فلسطين | من «السياسة الدفاعية المشتركة» ... إلى «الجيش الأوروبي»..عريب الرنتاوي

فلسطين | من «السياسة الدفاعية المشتركة» ... إلى «الجيش الأوروبي»..عريب الرنتاوي
فلسطين | من «السياسة الدفاعية المشتركة» ... إلى «الجيش الأوروبي»..عريب الرنتاوي

قبل ما يقرب من عقدين من الزمان، دعيت مع نفر من الأردنيين، إلى ، للمشاركة في مؤتمر دولي نظمته كلية الدفاع الوطني الفرنسية، والموضوع الوحيد الذي كان مدرجاً على جدول أعماله: نحو سياسة دفاعية وأمنية أوروبية جديدة ... يومها جرى الحديث عن الحاجة لتشكيل «قوة دفاعية أوروبية»، قوامها 60 ألف ضابط وجندي، للذود عن حدود أوروبا ضد أي تهديدات محتملة، وللمساهمة في حفظ المصالح الأوروبية عبر البحار.
لم تكن التهديدات قد أحاقت بالقارة العجوز كما هي عليه اليوم ... كانت سادرة في ضعفها وتفككها ... الصين بالكاد كان ينظر إليها كقوة دولية منافسة ... لم يكن الشرق الأوسط قد احترق بأزماته، أو شرع في تصدير موجات متلاحقة من ، أو تحول كمنتج ومصدر لأبشع وأعنف موجة إرهابية ... ومع ذلك، كان هناك استشعار بالحاجة لحضور أوروبي، في الميدانين الأمني والدفاعي.
لم ير المشروع الأمني - الدفاعي الأوروبي النور، رغم الكثير من الجهود التحضيرية التي بذلت لإخراجه من حيّز الفكرة إلى فضاء المعسكرات والأساطيل والقواعد ... اليوم، تعاود طرح هذه المسألة من جديد، من خلال الدعوة التي أطلقها رئيسها لتشكيل «جيش أوروبي» لمواجهة التهديدات الروسية والصينية وحتى الأميركية، وهي الدعوة التي حظيت بتأييد فوري من المستشارة الألمانية، وردّ عليها بقوة مشوبة بالسخرية، دونالد .
التهديدات تحيط بأوروبا اليوم أكثر مما كانت عليه قبل قرابة عقدين من الزمان ... روسيا يلتسين، رجل الأوراسيا الضعيف، أصبحت لاعباً دولياً ناهضاً ... والصين عاودت شق طريق الحرير بكثافة ونشاط... والقارة تتعرض لغزوات متعاقبة من اللاجئين الآسيويين والأفارقة والشرق أوسطيين ... والإرهاب ضرب في طول أوروبا وعرضها ... وبريطانيا على وشك مغادرة الاتحاد، والأهم أن ثمة رئيسا في واشنطن، لا يتقن شيئاً غير فنون الابتزاز وإثارة النزاعات والانقسامات وتأجيج الأزمات وتسميم العلاقات الدولية.
الحاجة ماسة لسياسة دفاعية أوروبية مشتركة، فالدول الوارثة للنظام الاستعماري القديم، انكشفت في كثير من المحطات والاستحقاقات، إذ حتى عندما قررت مواجهة نظام العقيد الليبي معمر القذافي، وجدت نفسها مكشوفة الظهر، تستنجد بقوة النيران الأميركية الكثيفة، والتي من دونها، ربما كان العقيد على رأس عمله المعتاد في الغرب، اليوم.
لكن شتان بين الحاجة والقدرة ... الحاجة ضاغطة بيد أن القدرة على ترجمتها إلى خطوات وإجراءات، وتشكيلات مقاتلة مشتركة، تبدو ضعيفة للغاية ... والسبب الرئيس في ضعف القدرة أو غيابها، سياسي بامتياز ...إذ ثمة حاجة لتنسيق مواقف 27 دولة ( باتت خارج المعادلة)، وإقناعها بفلسفة الدفاع المشترك وعقيدته القتالية والمشاركة في تشكيلاته مادياً وبشرياً، وذلك سبب يحول دون تحول الاقتدار المالي والتكنولوجي الأوروبي، إلى اقتدار دفاعي - استراتيجي مشترك.
ليس ثمة ما يشير إلى أن أوروبا ستصطف خلف دعوة ماكرون لبناء الأوروبي ... فثمة دول أوروبية تفضل تعزيز روابطها الدفاعية مع على الذهاب إلى مغامرة الجيش الأوروبي ... وثمة دول أوروبية، ما زالت تثق بالسلاح الأميركي الذي تشتريه بكثافة، ولا تثق بالقدر ذاته، بالسلاح الأوروبي ... وثمة دول تفضل الانتظار قبل الذهاب إلى خيارٍ كهذا، على اعتبار أن «الترامبية» مرحلة عابرة في العلاقات بين ضفتي الأطلسي، لتعود بعدها إلى سكتها المعتادة.
وحتى بفرض أن ضغط أزمات اللجوء والإرهاب ستضغط على بعض دول الاتحاد للتساوق مع الدعوة الفرنسية، فإن من المرجح أن تسعى هذه الدول، في «تقزيم» فكرة «الجيش الأوروبي» إلى وحدات «حرس حدود»، لضبط عمليات اختراقها وتوزيع عبء حراستها من تدفق عشرات ألوف المهاجرين الجديد، أما الحديث المتجدد عن سياسة دفاعية وأمنية جديدة، و"جيش أوروبي"، فالأرجح أنها ستظل أضغاث أحلام تراود الإليزيه بين حين وآخر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى