ترامب إذ يعيدنا إلى الصواب

ترامب إذ يعيدنا إلى الصواب
ترامب إذ يعيدنا إلى الصواب

يُقال دائماً رب ضارة نافعة، ومثلها، ربّ قرار أحمق نافع، تماماً كما فعل ، دونالد ، عندما أعلن عن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرّر نقل السفارة الأميركية إليها، فهذا القرار أثبت من جديد أن الأمة ما زالت وستبقى بخير.
كنت خائفاً، ليس من إصدار ترامب قراراً كهذا، فهذا الأحمق المطاع كان قد أعلن، عن نيته الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة ، منذ دخل السباق الرئاسي في العام 2016، ولكنني كنت خائفاً من أن تكون همومنا، مشكلاتنا، موتنا، المستعجل والمؤجل، ذلنا، استكانتنا، أملنا المفقود والمذبوح، كل ذلك سبباً لأن يمر هذا القرار الأحمق مرور الكرام. كنت خائفاً من أن يكون هذا القرار إعلان وفاة نهائية لثورات الربيع العربي التي انكسرت على حائط المؤامرة التي قادها القريب قبل البعيد. كنت خائفاً أن لا يجد هذا القرار صداه في ضمير الشعوب العربية والاسلامية ووجدانها، خصوصاً وأن ما مر بنا، منذ سنوات طويلة، كان دامياً ومؤلماً، ولكن ما جرى أثبت من جديد أن هذه الشعوب التي تنبهت من غفلتها لا يمكن أن تعود إلى سباتها الطويل، وإن كل ألاعيب الأنظمة المخادعة وزيفها لم تعد تنطلي عليها، بل إن بعض تلك الأنظمة التي شعرت بغضبة الشعوب تفاعلت، هذه المرة، وصدرت منها مواقف أفضل بكثير مما كان متوقعاً.
المميز في هبة الشعوب العربية والإسلامية، عقب قرار ترامب، هو درجة الوعي الكبير، فهذه 
"على الشعوب اليوم أن تواصل أخذ زمام المبادرة من يد أنظمتها"
الشعوب التي خرجت في مظاهراتٍ عفويةٍ كانت تعرف البوصلة أين تسير بلا تردّد أو خوف أو مواربة، كانت تعرف أن رافعي شعارات تحرير ممن لم يجدوا غير ودمشق وبيروت وصنعاء لاحتلالها، لم يعودوا قادرين على المزايدة، لم يعودوا يمتلكون القدرة على خداع الشعوب.
لم تتمكّن وحزب الله وملشيات فيلق القدس، بمختلف جنسياتها، هذه المرة من استغلال الحدث. نعم خرجوا ببياناتٍ ومواقف، وتغريدات وتصريحات وخطب رنانة، إلا أن الجميع كان يدرك، هذه المرة، أن القدس لم تعد مكاناً لمزيداتهم.
خبرت الشعوب العربية والإسلامية جيداً أعداءها وأصدقاءها. خبرت من يتاجر بالقدس، ومن هو فعلاً يتصدّر مشهد الدفاع عنها، من يدافع عن أولى القبلتين، ومن جعلها شماعةً لتحقيق أحلامه وطموحاته. نعم هذه المرة لم تنطل كذبة المقاومة والممانعة على الشعوب العربية والإسلامية، فحسن نصر الله لم يطلق صواريخه على تل أبيب أو حيفا، بل دعا إلى ثورة على "" مثل أي ناشط، أما إيران فهي مشغولة في تمكين مليشياتها في عواصم العرب، إلا القدس طبعاً.
كما أن قرار ترامب وحد الشعوب العربية والإسلامية، وأعاد ضبط بوصلتها نحو القدس، إلا أنه أيضا كشف خوار وعوار بعض ممن ينتسبون لهذه الأمة من علماء ودعاة ومثقفين، طالما خدعوا الجماهير بشعاراتٍ، طالما كانت صلواتهم وأدعيتهم على اليهود الغاصبين، إلا أنهم فجأة بلعوا ألسنتهم، وفضلوا الحديث عن طاعة أولياء الأمر والوالدين، في حين لم يجد بعض من دعاة التحرّر والليبرالية والتنوير إلا أن يعتبروا أن المقدسات في ، ولا مقدسات سواها.
هؤلاء الذين يفترض أنهم يقودون الرأي العام، صاروا يتحدثون فقط بلغة ولسان سعودي 
"لماذا صمت إمام الحرم المكي عن فعلة ترامب الجبانة؟ لماذا أهمل إعلامنا هذا الحدث الجلل؟"
فصيح، لا علاقة له بالأمة وقضاياها، هؤلاء اليوم لم يعد يلتفت إليهم الجمهور، وتحديداً الشعب السعودي الذي يبدو أنه صار أكثر ثقة بنفسه، على الرغم من كل التضييق على حريته، والتزييف الذي يمارسه إعلامه ليل نهار.
أعادنا ترامب إلى طريق الصواب، ورسم بحماقته طريقاً جديداً للشعوب التي كانت محبطة، وأعاد لها ثقتها بنفسها. صحيح أن حجم الانكسار كان كبيراً، إلا أن ما جرى من انتفاضة شعبية عفوية استطاع أن يجبر شيئاً من ذاك الكسر. وهنا لا بد من التأكيد والتذكير أن الخروج في تظاهرات عفوية، أو حتى التعبير عن رفض هذا القرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في غاية الأهمية، ولا ينبغي استصغاره، بل لا ينبغي السماح لأي شخصٍ أن يقلل من هذا الفعل، لأننا اليوم بحاجةٍ، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة الثقة بأنفسنا، والأهم بعد ذلك إدامة هذا الزخم الشعبي، سواء في تظاهرات أو تجمعات أو حتى التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
على الشعوب اليوم أن تواصل أخذ زمام المبادرة من يد أنظمتها، أن تحرجهم، أن تحشرهم في الزاوية، فإما أن يكونوا على قدر المسؤولية، أو يجدوا لهم مكاناً آخر.
حقيقة يجب أن لا نغفل عنها، وهي أن ترامب ما كان له أن يقدم على فعلته هذه، لولا تواطؤ أنظمة عربية باتت اليوم تقدّم كل فروض الطاعة والولاء من أجل أن يرضى عليها السيد الأميركي. ومع ذلك، جاءت أفعالهم وبالاً عليهم، وها هي شعوبهم تتساءل، لماذا لم يستنكر علماؤنا ومشايخنا هذا القرار؟ لماذا صمت إمام الحرم المكي عن فعلة ترامب الجبانة؟ لماذا أهمل إعلامنا هذا الحدث الجلل؟
صارت الشعوب تعرف الإجابات، وهذا أيضاً من بركات السيد ترامب الذي منحوه ملياراتهم، إلا أنه يأبى إلا أن يفقدهم كل يوم الشيء الكثير من رصيدهم الشعبي داخل أوطانهم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى