فلسطين | المتاهة...مهند عبد الحميد

فلسطين | المتاهة...مهند عبد الحميد
فلسطين | المتاهة...مهند عبد الحميد

| دخل الكل الفلسطيني في متاهة ولم تنجُ أي فرقة - إن جاز استعارة مصطلح الفرقة الناجية-، وبقي الجميع داخل المتاهة بسبب اعتقاد كل طرف انه خارجها، وواقع الحال لم يخرج ناجون حتى الآن. من يدقق في المشهد السياسي الفلسطيني سيجد الاتهامات المتبادلة التي تستند إلى كم كبير من أخطاء الآخر وهي أخطاء حقيقية، بدون الالتفات إلى الأخطاء الخاصة والى المسؤولية عن أخطاء الآخر. مشاركة الجميع في الأخطاء وفي المسؤولية عن المأزق الذي يعيش الجميع داخله، لا تعني المساواة بين ألوان الطيف السياسي، فهناك أخطاء ومسؤوليات كبيرة ومتوسطة وصغيرة، لكن الجميع يتساوى في العجز أو في عدم الخروج من المتاهة ومن عنق الزجاجة. 
الخطر المحدق الذي يهدد المصير الفلسطيني برمته، تشخيص متفق عليه من الجميع، ولكن ما هو أهم هو مواجهة الخطر والتقليل من آثاره السلبية على السواد الأكبر من الشعب. وإذا انتقلنا من العام الى الخاص، وإذا تدرجنا في المسؤولية سنبدأ من مركز القرار والشرعية، المنظمة والسلطة. السؤال الذي يطرح على اجتماع المجلس المركزي في دورته الـ 30، لماذا بقيت قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي دون تنفيذ وتطبيق طوال المدة السابقة؟ قد يكون من السهل الإجابة عن الجزء الخاص بدولة الاحتلال، بالقول إن تطبيق القرارات من نوع التراجع عن الاعتراف بإسرائيل واتفاق الاقتصادي، والتنسيق الأمني، يعني الخروج من مسار أوسلو ومعه الاحتكار الاميركي للعملية السياسية. إن تطبيق القرارات له صلة وثيقة بالبنية السياسية الاقتصادية الأمنية الفلسطينية التي تشكلت على احتمال واحد وحيد هو الوصول إلى «نهاية سعيدة» للمسار، ولم تضع خطة ب، ج ، د. اي لم تستعد تلك البنية لأيام رمادية وسوداء، ولم ينعكس ذلك على تنوع بنيوي يتعاطى مع الاحتمالات بما يخدم المصلحة الوطنية. السؤال هل تستطيع بنية مسار اوسلو الخروج منه والدخول في مسار آخر، دون ان تتعرض مصالحها للخسارة والخراب؟ أغلب الظن انها لا تستطيع، ولا يغير من هذه النتيجة المرة، محاولة البنية الجديدة القديمة استدعاء التاريخ الثوري للرعيل الأول والثاني من حركة فتح والثورة الفلسطينية، الذي انطلق من مغامرات وطنية وثورية أدت الى استشهاد عدد كبير من القيادات والكوادر. لا يمكن الخلط بين مرحلتين ومسارين، مسار التحرر الوطني وبنيته الثورية، ومسار الحل الأميركي الإسرائيلي وبنيته البراغماتية المنتمية للاقتصاد الحر. 
إذا كانت بنية مسار الحل الأميركي غير قادرة وليس من مصلحتها تطبيق القرارات التي تعني الخروج من مسار أوسلو ووضع مصالحها الناشئة في مهب الريح، فلماذا اتخذت قرارات الخروج إذن؟ التفسير الأقرب إلى الصحة يحتمل الادعاء بأن القرارات وُضعت للضغط على إدارة والحكومة الإسرائيلية بشكل خاص، وعلى النظام الدولي بمستوى أقل، لحملهم على التراجع عن السياسات الحمقاء التي لا تستطيع القيادة قبولها وتمريرها دون أن تنفصل عن شعبها إلى غير رجعة. ولكن مع استمرار الإمعان الأميركي الإسرائيلي في تصفية مقومات الدولة ومعها القضية الوطنية، فإن مأزق القيادة يزداد ويتعمق، ما قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات دون مستوى الخروج من مسار الحل الأميركي، يشهد على ذلك تمرد القيادة النسبي على السياسات الأميركية الإسرائيلية، عندما خاضت معركة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وبالانضمام لمؤسسات واتفاقات ومعاهدات دولية، وعندما رفضت توفير الغطاء الفلسطيني الرسمي لصفقة ترامب المشؤومة سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر عبر الصمت والانتظار. 
أما قرار المجلس الوطني الخاص بالتراجع عن الإجراءات التي مست حياة المواطنين في قطاع ، فإن تطبيقه كان ممكناً بعد انتهاء دورة المجلس الوطني السابقة فوراً. إن عدم تطبيق القرار والتهديد باتخاذ قرارات نوعية له صلة بمحاولة فرض تراجع على حركة حماس، بالإفادة من أزمتها الداخلية والخارجية غير المسبوقة. وإذا كان عمل المنظمة على إنهاء تمرد «حماس» مشروعاً، وبخاصة لجهة استخدام الأخيرة للسلطة في تحمل الأعباء دون أي مستوى من الشراكة، إلا أن ذلك له محاذير كبيرة، يأتي في مقدمتها: المس بوحدة الشعب الوطنية نتيجة للضرر الكبير الذي سيلحق بمليوني مواطن في قطاع غزة، وهنا فإن تهديد وحدة الشعب لحظة وجود خطر داهم يستدعي تغليب الجهد لدرء الخطر الخارجي دون أن يعني ذلك التسليم بابتزاز «حماس». لا يمكن الدخول في معركة خارجية كبرى ضد صفقة القرن وفي الوقت نفسه الدخول في معركة داخلية فاصلة عنوانها الحسم مع «حماس»، ذلك الحسم الذي يأتي فقط، عبر كسب السواد الأعظم من المواطنين، في مواجهة استئثار حركة حماس بقطاع غزة ووضع حد لاستخدام معاناة المليونين في بقاء سيطرتها بما في ذلك توظيف جرائم الاحتلال ضد الأبرياء والشبان السلميين للخروج من مأزقها. إن الحسم مع «حماس» دون كسب الشعب ودون ديمقراطية أمر متعذر ولا يحل المشكلة، ذلك أن مركز سيطرة «حماس» في قطاع غزة يعول عليه كرافعة لإعادة استنهاض الإخوان المسلمين في والأردن وبلدان أخرى، والحركة بهذا المعنى ليست وحدها، فهناك مراكز إقليمية داعمة كقطر وتركيا فضلا عن المركز الدولي للإخوان في أوروبا وأميركا والخليج. كما أن استعداد الحركة للتكيف والمرونة كما تفعل مع مصر، وكما تتعاطى مع المسعى الأميركي لترسيم فصل القطاع عن غزة كحلقة من صفقة ترامب، كل هذا يصعب المهمة كثيراً.
 الصراع الديمقراطي مع «حماس» يترتب عليه صيانة وحدة الشعب الوطنية وتعزيز الصمود الوطني وتطور المؤسسة والمشاركة الشعبية في القرار، وهو في الأساس صراع مع المدرسة الفكرية والأيديولوجية، ومن الصعب إحراز تقدم جدي بمعزل عن نتائج المعركة الفكرية والسياسية مع «حماس» ومع مركز الإخوان المسلمين وبمشاركة القوى المتنورة والعلمانية والعقلانية واليسارية. 
في مجال دور القوى اليسارية، أعجبني تحليل الجبهة الديمقراطية في البيان الذي يوضح الأسباب التي دعتها إلى مقاطعة أعمال دورة المجلس المركزي الحالية، وأهمها الاستئثار والتفرد في اتخاذ القرارات، وكثرة المراسيم بمعزل عن المؤسسة، وعدم تطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي، واستخدام القوى المشاركة في المؤسسة الرسمية كغطاء سياسي، والخشية من استخدام المشاركين في الدورة الحالية كغطاء لإجراءات جديدة ضد قطاع غزة والمجلس التشريعي، لكن هذه الأسباب الوجيهة نفسها مضافاً إليها الخطر الداهم والتهديد الذي يحيق بالمصير الفلسطيني، تستدعي مشاركة الجبهة الديمقراطية، من اجل التغيير في كل بند من البنود السابقة وخوض المعركة وكشف المستور للرأي العام، من موقع الانتماء للمؤسسة أو الدفاع عن دورها حتى لا تكون ملكاً لتنظيم او مسؤول. لقد تميزت الجبهة الديمقراطية تاريخياً في حرصها ودفاعها عن المؤسسة، لكنها الآن للأسف، تتغير وتنتقل من المعارضة الإيجابية إلى المعارضة السلبية، وفي ذلك خسارة كبيرة.
بقي القول إن تنظيمات المعارضة اليسارية، وكذلك معارضة «حماس» عملت وتعمل من موقع بنية أوسلو( مجلس تشريعي وحكومة ومؤسسات وأجهزة) ولم تتمكن للأسف من إيجاد بنية جديدة مستقلة تحمل المواقف التي تدعو لها وتساهم في تعديل بنية مركز القرار، ودعم مسار التحرر المستقل عن كل وصاية، كما أن خفوت بل وتلاشي محاولات الإصلاح في إطار مؤسسات المنظمة يُضعف إلى حد كبير من جدية المعارضة الحالية، بل يفسر الانتقال من المعارضة الإيجابية إلى المعارضة السلبية. وللحديث بقية. 

[email protected]

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى