الموصل المحررة... خيار البيت المهدم أو المخيمات

مضت أشهر على المعارك التي أنهت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "" على الموصل (شمال )، وعادت عشرات آلاف العائلات إلى المدينة بعدما كانت قد نزحت منها هرباً من الموت، وإن كان مصير بعض المدنيين مجهولاً، بين قتلى دفنوا في مقابر جماعية، وآخرين عالقين تحت أنقاض المنازل المهدّمة بفعل المعركة. وتستمرّ الجهات المسؤولة في الكشف عن مقابر جماعية لمدنيين دفنهم عناصر "داعش"، وآخرين ما زالوا تحت أنقاض المنازل.

ولأن رائحة الموت ما زالت تنتشر في كل مكان من المدينة، عدا عن استخراج الجثث من تحت الأنقاض، ندم بعض السكان لأنهم عادوا إلى مدينتهم، في ظل غياب الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحية.

وكان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قد أعلن تحرير الجانب الأيسر (شرق) من مدينة الموصل بالكامل من سيطرة "داعش" في 24 يناير/ كانون الثاني الماضي، فيما أعلن تحرير الجانب الأيمن من المدينة في 10 يوليو/ تموز الماضي. وفي 31 أغسطس/ آب الماضي، أعلن تحرير كامل المحافظة بعد تحرير ناحية العياضية، آخر مدينة كان يسيطر عليها "داعش" عقب قتال استمر تسعة أشهر.

عودة إلى
يقول نبيل عمران إنه رغم شوقه للعودة إلى مدينته، إلا أنه لم يتمكن من البقاء أكثر من أسبوعين، فحزم حقائبه عائداً إلى بغداد. يوضح لـ "العربي الجديد": "لطالما رددت بأنني سأرجع إلى مدينتي وإن كانت مدمّرة، وسأساعد في إعادة إعمارها وعودة الحياة إليها. ذهبت بمفردي وفي نيّتي ترتيب بيتي الذي تعرّض لأضرار من جراء المعارك، لكنني صدمت بالواقع". يقول إن "الجهات الحكومية تتجاهل الناس هناك وكرامة الإنسان منتهكة. كان الأولى إطلاق حملة تضم متخصصين من مختلف المحافظات، لكي يسرعوا في رفع الأنقاض واستخراج الجثث. أرعبني قط خرج من تحت أنقاض بيوت مهدمة وكان يأكل اللحم. القطط والكلاب تحوم في هذه الأماكن لأنها تجد جثثاً تأكل منها". يتابع: "إضافة إلى ما سبق، الخدمات الصحية غير متوفرة. ولا يعقل أن تنتظر دورك لأكثر من يوم، بل قد يستمر الانتظار أياماً. المدينة في حاجة إلى إعادة تأهيل مستشفياتها، وعودة كوادرها الطبية، إضافة إلى الخدمات الأساسية الأخرى غير المتوفرة. لذلك، قررت العودة إلى بغداد كي أنقذ عائلتي من خطر التعرض للأمراض".


اقــرأ أيضاً
ليس جميع سكان الموصل مثل عمران، الذي نزح إلى بغداد هرباً من بطش تنظيم "داعش"، وسكن في منزل أحد أقاربه، ومارس مهنته في ميكانيك السيارات. لم يجد صعوبة في العيش، فيما تأقلمت عائلته في حياتها الجديدة. وعانى غالبية أهالي الموصل، الذين سكنوا في مخيمات غير صالحة، كما يؤكد عدد منهم.

أحمد شاكر الذي عاد إلى الموصل، يقول إن "الدمار ونقص الخدمات أهون من العيش في المخيّمات". ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "المخيمات أشبه بالسجن في العراء. الخيم صغيرة لا تقي من برد الشتاء وحرّ الصيف. الطعام متوفر بشكل عام لكن يصعب الحصول على علاجات، ونتشارك المراحيض العامة. المخيمات مُذلّة جداً، والمسؤولون كانوا يشعروننا بأنهم يتصدقون علينا من مالهم الخاص وهم يشرفون على توزيع وجبات الغذاء أو البطانيات أو غيرها، التي ترسلها منظمات إغاثية دولية". يضيف: "عدت وعائلتي إلى الموصل بعد تحريرها رغم تهدم منزلي، وسكنّا مع عائلة أخي في منزلها. قبل داعش، كنت أملك وشقيقي محلاً كبيراً لبيع الأثاث، إلا أن السوق تهدمت، وتتطلب إعادة فتح المحل مبالغ طائلة لا نستطيع توفيرها. اليوم، أعمل وشقيقي في بيع الخضار. لا يهمنا نقص الخدمات، بل حتى إن أصبنا بأمراض. المهم أننا نسكن في مدينتنا وليس في المخيمات".

مفقودون
لحسن حظه، لم يخسر شاكر أحداً من ذويه خلال المعارك، واقتصرت الأضرار على الماديات. في المقابل، يعاني من فقد قريباً أو جاراً أو صديقاً، خصوصاً أولئك الذين لا يعرفون مصير أبنائهم بعد. هل هم تحت أنقاض البيوت المهدمة، أم دفنوا في مقابر جماعية مجهولة، حيث دفن داعش مدنيين حاولوا الهرب من المدينة.

إلى ذلك، يتابع سعد الطائي مع فرق الإنقاذ رفع الأنقاض وركام البيوت لاستخراج الجثث، إضافة إلى بيانات القوى الأمنية التي تستمر في الإعلان عن اكتشاف مقابر جماعية جديدة، أملاً في معرفة مصير عائلة شقيقه. كان شقيقه يسكن في الجانب الأيمن من المدينة، أي المنطقة القديمة من الموصل، وكانت أشد المناطق تضرراً بفعل المعركة بسبب ضيق أحيائها، ما أخّر تحريرها، وقد تحصّن فيها عناصر داعش، ما اضطرّ القوات العراقية إلى استخدام القوة والقصف الجوي المكثف لتحريرها.

يقول الطائي إنه محظوظ، إذ نجا وعائلته ولم يتضرر منزله بعدما حررت القوات العراقية قريته الواقعة عند أطراف الموصل مطلع عام 2016.

وكانت قد أعلنت مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أن ألفين و521 مدنياً على الأقل قتلوا خلال معركة تحرير الموصل، وتم العثور على 74 مقبرة جماعية في المدينة منذ عام 2014 في مناطق خاضعة لسيطرة "داعش". يوضح الطائي لـ "العربي الجديد" أن "سكان المدينة القديمة، الذين نجوا من الموت، يتحدثون عن كوارث حلّت بالناس. خلال المعارك، كانوا يبحثون عن منازل جيدة البناء وحديثة كي يتحصنوا فيها، إذ إن غالبية بيوت المدينة قديمة ومتهالكة، وكانت تسقط على ساكنيها بفعل ارتجاج الأرض من قصف الطائرات. يضيف الطائي: "قيل إن عناصر داعش كانوا يتحصنون بين السكان. لذلك، كانت عائلات عدة تتجمع وتختبئ في أماكن بعيدة أو أقبية داخل بعض المنازل، لتحتمي من داعش والقصف. إلا أن بعض هذه البيوت تهدمت، ومات من فيها. لذلك، حين تعثر فرق الإنقاذ على جثث، تكون ملامحها قد اختفت، ولا يعرف عنها شيء".

وتتضارب المعلومات حول عدد القتلى المدنيين من جراء المعارك في المدينة، في وقت أعلنت خلية الإعلام الحربي المعنية بإصدار بيانات الحرب ضد "داعش" في 20 يوليو/ تموز الماضي، أن 1429 مدنياً قتلوا خلال المعركة. وجاء هذا الإعلان رداً على وزير الخارجية العراقي السابق، هوشيار زيباري، الذي قال لصحيفة "إندبندت" البريطانية إن 40 ألف شخص قتلوا خلال المعركة. وأفادت التقديرات بوجود نحو 7 آلاف مقاتل من "داعش" في الموصل، فيما أعلنت خلية الإعلام الحربي مقتل 30 ألفاً من مسلحي التنظيم خلال الحملة العسكرية. وكانت وزارة التخطيط العراقية قد أكدت تدمير نحو 80 في المائة من البنى التحتية والخدماتية في الموصل، إضافة إلى آلاف المنازل.

عجز
من جهته، يشير الإعلامي والناشط في المنظمات الإغاثية محمود النجار، لـ "العربي الجديد"، إلى وجود "تقصير كبير من قبل الحكومة المركزية في بغداد". النجار الذي يسعى إلى إيصال صوت سكان مدينته الموصل، ومدى حاجة الناس إلى الخدمات الأساسية، إلى الجهات المسؤولة والرأي العام العالمي من خلال عمله المدني والإعلامي، يقول إن الحكومة تعزو عدم منح الموصل المال لإعادة الإعمار إلى العجز في ميزانية الدولة والذي يقدر بأكثر من 30 مليار دولار، إضافة إلى تحملها مصاريف الحرب ضد داعش، وضمها فصيل الحشد الشعبي.

ويصف النجار موقف الحكومة أنه "خلط للأوراق، وسيؤدي إلى تضييع حقوق المدنيين الذي خسروا عائلاتهم وبيوتهم ومحالهم ومساكنهم". يضيف: "حتى اليوم، لم تقدم الحكومة أي شيء للعائلات المنكوبة في الموصل، وما زال الأهالي عاجزين عن العودة إلى مناطقهم، لأن بيوتهم تحولت إلى رماد غير صالحة للترميم أبداً". ويقدر حجم الخراب المؤثق من قبل الأمم المتحدة 60 في المائة في الجانب الأيمن للمدينة فقط. ما تحتاجه الموصل، بحسب النجار، هو رفع الأنقاض من الشوارع، ومنح مساعدات مالية لإعادة بناء البيوت والمحال التجارية، إضافة إلى مد أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء، مشيداً بدور الفرق التطوعية في مساعدة الناس.

ويشير إلى أنه بحسب الدفاع المدني، هناك نحو 2600 جثة تحت الأنقاض، ولا تسمح القوى الأمنية للعائلات بانتشالها خشية أن يكون هناك مواد متفجرة. ويؤكد أن "جهاز الدفاع المدني يواصل انتشال الجثث بنفسه بواسطة خبراء، وقد انتشل أكثر من 2400 جثة خلال الأشهر الماضية والعملية مستمرة". ويكشف النجار، بحكم عمله الإنساني داخل الموصل، أن السكان هناك "يعانون اكتئاباً وخيبة أمل لا توصف".


اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى