلاً. ولهذا السبب، من أجل تسهيل التوصل إلى اتفاق وصنع السلام، هناك طريقة واحدة ممكنة. طريقة واحدة دون غيرها: الموافقة على أن تظل مسألة السيادة مفتوحة والتعامل مع الشعوب والدول، أي استقلال إداري لعرب أرض إسرائيل. ولليهود في أرض إسرائيل- أمن حقيقي. هذا هو الإنصاف المتأصل في محتوى الاقتراح. وبهذه الروح تم أيضًا قبول الاقتراح في الخارج...".

والحقيقة أن بيغن سلط الضوء بذلك على طبيعة نظام الفصل العنصري الذي كان على إسرائيل العمل معه منذ ذلك الحين. وهكذا، كلما ذُ كرت فكرة "حلّ الدولتين" كانت إسرائيل تقول "حكم ذاتي".

في عام 1994، وقعت وإسرائيل معاهدة سلام "وادي عربة" التي أُلغي بموجبها أي مطالب كانت للأردن في الضفة الغربية المحتلة، التي سيطرت عليها في عام 1948 وأدارتها حتى عام 1967. ونصّ الاتفاق على أنّ "أي معالجة لهذا الخط يجب أن تكون دون المساس بوضع المنطقة".

يقول المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم، لكن تاريخ ذلك معقداً بعض الشيء. ففي أواخر عام 1947 و 1948 ، عقدت الوكالة اليهودية اتفاقية سرية مع الملك عبد الله الأول "إنه مقابل وعبد الملك عبد الله بعدم دخول المنطقة المخصصة من قبل للدولة اليهودية ، وافقت الوكالة اليهودية على ضم شرق الأردن لمعظم المنطقة المخصصة للدولة العربية". وخلال حرب عام 1948، أصبح هذا الأمر أكثر تعقيدًا بحسب شلايم الذي يلخص قائلاً: "إن الصورة التي تظهر ليست الصورة المألوفة لإسرائيل وهي تقف وحدها ضد القوة المشتركة للعالم العربي بأسره، لكنها بالأحرى صورة تقارب رائع بين مصالح إسرائيل وتلك في شرق الأردن ضد الأعضاء الآخرين في ، خاصة ضد الفلسطينيين".

بحسب شلايم، فإنه بموجب اتفاقية السلام (اتفاقية وادي عربة) لعام 1994، صرح الأردن بأنه لم يطالب بأي مطالبات بالضفة الغربية، وأعلن أن الحدود تمتد على طول الضفة الشرقية لنهر الأردن، "ونظرًا لأن هذا كان اتفاقًا بين الأردن وإسرائيل، فإن التنازل عن المطالبة بالضفة الغربية يمكن تفسيره على أنه إعلان الأردن ضمنياً أنها أرض إسرائيلية، لكن صياغة "عدم الإخلال" تشير إلى أنها مفتوحة للموافقة عليها كأرض فلسطينية من قبل اتفاقيات بين الإسرائيليين والفلسطينيين".

طبعاً، كانت تلك المرحلة هي سنوات "اتفاقات أوسلو"، والفكرة من وجهة النظر الإسرائيلية كانت مرة أُخرى (وباستمرار) أن الحل هو "الحكم الذاتي"، وليس الدولة الفلسطينية.

شمعون بيريس، الذي كان وزيراً للخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت، كان يعارض بشدة قيام دولة فلسطينية (وفق سجل دقائق الأُمور الذي أعده موقع موندوايس الأميركي بهذا الملف)، رغم أنه (بيريس) قدم إشارات مبهمة اعتبر البعض أنها تعبر عن تأييده حل الدولتين. فقد كتب وزير العمل الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي في كتابه "ندوب الحرب وجراح السلام" أنه "في أواخر عام 1997 أي بعد أربع سنوات من عملية أوسلو، عندما اقترحت (بن عامي)، بصفتي رئيس لجنة الشؤون الخارجية لحزب العمل، للمرة الأولى التي صادق فيها الحزب على فكرة الدولة الفلسطينية، كان شمعون بيريس هو من عارض الفكرة بشدة".

وبحسب ادعاء رئيس شبكة الموساد السابق إفرايم هليفي في كتابه "رجل في الظل"، فإن من المثير للاهتمام أن الملك حسين، الذي كان رجلاً يتمتع بشعبية كبيرة في إسرائيل في ذلك الوقت (وكانت قد تمت دعوته للتحدث في جنازة رابين عام 1995)، كان من المتوقع منه من قبل شرائح محددة في إسرائيل أن يعبر عن تفضيله إما لبيريس أم نتنياهو لانتخابات عام 1996. وفي البداية (بحسب هليفي)، ظل الملك حسين محايدًا، لكنه اعترف في اجتماعاته مع الإسرائيليين بتفضيله نتنياهو، كون أنه لم يكن يثق به بشدة... بالنسبة لحسين كانت إعادة انتخاب رئيس وزراء إسرائيلي من الليكود بمثابة تغيير مرحب به، بالنظر إلى البديل".

طبعاً، الكل يعرف أن نتنياهو أثبت أنه أسوأ بكثير من بيريس بهذا الشأن، فلم تقد اتفاقات أوسلو إلا إلى المزيد من المعاناة للفلسطينيين، وابتلاع للأرض المحتلة لإرضاء المستوطنين، واحتلال عسكري لا نهاية له.

يكشف موقع موندوايس أنه في شريط سري من عام 2001 (تم الكشف عنه في عام 2016)، تفاخر نتنياهو أمام عائلة من المستوطنين حول كيفية تقديمه لاتفاقات أوسلو "تفسيرًا" من شأنه أن يسمح له بإيقاف "السباق نحو خطوط 1967". "كيف فعلنا ذلك؟ يفسر نتنياهو: "قلت إن المناطق العسكرية المحددة مناطق أمنية. من وجهة نظري، وادي الأردن منطقة عسكرية محددة، أليس كذلك؟". هذا هو المكان الذي قال فيه أيضاً: "أعرف ما هي أمريكا، أمريكا شيء يمكنك تحريكه بسهولة شديدة، وتحريكه في الاتجاه الصحيح... لن يقفوا في الطريق".

ذلك عندما ارتكب باراك أوباما خطيئة كبرى بقوله إنه يجب أن تكون هناك دولتان على طول خطوط 1967 -في عام 2011، بعد استخدام حق النقض ضد قرار مناهض للمستوطنات في التابع للأمم المتحدة- قام نتنياهو ومنظمات اللوبي الإسرائيلي بتقويضه، حيث ألقى نتنياهو محاضرة مشهورة على أوباما في البيت الأبيض حول كيف لا يمكن لإسرائيل أبدًا قبول مثل هذه الحدود، فيما جلس أوباما صامتاً يبلع ريقه.

وكذلك الأمر بالنسبة لما لُقب زوراً وبهتاناً في الإعلام الأميركي ومن المسؤولين الأميركيين آنذاك بـ"العروض السخية" من الإسرائيليين، مثل عرض إيهود باراك في قمة كامب ديفيد في شهر تموز من عام 2000 (في حين أنه لم يكن هناك أي عرض) بوجود عندئذ بيل كلينتون، والرئيس الفلسطيني الراحل ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، تلك العروض الوهمية التي يحب المدافعون عن إسرائيل التباهي بها، قائلين: "إن الفلسطينيين لا يفوتون فرصة لتفويت الفرصة".

ولذلك، فإن أي "اتفاق سلام" يمكن لإسرائيل قبوله مع أيٍّ كان هو دائمًا وأبدًا يستثني ويلقي جانباً أي مفهوم لقيام دولة فلسطينية، حتى في مفاوضاتها المزمنة مع الفلسطينيين أنفسهم. كل "صفقة سلام" مع دولة عربية أُخرى ستشمل بعض الإشارات لضرورة الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، لكنها لن تؤدي أبدًا إلى تحقيق ذلك.

الدولة الفلسطينية تظل وهمًا في الفكر الصهيوني. لم يكن ذلك أمراً تقبل به إسرائيل أبدًا تحت أي ظرف من الظروف.

هذا هو السبب في أن كل "اتفاق سلام" يمكن لإسرائيل قبوله مع أي شخص هو دائمًا ما يتعلق بتهميش الدولة الفلسطينية -حتى مع الفلسطينيين أنفسهم. كل صفقة سلام مع دولة عربية أُخرى ستشمل بعض الرموز للاعتراف بحقوق الفلسطينيين، لكنها لن تؤدي أبدًا إلى إعمال هذه الحقوق.

لذا في الصفقة الأخيرة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، هذه المرة "سلام" بين دولتين ليستا في حالة حرب، ولم تتنازعا قط على الأرض، كانت العظمة التي أُلقيت للفلسطينيين هي أن الضم المخطط له لـ32% من الضفة الغربية المحتلة سيكون مؤجلاً بعض الشيء.

الفلسطينيون يعون تماماً أن هذا (التهديد بالضم وغيره) لا يعني شيئًا في الواقع الفعلي، فالاحتلال سيستمر. وما وعد نتنياهو بأن الضم لا يزال مطروحًا على الطاولة، الأمر الذي يجب أن نصدقه على الأرض، إلا إشارة بأن الضم الفعلي الذي لا نهاية له يتم فعلاً على الأرض، معاضداً بمكائد التطبيع من وراء ظهورهم، يثبت أنهم (الفلسطينيين) في المحيط الرسمي العربي -باستثناءات بسيطة- يضفي مزيدًا من الصدقية على الإحساس بأنهم ليسوا إلا بيادق وأوراق تين في مخططات إمبريالية أكبر. ولذلك، فقد آن الأوان للتخلي عن فكرة حل الدولتين الوهمية.

المصدر:

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى