نور ناجي: رحلة إجبارية

نور ناجي: رحلة إجبارية
نور ناجي: رحلة إجبارية

نور ناجي

“أصحو يومياً وكأنني مسافر لم يجد نهاية لرحلته”. جملة لم تقبل مواصلة دربها، اعترضتني بعناد طفل يبغى موعد حقيقي لوضع رحاله وقد أتعبه السفر وترحاله.

هذا حال من وضعت خارطة بلاده على طاولة قمار الكبار، وللأسف لا توضع على الخرائط ملامح المواطنين على الأرض أو مقياس لمدى معاناتهم واوجاعهم. مجرد ورقة مسطحة تُفرَشْ لترمى عليها قطع النرد، لتقسم وتجزأ حسب ما يرى النرد ولاعبوه.

جميعنا مسافر على نفس الرحلة، بمساحة العربة الضيقة التي خصصت لنا. بالكاد نفتح أعيننا على أزيز الذباب المزعج وقد أثقلت كثافة الغبار أجفاننا، يأسنا من تحريك نوافذنا العالقة علينا، وقد منعنا من التوقف لالتقاط بضعة من أنفاس، أو غسل وجوهنا.

خمسة وعشرون مليون يمني مسافر، محصورون بظهر المقاعد الأمامية التي ترتطم بهم بين لحظة وأخرى وحقائبهم التي تزاحمهم في مساحة العربة والغربة، والتغريب..

لا يستدلون الدرب الذي يقادون إليه، ولا تهب عليهم الريح سوى من نافذة السائق الذي تتبدل ملامحه بين الحين والاخر، ما بين ملامح زعيم الميليشيا، وبين من يقاسمونه أرباح أجرة ذلك السفر ..

يحاول البعض قطع الصمت وتجاهل اهتزاز العربة بتذكر الماضي القريب. فليس تسكعنا على أرصفة ، التي كانت تعشق النهوض مبكرة، ببعيد عنا. لم يفارق بخار كوب الشاي الساخن سماءها، وذكرياتنا مع باب ، المعرض الفني المفتوح للجميع ليل نهار قبل أن يلطخ، على وعد منا بلقاء له ولحظة وصال ..

تجرأ البعض على فكرة الهروب، وهجر العربة وقد يأس من الوصول، ليجد نفسه وقد عاد لنفس المقعد. فلا رجوع عن هذه الرحلة التي حجزت للجميع دون استثناء لأحد، فقرر التناسي بالصمت كالغالبية واعتبار هذه الرحلة لشعب لا تربطه به صلة او وثاق، كالأمازون مثلاً..!

مرت السنوات ومازالت العجلات تدور وتنثر التراب والحصى حولها دون أن تتغير ملامح الطريق، وقد استحدث عليها منتفعون مارسوا من مقاعدهم رحلة داخلية بين جنبات العربة لتجارة مربحة بين راكبيها وعليهم ..

لا موعد محدد للوصول، وعقارب الساعات قررت التوقف، وقد رسم قوس منكسر حزين على سطحها، رغم تجاهلنا لعقاربها الجامدة، وعدم محاولتنا إصلاحها خشية أن تكون إجابتها بأن الرحلة مستمرة، وعلى السادة الركاب التزام اليأس أو إلقاء أنفسهم تحت عجلاتها الدائرة..!

المضحك المبكي أننا لانزال نسمع تراشق البعض وتحميلهم مسؤولية رحلة التشرد واستمرارها، غير مبالين بالسائق أو مشقة الرحلة ومعاناة الأبرياء..

لن نجد نهاية للرحلة، أن لم نتعلم منها شيء. هل يهمنا ونحن في خضم كابوس خانق أن نعرف أسبابها؟ أم أن خروجنا هو الاجدى؟

سنظل نسير على حدود احذيتنا الضيقة، إن لم نتناسى الماضي، وندرك أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا. عدونا الأساسي “ميليشيا الحوثي”، التي كانت أكثر ذكاء منا وقد استوعبت ذلك قبلنا، ولم تبخل في توزيع الظلم بيننا..

“علينا أن نتعلم كيف نعيش سويةً كالأخوة، أو أن نهلك معاً كالحمقى”. مارتن لوثر كينج

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى