السعودية | عراقة الفقه الإسلامي

السعودية | عراقة الفقه الإسلامي
السعودية | عراقة الفقه الإسلامي

كنت أتحدَّث أنا وصديق بحديث ليس بجديد، عن جوانب من عراقة الفقه الإسلامي «أصالة وابتكاراً»، لكن قد يكون الجديد فيه الظرف الذي نتحدث في ظلاله، وهو ما يشهده العالم من جائحة .

في هذه الجائحة - نسأل الله تعالى أن يخرج العالم منها سالماً معافى - تتبين قدرة الفقه الإسلامي بتراثه العريق على معالجة ما استجدَّ من مشكلات بما يكفل مصالح الناس، ويرعى احتياجاتهم؛ سواء في ذلك جانب العبادات أم جانب المعاملات.

إن جئنا إلى جانب العبادات؛ فإن المسلم الذي يفقه دينه يعلم أنه حين يلتزم بما توجه به الجهات المختصة من الإجراءات الاحترازية والوقائية؛ أنه بذلك يلتزم بدينه قبل كل شيء، الذي أمر باتخاذ الأسباب مع التوكل على الله لا التواكل، لقد كان هذا الظرف فرصة للمجامع العلمية لكي تبين أن مبدأ اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية متقرر في الشريعة الإسلامية، وذكروا في ذلك نصوصاً شرعية أصبحت متلوة على كل لسان؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (فرّ من المجذوم كما تفر من الأسد) وقوله: (إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها) لقد بيَّن ذلك شيئاً من محاسن الدين الإسلامي، وأنه كما أنه دين الفطرة السليمة؛ فهو دين العقل السليم الذي يقضي بأهمية اتخاذ هذه الإجراءات.

ومسألة أخرى حين أفتت هذه المجامع العلمية بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة ومن ثَمَّ التراويح بالمساجد، والاكتفاء بصلاتنا في البيوت والجمعة تصلى ظهراً؛ واستندت هذه الفتوى إلى نصوص شرعية ومقاصد كلية وقواعد فقهية، لقد أثبت الفقه الإسلامي الذي يستند إلى الشريعة المطهرة أنه لا يعجز عن مواجهة الظروف كافة، وأنه قادر على دلالة المسلم فرداً وجماعة إلى معالجة أموره في جانب الدين والدنيا. وفي ذلك نستذكر حوادث مشابهة، فلقد وقعت مجاعة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاتخذ عمر تدبيرين، أو أصدر - في الحقيقة - حكمين، هما في نظري - لا سيما الثاني منهما - لا يقلان عن إيقاف الصلاة في المسجد، أولهما: أنه أخَّر جباية زكاة الماشية حتى تزول المجاعة، وثانيهما: أنه درأ حدَّ السرقة، وهو قطع يد السارق - عام المجاعة - لشبهة أن يكون دفعه إلى السرقة الاضطرار والجوع؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

فإذا ما جئنا إلى جانب المعاملات، فإن الفقه الإسلامي في ذلك واسع المدى؛ لأنَّ مبنى العبادة في الشريعة: الحظر، أما في المعاملة فهو: الإباحة. وبتعبير آخر عند بعض الفقهاء، ويحمل نفس المعنى، مبنى العبادة: التوقيف، ومبنى المعاملة: العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرَّمه الله.

وهذا ما جعل الفقه ملازماً للتطوير؛ لأنه يبحث عن مصالح الخلق، ومقاصد الإنصاف والعدالة، وما نحن بصدده في هذه الجائحة، فإن لدى الفقه الإسلامي حلوله لمعالجة كثير من المشكلات الناتجة عنها، وردّها إلى مبادئ المصلحة والعدل. فعلى سبيل المثال: فإن هذه الجائحة ألقت بظلالها على كثير من العقود والحقوق؛ سواء في ذلك جانب التكاليف والأسعار، أم في جانب مُدَد التنفيذ ومواعيد التسليم. وقد بُحثت هذه الإشكالات فيما يعرف بالظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزامات العقدية عبر المجامع الفقهية التي رأت: أن في العقود المتراخية التنفيذ - كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات - إذا تبدلت الظروف التي تمَّ فيها التعاقد تبدلاً غيَّر الأوضاع والتكاليف والأسعار تغيراً كبيراً بأسباب طارئة عامة لم تكن متوقعة حين التعاقد؛ فإن من الحق - ويكون ذلك عبر القضاء في حال التنازع - تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة توزع الخسارة على الطرفين المتعاقدين، وفي ذلك تحقيق للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنع للضرر المرهق لأحد المتعاقدين؛ بسبب لا يد له فيه، وهذا الحلّ أقرب إلى قواعد الشريعة، ومقاصدها العامة وعدلها.

الفقه الإسلامي كما قلت: «واسع المدى» والشأن ليس فيه؛ وإنما في المتلقي عنه، والمتعامل معه، وهو بنصوصه وكلياته وقواعده ونظرياته يفي بالحاجات الإنسانية المتجدِّدة، ومصالحهم المتغيرة، ومتغيرات الظروف والأحوال في الأزمنة والأمكنة، وهذا الفقه بما حوى من اجتهادات متنوعة، فإنه لا يخرج عن مجموعة مصلحة معتبرة، أو مبدأ حقوقي حكيم، أو نظرية معقولة، أو رأي سديد.

* نقلا عن " "

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى