الاعتبارات القاتلة

الاعتبارات القاتلة
الاعتبارات القاتلة

ما تزال مراكز الأبحاث في الوطن العربي ذات أدوار هامشية ومحدودة، لجهة التأثير في صنّاع القرار والنخبة والجمهور، وبالتالي في رسم السياسات العامة وصياغة الوعي التقدمي النقدي العام؛ كما يحدث في معظم الدول الديمقراطية المتطورة. وهذه العناوين تحتاج إلى دراسات معمقة على أسس علمية ومنهجية. وعليه، لم تحتل مراكز الأبحاث بعد المكانة التي تستحق أن تشغلها في الهيكل المجتمعي العام كدولة وقطاع عام وخاص وفئات وشرائح السكان.

ومثل هذا المآل يتعلق مباشرة بالبيئة التي تتحرك ضمنها، وبالإشكاليات والتحديات التي تؤثر في دورها، سواء في مجال البحث العلمي بشكلٍ عام أو في مجال صنع السياسات العامة.

وفي أي بحث عن أدوار مراكز الأبحاث العربية لا بد من أن نشير إلى أن العديد من مراكز الأبحاث هي مجرد غطاء سياسي للحكومات والأجهزة، وبذلك تتعطل قدرات الباحثين على ممارسة الأمانة العلمية والنزاهة التي يجب أن يتمتعوا بها لدى عملهم على أبحاثهم . كما أن عدداً من المراكز هي عبارة عن متنفس للعمل السياسي لدى عدد من الطامحين إلى لعب أدوار عامة تمنعها عليهم الممارسات السلطوية الأقلوية، ما يجعل الأبحاث عبارة عن مطية لاختراقهم الأسوار المرفوعة أمامهم. لكن الأخطر يتمثل في تنفيذ هذه المراكز رغبات الممِّول في كيفية مقاربة الموضوعات المطروحة وترتيب أولوياتها ونتائج المقاربات وتحليل المعطيات. ويضاف في مجال الاعتبارات القاتلة التي تعانيها هذه المراكز ترويجها لأيديولوجية معينة، أو لسياسة ما. من السياسات المفروضة، ولعل هذا ما يلمسه متابعو أجهزة ووسائل الإعلام الذين يلحظون تعبير الباحثين الذين تستضيفهم الفضائيات وتبريرهم لمواقف الدول الممولة. حتى أنه بات لكل من الفضائيات من تستحضرهم لدعم وجهة نظر الدولة أو الجهة المرجعية لها.

وسط هذا المناخ من التبعية لا يعود الموقع العلمي البحثي معتمداً على رؤية إستراتيجية تتعلّق بالاحتياجات المجتمعية، سواء كانت قُطرية أو إقليمية أو دولية؛ أو مرتكزاً على معطيات بحثية وأكاديمية محايدة ورصينة وذات مصداقية عالية لا يمكن التشكيك بنزاهتها. يقود مثل هذا الوضع وبالنظر إلى التبعية التمويلية إلى تحويل الباحث إلى شخص تابع لصانع القرار. وتبعاً لذلك ينحسر تأثير ما يتم إنتاجه من أبحاث ودراسات لينحصر في بعض الجهات والدوائر المحدودة. والأخطر عندما تصبح تلك الأبحاث في خدمة الأجهزة الأمنية في الدولة بمتفرعاتها وتنوعها، وتصير هذه الأخيرة هي الوحيدة المعنية بما ينشر من الأبحاث والدراسات لاستخداماتها القمعية.

في مثل هذا الوضع المزري نجد أن الكثير من المراكز تخرج من مؤتمراتها وندواتها التي غالباً ما تتم "غب الطلب" بتوصيات عمومية باهتة جراء هذه التبعية المقرونة بامتناع الأجهزة الحكومية عن تزويدهم بالمعطيات العلمية الدقيقة للوصول إلى نتائج محددة للتطبيق. والأنكى أنهم رغم التنازلات التي يقدمونها للجهات الحكومية، يدركون أن ما يتوصلون إليه لا يجد طريقه للتنفيذ طالما المسؤول يتصرف على أنه أدرى بشعاب الموضوع من سائر البشر، وبعده ليس هناك من زيادة لمستزيد مما فتح الله عليه.

*أستاذ جامعي

 
اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى