فلسطين | حَكايا المحبة والمداعبة والحزم، القرى المهجرة وعاداتُها.. سماتٌ للتفاخر تتناقلها الأجيال

فلسطين | حَكايا المحبة والمداعبة والحزم، القرى المهجرة وعاداتُها.. سماتٌ للتفاخر تتناقلها الأجيال
فلسطين | حَكايا المحبة والمداعبة والحزم، القرى المهجرة وعاداتُها.. سماتٌ للتفاخر تتناقلها الأجيال

بيت لحم "" دوت كوم نجيب فراج يتباهى الكثير من وعلى مختلف الأجيال بالسمات التي كان يتحلى بها سكان القرى والمدن التي هُجروا منها في النكبة، وهي مستقاة من روايات وأحداث وقعت في هذه القرى قبل عام 1948، وتناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل، لتتخذ هذه الروايات سمة الافتخار بسجايا هذه القرى، بل وتتخذ طابع الفكاهة والمُعايرات لأبناء القرى الأُخرى.

التحدي لا يخلو من الحزم والمداعبة

في إحدى الروايات كان يجلس نحو عشرة رجال مجلس بمدينة بيت لحم قبل عدة سنوات وجميعهم من جيل النكبة ولربما معظمهم قد لاقى وجه ربه، وفي هذه الرواية جلس مصطفى عدوي (أبو أُسامة) (87 عامًا حاليًّا)، وهو من قرية زكريا المهجرة، يتفاخر بقريته التي كان فيها مدرسة مركزية يعتمدها أبناء بقية القرى المجاورة عليها.

يقول عدوي: "إن أبناء زكريا قد علموا أبناء القرى الأخرى القراءة والكتابة"، وهنا اعترض المرحوم محمد علقم "أبو عيسى"، الذي كان بالمجلس ويبلغ حينها نحو (73 عامًا) وهو من قرية "بيت نتيف"، نافيًا ذلك، ومؤكدًا أن أهالي "بيت نتيف" قد تعلموا ونهلوا من العلم بالاعتماد على أنفسهم، وبالتأكيد كانت جل الأحاديث تقع في دائرة المزاح.

الترجمة إلى العبرية والمباهاة بالقرية

بعد مرور بضعة أشهر على هذه الحادثة التي وقعت قبل 15 عامًا لجأ علقم إلى مصطفى عدوي كي يساعده في ترجمة إحدى المعاملات من العبرية إلى العربية، على اعتبار أن عدوي يُتقن اللغة العبرية جيدًا، فنظر إلى ما هو مكتوب، وكانت الوثيقة من صفحتين، وطلب منه إمهاله عدة أيام من أجل ذلك، ولكن عدوي كان يحفر لقناةٍ أُخرى، فقام بدعوة كل الذين حضروا وقت "المناكفة"، وحدّد موعدًا من أجل ذلك، ليأتي علقم إلى الاجتماع ويتفاجأ بالوجوه ذاتها من الرجال، دون أن يربط بواقع الترجمة.

حينها قام "أبو أسامة" عدوي، وبعد أن رحب وألقى بعض النكات، وجامله الحضور جميعهم بمن فيهم "أبو عيسى"، أبلغ "أبو أسامة" الحضور وبعد أن ذكرهم بالمناقشة السابقة، أن "أبو عيسى" قد طلب منه ترجمة إحدى الوثائق ليؤكد أن أبناء زكريا حتى اليوم يتميزون بالعلم، وقد وقعت الحادثة كلها من قبيل المزاح ومدى ارتباط أبناء النكبة بعضهم ببعض فانفكت الجلسة بمزيد من الترابط والمحبة.

التنافس بين القرى

ومن الروايات الأُخرى التي يتم تداولها من قبيل المزاح، حيث اعتاد محمود أبو سرور (أبو جاد الله) من سكان قرية "بيت نتيف"، وهو صاحب محل للصرافة في بيت لحم، ويبلغ من العمر (90 عامًا)، أن يواجه أي شخص من سكان زكريا بتذكيرهم بأن أهالي قرية عجور المجاورة لزكريا كانوا دائمًا يستقوون على أهالي زكريا، وأن المشاجرات التي كانت تحدث في القرية دائمًا كانت تنتهي لصالح أهالي عجُّور.

ولم تتزحزح قناعة الحاج أبو سرور بأن العودة إلى قريته "بيت نتيف" حتمية رغم مرور 72 عامًا على نكبة الشعب العربي الفلسطيني، ورغم وصوله هذا العمر المديد من الزمن، مؤكدًا أنه إذا لم يعد هو فسيعود أبناؤه أو لأحفاده، ولكن حق العودة لن يضيع ولن يذهب سدى ولن يتقادم.

ويصف الحاج أبو جاد الله، قريته بأنها جميلة جدًا ووادعة وتقع بين قريتي زكريا وعلار، وجميعها من القرى المدمرة التي هُجر سكانها، وتقع جميعها في قضاء الخليل، ولكنها قريبة على القدس والرملة.

القرية الأصلية في الذاكرة.. لو سمح لي ساعود لو حافيًا!

الحاج أبو جاد الله يقطن اليوم في بيت لحم، ويصف وضعه الاقتصادي بأنه ممتاز، فهو يملك مصرفين لتبديل العملة في وسط المدينة، إضافة إلى مساحات واسعة من الأراضي في أماكن مهمة، ومع ذلك فلو سمح له بالعودة إلى مسقط رأسه "بيت نتيف"، فإنه سيفعل ذلك حتى لو سيرًا على الأقدام حافيًا وتاركًا كل أملاكه.

يقول أبو جاد الله: "إن العودة إلى قرية الآباء والأجداد لا تُقدَّر بثمن، فالقرية التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها وكان عمري حينها (17 عامًا) لا زالت في ذاكرتي بيتًا بيتًا، وشبرًا شبرًا وحارةً حارةً".

ويتابع: "لقد كان عدد سكان قريتنا قبيل النكبة حوالي ثلاثة آلاف نسمة، وقد تشتتوا في أصقاع العالم"، مستذكرًا: "كنت بين المحاربين في وجه العصابات الصهيونية، حيث اشترى والدي لي بندقية بقيمة 300 جنيه، وانضممتُ مع المحاربين، ولجأت إلى منطقة بيت الجمال، وهي منطقة واسعة وفيها دير للراهبات، وهناك دارت معارك عنيفة، حيث امتلك الشبان إرادة قتال لا يمكن وصفها، ولكنها بأقل الوسائل القتالية".

ويؤكد أبو جاد الله أن الشبان بعفويتهم قد استبسلوا أكثر من الجيوش العربية، بل إن مدفعيات تابعة لأحد الجيوش كانت تطلق النار باتجاههم بقصد أو بغير قصد، ولكن النتيجة كانت أن النيران العربية باتجاههم، وقد استشهد خلال ذلك عدد من المقاتلين، بينهم الشهيد محمود عابدين من الجهاد المقدس وهو من مدينة الخليل، مشيراً إلى أن عائلته غادرت القرية مشياً بمعية آلاف المواطنين من مختلف القرى الذين ساروا باتجاه صوريف، ثم "بيت أمر" وصولًا إلى موقع قرب بيت لحم، فأقاموا الخيام، وبات الموقع يُعرف بعد ذلك مخيم عايدة للاجئين إلى الشمال من بيت لحم.

العودة حتمية.. والظلم إلى زوال

يستذكر أبو جاد الله تلك اللحظات الأليمة، وترك عائلته لقريتهم، حيث كان والده من بين الملاكين الكبار هناك، حيث كان يملك 15 ألف دونم، مشيرًا إلى أنه زارها العديد من المرات، لكنه انقطع عنها منذ 1991.

يشعر الفلسطينيون أن اتفاق أوسلو عمل على تحديد حركتهم وحرمهم من التنقل داخل المناطق المحتلة عام 1948، حيث كان مسموحًا التواصل هناك لمن يريد، وبقيود لا تكاد تُذكر إذا قيست بقيود اليوم.

ويؤكد الحاج أبو سرور أن العودة حتمية، وأن أي ظلم في العالم إلى زوال، ويشير إلى أن أبناءه خمسة وبناته أربع، أما أحفاده فهم كثر لم يستطع عدهم، ولكن الأكيد أنه يُعلّمهم على ضرورة التمسك بهذا الحق.

ميزات قرية المالحة

قبل 3 سنوات تُوفي اللاجئ عبد الله عودة المالحي (أبو صلاح) من سكان قرية المالحة شرق القدس عن عمر يناهز (94 عامًا)، وكان يقطن في مدينة بيت لحم وهو من أكبر المعمرين في المالحة، وهو يظل يستذكر أيام الطفولة والصبا أمام أبنائه وأحفاده، ويتفاخر بأن المالحة قاومت للدفاع عن القرية بشكل مستميت في وجه العصابات الصهيونية، كما ظل يستذكر ويتفاخر أن المالحة كانت تحوي أول مدرسة ثانوية مختلطة، وهي المدرسة الوحيدة بهذا الوصف.

كان المالحي يقول إن قرية المالحة التي دُمرت بالكامل وتحولت إلى إحدى ضواحي القدس الغربية، وفيها الكثير من المرافق الترويحية كحديقة الحيوانات والمرافق التجارية، كانت تشتهر بزراعة الزيتون بشكل مكثف، "فزيتونتها كان يشكل مصدر دخل قومي للبلاد، وهو من النوعية الجيدة بكل المقاييس وكانت القرية تحوي على أكثر من عشرة آلاف شجرة زيتون كلها جرى تدميرها من قبل العصابات الصهيونية"، كما كان يفتخر "أبو صلاح" بكثرة المتعلمين من أبناء القرية التي يعتبر مستواها الثقافي من أعلى المستويات.

أما أهالي قرية "علار"، وهي إحدى القرى المدمرة إلى الغرب من مدينة القدس، فيتباهون بأن أبناءهم وعبر الأجيال المختلفة يمتلكون موهبة تلاوة القرآن الكريم والأذان بأصوات مميزة، بحسب ما يقول المدرس يوسف عدوي في مدرسة ذكور الدهيشة الأساسية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين.

ويشير عدوي إلى أنه كان يلاحظ مواهب أطفاله في المدرسة ويتابعهم، ويؤكد أن العديد من أهالي علار قد امتلكوا هذه الموهبة عبر السنوات والعقود المتتابعة.

وتميزت قرية "بيت عطاب" بأنها كانت مركزًا للقوى السياسية ما قبل النكبة، وارتبط الكثير من أبنائها بالحركات السياسية والجهادية التي كانت منتشرة هناك، فيما تميزت قرية "ديرابان" بالعناد وبالقوة، نظراً لمساحة أراضيها الكبيرة وتحكُّم أهلها بالسوق المحلية لكثرة إنتاجها من الخضار والفواكه.

"زكريا" القرية المتعلمة

عن قرية زكريا يقول الكاتب الفلسطيني الباحث صلاح عبد ربه في كتابٍ ألّفه عن القرية، حيث توفي عبد ربه قبل نحو خمس سنوات، "إن قرية زكريا كانت من أوائل القرى الفلسطينية التي ظهر فيها التعليم، وانتقل التعليم من الكتاتيب إلى المدرسة الابتدائية في العشرينات من القرن الماضي، وفي أواخر العشرينات كانت ابتدائية كاملة ومختلطة".

ومن الأمور التي يفخر بها أهالي زكريا المشتتين الآن أن القرى المجاورة كانت تحضر إلى زكريا لكتابة الرسائل أو فكها أو تحرير عقود الزواج أو حجج البيع و الشراء، أو التعاويذ الدينية، وما زال الناس يتندرون حتى الآن على استخدام أهالي زكريا المبالغ به للغة الفصحى، ولاستخدامهم لحرف الكاف بالفصحى، وليس بالعامية الفلسطينية المعروفة.

وينقل عبد ربه عن أحد الرواة أنّ أهل زكريا كانوا مغرمين باقتناء الكتب مثل تفاسير القرآن، وكتب الطبري وابن مالك، والبخاري، على سبيل المثال، وكانوا يتابعون في الثلاثينيات والأربعينيات مجلتي (الرسالة) و (الثقافة) المصريتين، وهو أمر ربما كان مفاجئًا لأهالي قرية فلسطينية صغيرة لا تُرى على الخارطة.

حال المرأة في "زكريا"

يبدو أنّ حال المرأة في قرية زكريا لم يكن تختلف عن باقي القرى الفلسطينية، وينقل عبد ربه عن راوياتٍ من القرية أن الرجال لم يكونوا يسمحون للنساء بالخروج للمشاركة في العمل الوطني، لأنه إذا حصل (شيء) في المواجهات فإن الشباب يستطيعون الهروب، أما النساء فلا يستطعن.

وعبرت الراويات، وهن الآن عجائز، وقد توفي بعضهن أو معظمهن، أنه كان لديهن الرغبة في النضال، خصوصًا أنهن كن يسمعن عن "اليهوديات وكيف كن يشاركن في القتال مع اليهودي"، حسب تعبيرهن.

ومع ذلك، فإن (البنت) في زكريا كانت تتعلم مع (الولد) في نفس المدرسة، وكانت تقوم المرأة بأعمال الأرض جنبًا إلى جنب مع الرجل، لكن المرأة "كانت خادمة للرجل، ولكن الوضع تغير بعد اللجوء"، كما تقول الراوية هنية أحمد يونس.

ويمكن تفسير التغيُّر بأنه يعود إلى الأعباء الاقتصادية الكبيرة والمعاناة التي عاناها الأهالي في المخيمات، حيث كان في انتظار المرأة أعباء كبيرة من الذهاب لجلب الحطب من الجبال والبرية المجاورة للمخيمات إلى جلب المياه من الآبار البعيدة إلى العمل بالحياكة أو التطريز للصرف على البيت.

المصدر: القدس

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى